|
بقلم أريك س. مارجولس* عندما كنت أعيش في جامايكا منذ سنين عديدة، حدث ذات مرة هلع غريب في عموم البلد عرف يومها بـ "التابوت ذي العجلات الثلاث". عاصفة من الشائعات تحدثت عن تابوت أسود بعجلات ثلاث يعتليه ثلاثة غربان سود [رموز شؤم عندهم] كان يتنقل في طرقات جامايكا. وهجرت قرى مرعوبة فور سماعها بخبر دنو التابوت منها! طبعًا لم يعثر على" التابوت ذي العجلات الثلاث" وقتها، وتلاشى الهلع تباعًا. سكان أمريكا وبريطانيا عاشوا مؤخرًا نسختهم الخاصة من " التابوت ذي العجلات الثلاث"؛ صرعة هلع شعبي اسمها العراق. أضحى واضحًا الآن أن حكومتي بوش وبلير خدعوا مواطنيهم فيما يخص العراق، لفّقوا المعلومات الخاطئة و ضلّلوا الكونجرس و البرلمان. وتواجه كلتا الحكومتين عاصفة نقد متصاعدة ومطالبات بإجراء تحقيقات شاملة. لقد اتصل عدد من ضباط المخابرات المتقاعدين، أفرادًا وجماعات، مؤيدين للتأكيدات التي نشرتها قبل أسبوعين والتي نصت على أن عصبة من المحافظين الجدد في إدارة بوش حرّفت أو زورت المعلومات التي شكلت أساس الادعاءات بأن العراق امتلك أسلحة دمار شامل هددت على نحو وشيك الولايات المتحدة والبشرية جمعاء. ونقلاً عن ضباط في المخابرات البريطانية (MI6) وتقارير صحف بريطانية فإن حكومة بلير كانت قد غذيت بنفس هذه المعلومات المحرفة، بل أنها أصدرت أوامر إلى الـ (MI6) لجعلها أكثر إثارة. ويصف وزير الخارجية السابق روبن كوك، والذي كان قد استقال احتجاجًا على حرب بوش / بلير على العراق، يصف تقارير المخابرات التي استخدمت لتبرير العدوان بأنها "غير صحيحة" و "ملفقة". وكان الرئيس بوش قد استشهد بوثيقة مزورة - غير متقنة التزوير - عن مبيعات اليورانيوم من النيجر إلى العراق في واحد من خطاباته الموجهة للشعب الأمريكي. وادعى بلير مرة بأن بإمكان العراق مهاجمة الغرب بأسلحة دمار شامل خلال 45 دقيقة. كما أن اتهامات كولن باول في كلمته المحرجة في الأمم المتحدة ضد العراق اتضح فيما بعد أنها لم تعدُ كونها فقاعات هواء ساخن. وإلى يومنا هذا لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق. ويبدو أن مصادر تجسس فرنسا كانت البشرية هي الأفضل في عراق ما قبل الحرب. وقد حذر الرئيس جاك شيراك بوش وبلير بأنه ليس هناك مثل هذه الأسلحة، وبقرار صائب رفض المشاركة في الغزو غير القانوني للعراق. بيد أن بلير أصغى وبحماقة إلى بوش وليس لشيراك. ووفقًا لمصادر استخباراتية غاضبة من فساد وانحراف جهاز الأمن القومي وأدائه المتأثر بالنزعات السياسية، فإن المصدر الرئيس للأكاذيب والتحريفات حول العراق كان منفيون عراقيون، وكثير منهم عملاء يتقاضون المال من حكومة الولايات المتحدة. هؤلاء المنفيون المعارضون لصدام، وعلى رأسهم أحمد شلبي وتجمعه "مؤتمر العراق الوطني" والعالم العراقي الأسبق خضر حمزة، سربوا سيل من الادعاءات المزيفة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية للبنتاغون وصحيفة الـ (NY Times). ومن المعلوم أن شلبي وحمزة، المصنفان من قبل الـ (CIA) على أنهما من النصابين، على علاقة وثيقة بالمحافظون الجدد ريتشارد بيرل وبول ولفويتز وجيمس وولسي، و على علاقة بالحزب الإسرائيلي المتشدد الليكود عبر شبكة المحافظين الجدد الأمريكان. عندما لم تتمكن الـ (CIA) من العثور على دليل مادي على أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي يحتاجها المحافظين الجدد لتبرير شن الحرب، قام وزير الدفاع رمسفيلد، الصقر البارز، بأستحداث وحدة مخابرات جديدة هي "مكتب الخطط الخاصة" وأسند مسؤوليته إلى نائبه بول ولفويتز، وهو من صقور المحافظين الجدد. ما أدى إلى احتجاجات