|
في رابع مقالة من سلسلة له عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، ينظر برايان وِتِكَر في مسألة كيف أن النزاع العربي-الإسرائيلي يقوم بتقويض الإصلاح الناشر: صحيفة “The Guardian” الكاتب: برايان وِتِكَر قضية واحدة سيطرت على الجدل السياسي في الشرق الأوسط وعلى مدى أكثر من جيل. وأدّت إلى تفريخ مجموعات فدائية وإرهابية من كلّ طيف تقريبًا، من القوميين إلى الإسلاميين. كما عرقلت التغيير والتحديث السلمي في المنطقة، وساعدت في الإبقاء على أنظمة استبدادية في الحكم. إنه النزاع العربي-الإسرائيلي الذي لم يدمّر الشرق الأوسط فحسب، بل وفّر أيضًا ستارًا من الدخان لحجب ذلك الشقاء، مُحوّلاً أذهان العرب بعيدًا عن مشاكلهم الداخلية ومانحًا المبرّر لحكومات منهكة للبقاء على قيد الحياة لوقت تجاوز بكثير "تاريخ النفاذ". وكما أخبر عربي بارز من لبنان صحيفة بيروتية الشهر الماضي؛ "عندنا قوانين طوارىء، ولدينا السيطرة عبر أجهزة الأمن، وعندنا تكتل من أحزاب المعارضة، وعندنا إقرار بالحقوق السياسية- كل ذلك باسم النزاع العربي-الإسرائيلي." والمتحدث ها هنا كان الشيخ محمد فضل الله، رجل الدين الشيعي البارز في لبنان- بيد أن وجهات نظر مماثلة يمكن سماعها من أي شخص تقريبًا، من الدار البيضاء غربًا إلى الدوحة شرقًا. ثمّ أردف الشيخ فضل الله قائلاً؛ "حلّ النزاع العربي-الإسرائيلي يجب أن يكون جزءًا من أي مبادرة جادّة للتغيير في الشرق الأوسط، ليس لمصلحتها فحسب، بل لأنها ستزيح الدعائم التي تسند الحكم السيء." في مصر، وفي ذات الوقت تقريبًا، كان الرئيس حسني مبارك يتحدث أمام مؤتمر حول الإصلاح العربي. وهو بدوره، يرى أن هناك حاجة لحلّ النزاع كمقدمة للتغيير – مع أن نقطة جدله مختلفة؛ "التجاهل المتعمد للانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ... لن يساعد مساعينا للإصلاح، بل ربما ساهم ذلك في تقوية الإرهاب والتطرف الناتج عن اليأس والإحباط للمجتمعات العربية." ثم أضاف: "هذا اليأس والإحباط ينبع من المقارنة ما بين المساعي الخارجية لفرض إصلاحات معينة على هذه المجتمعات، سواء أكانت بالقوة أو طوعًا، والتجاهل التامّ للانتهاكات التي ترتكبها أطراف أخرى." في هذه الأثناء، وبالنسبة للاتحاد الأوربي، فإن حلّ النزاع العربي-الإسرائيلي يعدّ "أولوية استراتيجية"، من دونه - وفقًا لوثيقة استراتيجية الأمن الأوربية - "سيكون هناك فرصة ضئيلة للتعامل مع مشاكل أخرى في الشرق الأوسط." وبتعبير آخر؛ إن الفشل في تحقيق السلام من المحتمل أن يحبط الآمال بشأن تحقيق الديمقراطية، والتحرّر، والتنمية الاقتصادية الإقليمية، والتعاون الأمني. إنه ومن وجهة نظر أي شخص ملمّ بشكل معقول بشؤون العالم العربي وممّن ليس عنده انحياز لطرف معيّن، فإن ما ذكره الاتحاد الأوربي والرئيس المصري ورجل الدين الشيعي أمر بدهي ليس إلاّ! فالنزاع العربي-الإسرائيلي يعدّ مركزيًا لمشاكل المنطقة؛ والانتهاء به إلى حلّ شامل وعادل سيحسّن فرص الإصلاح، والديمقراطية، والأمن، والتنمية الاقتصادية، و كلّ أمرٍ آخر تقريبًا في الشرق الأوسط، وبشكل لا يقاس. أمّا في واشنطن، فإن هذا الأمر أبعد ما يكون عن البداهة! فلأسباب ذات صلة أكبر بالآيديولوجية منها بالواقع، فإن إدارة بوش مترددة بشكل غير عادي عن القيام بالربط [أي ما بين مسألتي حلّ النزاع والإصلاح]. فالاقتراحات الأمريكية لـ "مبادرة شراكة الشرق