|
كم هو كبير الفرق الذي يمكن أن تعنيه شهور قلائل! ديفيد كريجر* في نهاية شهر أبريل 2003م، أي قبل حوالي أربع شهور، وقف دونالد رمسفيلد مزهوًا في مقرّ الكولونيل تومي فرانكس في قطر، يقارن النصر الأمريكي في العراق بسقوط جدار برلين وبتحرير باريس. لقد كان سقوط جدار برلين بمثابة الإعلان عن نهاية الحرب الباردة وتوحيد الشرق مع الغرب، وفي المثال الآخر قام سكان باريس فعليًا بالترحيب بقوات التحالف كمحررين من وطأة النازيين في الحرب العالمية الثانية. ولكن في كلتا الحالتين لم يكن ضروريًا الإبقاء على قوات أمريكية كقوات احتلال، وفي كلتا الحالتين لم يكن هناك نفطًا محط أطماع حكومة الولايات المتحدة! وبينما كان رمسفيلد معتزًا بتفوق جيش الولايات المتحدة على القوات العراقية (الأدنى مستوىً منه بكثير!) جعجع متفاخرًا: "لم يسبق أبدًا أن وجد هذا العدد الكبير من المخطئين بهذا الشكل الكبير بشأن هذا العدد الكبير من الأمور." وكان على الأرجح يشير إلى "العدد الكبير" من المشككين في الأساليب العسكرية الأمريكية المستخدمة في الحرب، وليس إلى أولئك الذين يعتقدون بأن هذه الحرب غير خلقية، وغير شرعية، وغير ضرورية. ومن الواضح أنه كان يوم ابتهاج لرمسفيلد وكان متمتعًا بجعجعة تصريحاته إلى العالم بأنه كان مصيبًا منذ البداية! بعدها بأيام قلائل، ظهر جورج بوش منتشيًا، بزي طيّار مقاتل، بعد نقله جوًا لمسافة ثلاثين ميلاً تقريبًا من ساحل كاليفورنيا إلى ظهر حاملة الطائرات الأمريكية "ابراهام لينكولن". وأعلن بوش للقوات المحتشدة على ظهرها بأن العمليات الحربية الكبرى قد انتهت. وصرح بوش وقتها: " بالأساليب الجديدة وباستخدام الأسلحة متناهية الدقة، يمكن أن نحقق أهدافنا العسكرية بدون توجيه العنف ضد المدنيين." ولكنه لم يذكر أن عدد المدنيين الأبرياء الذين قضوا في حرب العراق كان تقريبًا ضعف عدد أولئك الذين ماتوا في 11 أيلول/سبتمبر. كما ولم يذكر الضحايا من أطفال العراق الذين فقدوا أذرعًا وأرجلاً ووالدين نتيجة للحرب، وما سيترتب على ذلك من معاناتهم المستمرة طيلة حياتهم. الرئيس، المتقمص لشخصية العسكري البطل، أردف قائلاً: "ليس هناك أداة بشرية بإمكانها أن تزيل مآسي الحرب." لكنه لم يقل، لأنه على الأرجح لم يفكر، بأن مآسي الحرب ممكن تجنبها باستخدام الحكمة. كما وأنه لم يذكر بأنه، في هذه الحرب بالذات، كانت قد بُدئت بصورة غير شرعية وبدون تفويض من الأمم المتحدة، بل كانت على أساس مزاعم وجهت منه ومن إدارته إلى الشعب الأمريكي مفادها أن النظام العراقي كان يمثل خطرًا لاستخدام وشيك لأسلحة دمار شامل. واستمر مقلّد الطيّار المقاتل قائلاً: "وإنه لتقدم كبير عندما يكون لدى المذنب تخوف أكثر بكثير من الحرب مقارنة بالبريء." وكان عليه أن يضيف بأن هذا يكون حقيقةً خصوصًا عندما يكون هو وزملاءه، ولا أحد غيرهم، من يقرّر من هو المذنب ومن هو البريء! ومع متابعة كاميرات التلفزيون، استمر بوش قائلاً: "إن معركة العراق تعدّ واحدًا من الانتصارات في الحرب على الإرهاب والتي ابتدأت في 11 أيلول/سبتمبر 2002م، ولا تزال مستمرة." وبعد مضي أربعة شهور لعل ما يعدّه نصرًا هو مسألة تثير الاستفهام، كما ويبقى مفقودًا وجود رابط فعلي بين نظام صدّام حسين وبين "إرهابيي 11 أيلول". كما وكان مخطئًا أيضًا باستنتاجه أن "معركة العراق" كانت نصرًا أو أنها قد انتهت. وفي الوقت الذي يتم تسويق دمية لبوش بزي عسكري في عموم البلاد [تدعيمًا لشعبيته]، هناك شبان أمريكيون في