من قبل منسوبي الاستخبارات على هذا التدخل السافر لتسييس جهاز الأمن القومي، إلا أن هذه الاحتجاجات تجوهلت. ثم قام ولفويتز بدوره باستحداث فريقي استخبارات آخرين لتمرير المعلومات المضللة من المنفيين العراقيين إلى البيت الأبيض. وأسندت رئاسة هذين الفريقين إلى كل من دوجلاس فيث وابراهام شلسكي، وهما من صقور البنتاغون المؤيدين للمحافظين الجدد. وطبقًا للتقارير فإن الفرق الثلاث هذه قامت بتغذية المعلومات المحرفة أو المبالغ فيها إلى بوش وبلير. كما كانت هناك تقارير مضللة أخرى وصلت إلى باول عبر لويس لبّي رئيس موظفي نائب الرئيس دك تشيني، وهو من المحافظين الجدد أيضًا. كما قام آخرون من المحافظين الجدد كذلك مثل ويليام كريستول و ويليام سافاير بتجهيز الدعاية الإعلامية المؤيدة للحرب. وللمعلومية فإن كثيرًا من المسؤولين الكبار المشتركين في هذا التزوير الواضح – وهم مجموعة من المتشددين من اليمين المتطرف وقريبي الصلة بحزب الليكود الإسرائيلي - كانو أعضاء في "مشروع القرن الأمريكي الجديد" ، الذي طرحوه عام 2000 م (قبل 11 سبتمبر) ودعوا فيه إلى غزو العراق وسوريا وليبيا وإيران، وإلى هيمنة أمريكية عالمية. ومع معطيات عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، الأمر الذي أوقع هؤلاء المحافظين الجدد في حرج فإنهم الآن يدّعون بأن هذه الأسلحة تم نقلها إلى سوريا و/أو إيران أو حتى باكستان، وهي أهدافهم القادمة للحرب. إن بعض عبوات السموم أو غاز الخردل أو حافظات الجراثيم ربما سيتم اكتشافها (أو على الأرجح: اختلاقها) في العراق. بالرغم من ذلك فإن هذه لا تعدّ أسلحة دمار شامل. الخردل وغاز الأعصاب أسلحة ميدانية، وهي أسلحة غير كفوءة، أضف إلى ذلك أنها لو أريد استخدامها لإصابة أهداف على مدى بعيد فلا يتحقق ذلك إلا باستخدام طائرات أو صواريخ خاصة، لم يمتلك العراق أي منها في 2003 م. وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد زودت العراق بالغاز والجراثيم في الثمانينيات للاستخدام في ميادين القتال ضد إيران. ثم إن قنابل النابالم وتفجيرات الوقود الجوية تعد أكثر تأثيرًا بكثير. إن أسلحة الدمار الشامل الحقيقية هي الأسلحة النووية، وقد أكدت الأمم المتحدة خلو العراق منها منذ زمن طويل. تصف جين هارمون - الديمقراطية الكبيرة في لجنة المخابرات بمجلس النواب الأمريكي - ادعاءات بوش حول العراق "أنها بواقع الحال... أكبر خدعة مخابرات في جميع العصور." وهي ربما تعد شبيهة بدعوى د. جوبيل عندما ادعى بأن بولندا على وشك أن تهاجم ألمانيا عام 1939 م. إن رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء بريطانيا متهمان بالكذب على شعبيهما لغرض الخوض في معركة كان تبريرها الحقيقي هو، كما لمح مؤخرًا مهندس الحرب ولفويتز: "من أجل ترتيبات اجرائية" و "لأن العراق يسبح على بحر من النفط". إن البريطانيين يعيشون حالة من الغليان، بينما كثير من الأمريكيين، على العكس من ذلك، يبدو أنهم غير مكترثين. لقد قام الجمهوريون في الكونجرس بمقاضاة الرئيس بيل كلينتون يوم اتهم بالكذب حول ممارساته الجنسية. والرئيس بوش قام بتضليل الشعب الأمريكي وخدع الكونجرس وخرق ميثاق الأمم المتحدة وأتلف البلايين من الدولارات وحياة الكثير من الناس، أمريكيين وعراقيين، كل ذلك من أجل حرب مفبركة حولت الكثير من العالم ضد الولايات المتحدة؛ ورغم ذلك فمن المحتمل أن يعاد انتخابه للرئاسة. * إذاعي وكاتب صحفي أمريكي، نشرت مقالته هذه يوم 9 ربيع الآخر 1424 هـ الموافق 9 حزيران 2002م وهي موجودة مع مقالات أخرى جديرة بالقراءة في موقع www.bigeye.com/foreignc.htm |
||