الأوسط الأكبر" – كما جاء في مسودّة الوثيقة المعدّة لاجتماع قمّة الـ "G8" [مجموعة ما يسمّى بالدول الثمانية الكبرى] – تتجاهل النزاع بالكامل. حيث أن الوثيقة تعبر عن القلق بشأن الإرهاب والتطرف، وترى الإصلاح السياسي والاقتصادي كسُبل للقضاء عليهما. فعلى مستوى العامّة، تركيز الوثيقة هو على البطالة، والفقر، والأميّة وما شابهها، والتي من الممكن جدًا أن تكون من ضمن العوامل (مع أن بن لادن لم يكن معدمًا ولا قليل الثقافة) إلاّ أن كلمات مثل "اليأس" و "الحرب" و "الاحتلال" و "الظلم" لم تذكر على الإطلاق! والالتواءات في خطاب الرئيس بوش شهر نوفمبر الماضي، عندما أطلق حملته عن الديمقراطية في الشرق الأوسط، كانت بحق أكثر غرابة. حيث قال: "بالنسبة للشعب الفلسطيني، فإن الطريق الوحيد للاستقلال والكرامة والتقدم هو طريق الديمقراطية ... (تصفيق!) ... والقادة الفلسطينيون الذين يمنعون ويقوضّون الإصلاح الديمقراطي، ويغذّون الكراهية ويشجّعون العنف ليسوا بقادة على الإطلاق. إنهم العقبات الرئيسية للسلام ولنجاح الشعب الفلسطيني." إذًا فالمسألة كلّها هي بسبب خطأ الفلسطينيين! فلا تأبه إلى حقيقة أن ياسر عرفات هو رئيسهم المُنتخب (حيث اختير من خلال واحدة من أكثر انتخابات المنطقة نزاهة) وما زال لديه دعم كبير في استطلاعات الرأي؛ ولا تأبه إلى حقيقة أن الحكومة الإسرائيلية تحاول خلعه، بل وهددت مؤخرًا باغتياله؛ ولا تأبه أيضًا إلى حقيقة أن الفلسطينيين مضى عليهم سنتان وهم يحاولون إجراء انتخابات ولكن "الإجراءات الأمنية" الإسرائيلية تعترض الطريق. لا عجب من أن العرب، والكثير منهم يريد حقًا الإصلاح والديمقراطية، مرتابون بشدّة من مخططات بوش: حيث تنبعث منها رائحة الهيمنة بدلاً من الشراكة، والترويج للعبودية بدلاً من الديمقراطية. لكن دعنا نفترض، ولو للحظة، أنه يمكن إقناع السيد بوش بقبول ما يعتقد به الاتحاد الأوربي، وهو أن الإصلاح في الشرق الأوسط من المستبعد أن ينجح دون توجيه الخطاب – لحلّ عادل - لنزاع المنطقة الأطول أمدًا. إن المشكلة ليست نقصًا في الحلول الممكنة. فأغلب الأعمال الأساسية قد تمّ إنجازها: فلدينا محاضر الاجتماعات من محادثات طابا التي توقفت قبيل وصول آرييل شارون للسلطة، ولدينا مخطط تفصيلي من "مجموعة الأزمات الدولية"، ولدينا "مبادرة العرب للسلام" لسنة 2002، و "خارطة الطريق" المدعومة من قبل الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة وروسيا و (نظريًا) الولايات المتحدة، و "معاهدة جنيف" – معاهدة السلام غير الرسمية، الموقّع عليها السنة الماضية من قبل العديد من الإسرائيليين والفلسطينيين. إن ما تحتاجه المسألة فعلاً هو الإرادة السياسية: مبادرة جادّة من قبل إدارة أمريكية عادلة بالفعل، ومستعدة لاستعمال نفس الضغط على الحكومة الإسرائيلية، مثل ذاك المستخدم حاليًا على الفلسطينيين. إنه وبمجرد فعل ذلك، ستنزل بقية المسائل في مكانها الصحيح. وباعتبار طبيعة النزاع وتاريخه، فمن المستحيل بمكان أن يكون الجميع راضين، ولكن سلامًا شاملاً يمكن بيعه للجمهور العربي والإسرائيلي على أنه عادل بوجه عام، سيضعف الجماعات المتطرفة بشكل جدّي وسيبدأ بتهميشهم. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم سيذبلون في ليلة وضحاها، لكنهم سيساقون إلى أرض عقيمة. وحجج القاعدة حول "تحالف صهيوني-صليبي" ستفقد كثيرًا من شعبيتها. في هذه الأثناء، دولاً عربية مثل سوريا، لن يكون لديها المبرر لإيواء الجماعات المسلحة، لأن التمييز الذي يستخدمونه حاليًا ما بين الإرهاب و "المقاومة الشرعية للاحتلال الأجنبي" لن يعود ممكنًا. في ذات الوقت، وبدلاً من العيش على هزائم ومظالم نصف القرن الماضي أو نحوه، فإن الحكومات العربية (وعموم الجماهير في هذه الحال) سيُجبرون على التفكير بالمستقبل – مستقبل السلام والإمكانيات الجديدة. إن عواقب هذه المسألة لن تكون بادية للعيان في أي مكان مثلما هو الأمر في سوريا، حيث تعتمد شعبية النظام البعثي بالكامل تقريبًا على شعاراته حول استعادة مرتفعات الجولان من إسرائيل. أعيدوا الجولان إلى سوريا وستختفي ليلتها أسباب بقاء النظام. والبعثيون عندها سيكون لديهم خياران: اكتساب شرعيتهم من خلال إصلاحات شعبية ... أو الرحيل. وعلى الجبهة الاقتصادية، فإن تأثيرات سلام عادل وشامل ربما لن تكون فوريّة الظهور، ولكن عقبة كأداء في طريق التجارة الإقليمية (أيّ مقاطعة إسرائيل)، سيتم إزالتها. النقطة الجديرة بالذكر هنا هي أن السلام يجب أن يكون شاملاً، متضمنًا تطبيعًا عامًا للعلاقات مثلما هو مقترح في "مبادرة السلام العربية". ولعلّ مثالي مصر والأردن يظهران الحاجة لذلك. ففي كلا البلدين، تعرقل نموّ العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل، الذي كان متوقَعًا وفقًا لمعاهدتي السلام المنفصلتين، وذلك بسبب النزاع المستمر – وعلى وجه الخصوص، منذ اندلاع العنف قبل أكثر من ثلاث سنوات. وأكبر من ذلك كلّه، فهناك الضرر الذي تسبّبه إدارة بوش للتصورات بشأن الولايات المتحدة، من خلال عدم تحركها بشأن القضية العربية-الإسرائيلية، مثلها مثل كارثة العراق، حيث أنها منقادة بآيديولوجية ضيقة الأفق. وتلك مسألة ستتاح للأمريكيين فرصة مجابهتها في انتخاباتهم شهر نوفمبر القادم، لكنها وفي الشرق الأوسط أيضًا تخنق جهودًا لإصلاح محلّي من النوع الذي يفترض أن السيد بوش يريد تشجيعه. فقد حذّر وزير الخارجية الأردني، مروان المعشر، في مقالة العام الماضي قائلاً: "أولئك الذين في الولايات المتحدة ممّن يدعون إلى إعادة ترتيب المنطقة، من المستحسن أن يتوقفوا عن مثل هذا الكلام. إنهم بذلك يستَعْدون العرب ويعرّضون للخطر جهود المصلحين الحقيقيين، الذين لم يعد بإمكانهم الآن المناداة بالديمقراطية بدون اتهامهم أنهم يلعبون دور أمريكا." ثمّ ذكر بأن أفضل طريقة لمجابهة ذلك هي بقيام الولايات المتحدة "بزيادة جهودها للمساعدة في حلّ النزاع العربي-الإسرائيلي." مضيفًا: "فليس هناك عمل آخر بإمكانه التدليل بشكل أحسن على أن الولايات المتحدة متحسّسة لجميع مشاكل المنطقة." وفي الوقت الذي يعدّ فيه من المقبول المجادلة، كما يفعله الكثير من العرب، بأن الإصلاح في الشرق الأوسط ينبغي أن يأتى من الداخل، فليس هنالك شكّ بأن الأمر سيحتاج للمساعدة من الولايات المتحدة ومن غيرها. ولكن إلى أن تبدي الولايات المتحدة اهتمامًا بشراكة حقيقية، فإن مثل تلك المساعدة محكوم عليها بالمقاومة. إن الخطوة العملية الوحيدة التي من الممكن أن تقوم بها الولايات المتحدة فورًا نحو إصلاح سمعتها، وفي الوقت ذاته المساهمة في تقدّم قضية الإصلاح، هي أن تجعل وجود سلام عربي-إسرائيلي عادل أولّ أولويّاتها، وبالتحرك بقوة لتحقيقه. فببساطة، ليس هناك سبيل آخر. وبينما يتفكك العراق، ربما سيشعر السيد بوش بالحاجة إلى إصلاح سمعة أمريكا أقرب ممّا يعتقد! |
||