قوات الاحتلال يقتلون يوميًا تقريبًا، في حرب على ما يبدو أنها حرب مستمرة للتحرر من الأمريكيين. فهناك من يقوم بتفجير وحرق أنابيب النفط، وبتعطيل إمدادات الماء، ومهاجمة عمّال الإغاثة التابعين للأمم المتحدة. بينما تظهر قوات الاحتلال الأمريكية غير قادرة على إيقاف "الإرهابيين الجدد" الذين تولدّوا نتيجة هذه الحرب. وكان رئيس منتسبي الجيش السابق، الكولونيل أريك شينسكي، قد طالب بإرسال قوات احتلال للعراق أكبر بكثير مما تمّ استخدامه، لكن رمسفيلد تجاوزه بحكم رتبته العسكرية الأعلى موقنًا أنه لا حاجة لقوات أكثر. ويظهر الآن بأن شينسكي كان على صواب ورمسفيلد كان على خطأ. وأسلحة الدمار الشامل التي روجت لها إدارة بوش كي ترعب الشعب الأمريكي وتبرر شن الحرب لم يعثر عليها، على الرغم من أننا كنا قد أخبرنا وقتها بأن دك تشيني كان يعلم بمكانها تحديدًا! وهكذا وبعد أربعة شهور من تفاخر رمسفيلد وتشبيهه ما حصل بتحرير باريس، وبعد إعلان بوش انتهاء عمليات القتال الرئيسية للحرب، هناك حرب استنزاف مميتة ومستمرة ضد القوات الأمريكية والبريطانية في العراق. وأمريكا أبعد ما تكون عن الترحيب بها كمحرر، بل إنها خلقت لها عداوات أكثر في الشرق الأوسط، كما ويبدو أن "الإرهابيين" أضحوا أكبر عددًا وأكثر جرأة. واستعارة لمقولة رمسفيلد، الذي كان بدوره مستعيرًا لمقولة تشرشل، يمكن إعادة صياغتها كالتالي:" "لم يسبق أبدًا أن وجد هذا العدد القليل من المخطئين بهذا الشكل القليل بشأن هذا العدد الكبير من الأمور!" رمسفيلد، وبوش، وتشيني وولفويتز هم زعماء القلّة من المتمردين وقليلي النظر. فلم يكن هناك نصر في العراق، ووفقًا للظروف الحالية فليس هناك نصر محتمل. ما نحتاجه الآن هو نقاش عام حول كيفية إخراج أنفسنا من الوضع الخطير الذي خلقه هؤلاء الرجال قبل أن نصبح متورطين في حرب نظيرة لحرب فيتنام مع فارق أنها حرب تقودها الأطماع في النفط. إن نقطة البداية لإنهاء هذا الخطر هي بإيقاظ الشعب الأمريكي بتحقيق شامل ومفتوح من قبل الكونجرس للنظر في تضليلات إدارة بوش فيما يتعلق بمزاعم أسلحة الدمار الشامل للعراق واستخدامها كحجة لشن الحرب. وفي بريطانيا تخضع التضليلات التي استخدمتها حكومة بلير حاليًا للتحقيق المتشدد من قبل البرلمان، لكن في الولايات المتحدة يقف أعضاء الكونجرس الجمهوريون في طريق إجراء تحقيق بحق إدارة بوش. والمطلوب هو إجراء تحقيق وافٍ مثل ذاك الجاري في بريطانيا. بالإضافة لذلك وكخطوة مرحلية في طريق نقل السلطات الإدارية الكاملة إلى الشعب العراقي، ينبغي على قوات الولايات المتحدة والتحالف التحرك الفوري لتسليم سلطة إدارة العراق إلى الأمم المتحدة. ومثل هذه التوصية تأتي على افتراض، لعله بدهي، أن الأمم المتحدة ستكون راغبة بقبول هذا الدور على أساس أنه سيكون بمقدورها التصرف باستقلالية كافية عن واشنطن. وبائتمان الأمم المتحدة على مستقبل العراق، ستبرهن الولايات المتحدة على أنها ليست بصدد إدارة العراق من أجل تحديد مسار مستقبله السياسي أو من أجل تقوية علاقات الشركات الأمريكية بإدارة بوش. كما وسيسمح ذلك بتقاسم العبء الأمني في العراق والذي سيمكن بدوره عودة أبكر لقوات الولايات المتحدة المتواجدة حاليًا في العراق. * من مؤسسي "مؤسسة سلام العصر النووي" كاليفورنيا-الولايات المتحدة، ورئيسها منذ عام 1982م. باحث ومحاضر وله مؤلفات عدّة حول مواضيع السلام والسياسة والقانون الدولي وغيرها. وحاصل على جوائز عالمية عديدة في هذا المجال.
|
||