ما هو هدف بوش الحقيقي في العراق؟

مصدر المقالة الأصلية  

 الناشر: موقع “Information Clearance House” الإخباري

الكاتب: بول فِندلي*

التاريخ: 18 كانون الأول/يناير 2004

إن التحدّي الأكثر إلحاحًا الذي يواجهنا في العراق هو إقناع المتمردّين المسلحين بأننا سنحزم أمتعتنا ونغادر حالما يتم تنصيب حكومة منتخبة مباشرة [من الشعب]. وانعدام الثقة بنوايا الولايات المتحدة هو السبب الجذري للثورة الدامية التي يبدو بأنها تزداد قوة كل شهر. فهل إدارة بوش صادقة فيما تذكره من أن هدفها هو عراق ديمقراطي مستقرّ؟ أم أن ذلك فقط غطاء لقواعد عسكرية دائمة تُمكّن حكومة الولايات المتحدة من السيطرة على العراق لأمد مستقبلي بعيد.

ونذكر ها هنا بعضًا من أسباب تشكيك العراقيين بنوايا الولايات المتحدة:

-         تعجّ عناوين الأخبار البارزة ونشرات الأخبار بتوقعات مسؤولي الإدارة [الأمريكية] بأن الحاجة لقوات الولايات المتحدة في العراق ستستمر لسنوات من الزمان.

-         حثَّ "المحافظون الجدد" في وزارة الدفاع منذ فترة طويلة على غزو العراق كخطوة نحو سيطرة أمريكية على الشرق الأوسط. يُذكر أن الجنرال المتقاعد أنتوني زيني، وهو رئيس سابق في القيادة المركزية الأمريكية، كان قد صرّح علنًا في الآونة الأخيرة بأن "كل فرد" في [الإدارة الأمريكية في] واشنطن يعلم بأن النفط وإسرائيل هي الأسباب الحقيقية للحرب.

-         لقد خلّفت الاعتداءات الأمريكية، منذ ابتداءها في الجولة الأولى [بما أطلق عليه] "الصدمة والرعب"، أكثر من 100 ألف قتيل من المدنيين العراقيين، إضافة لآلاف أخرى من الجرحى والمشرّدين، ومناطق شاسعة مُخرَّبة – بضمنها مدينة الفلوجة التاريخية.

-         لم يكن هناك تغييرات أو عقوبات جادّة لأولئك الذين يجلسون في المناصب العليا عقب الكشف عن أعمال التعذيب والإذلال الأمريكي للمعتقلين [في سجن أبو غريب وغيره].

-         انتقى مسؤولو الإدارة الأمريكية الحكومة العراقية الانتقالية المعيّنة برمتها. ومن المعلوم أن رئيس الوزراء، أياد علاّوي، الذي عاش في الولايات المتحدة لفترة طويلة، كان على علاقة وثيقة بالمخابرات الأمريكية الـ “CIA”، علمًا أنه كان رفيقًا حميمًا لصدّام حسين، وعمل في إحدى المرات بمثابة يد الدكتاتور الضاربة في أوربا.

-         مع نهاية حرب الخليج عام 1991 حثّت الولايات المتحدة العراقيين على التخلّص من صدّام. وأدّى ذلك إلى انتفاضة قويّة، غير أن الحكومة الأمريكية رفضت تقديم الدعم بأي شكل. وهذا الرفض حفّز صدّام على استخدام الطائرات المروحية المقاتلة [التي كان طيرانها محظورًا آنذاك] لذبح المئات من المنشقين [الذين خرجوا في الانتفاضة].

-         بعد حرب الخليج فرضت الولايات المتحدة بواسطة طائراتها المقاتلة، ولمدة عقد من الزمان، تطبيق العقوبات [الاقتصادية] الصارمة [على العراق]، التي أدّت إلى معاناة شديدة من قبل المدنيين، وشمل ذلك وفاة ما لا يقل عن نصف مليون طفل عراقي. 

-         في حقبة الثمانينيات – الفترة التي شهدت معاملة صدّام الأكثر قساوة للأكراد وغيرهم من المواطنين – لعبت الولايات المتحدة دور الشريك الصامت غير المعترض للدكتاتور، ممّا أعانه في قتاله مع إيران.

-         تجاهلت الولايات المتحدة عروض المصالحة المقدمة من مبعوثي صدّام، قبيل غزو العراق عام 2003.

-         أخفق الرئيس بوش باتخاذ أيّ خطوات لمعالجة ما يراه الآخرون على أنّه تحيّز أمريكي ضدّ العرب والمسلمين. ففي حين يتحدّث بوش عن اسقلال للفلسطينيين، يستمرّ في تأييد معاملة إسرائيل الوحشية لهم، دون اعتراض.

إن الريبة تجاه الحكومة الأمريكية مستشرية في كافّة أنحاء العالم العربي وما وراءه، وليس فقط في العراق، وحكومتنا لا تكاد تعمل شيئًا لتبديدها.

وإذا ما فشلت الإدارة [الأمريكية] في تحقيق المصداقية، فإن التمرّد سيشتدّ. والخطوة الأولى الأفضل ممّا يمكن القيام به، هي إقناع العراقيين عاجلاً بأنّنا سنغادر في اللحظة التي تطلب منّا الحكومة الجديدة المنتخبة مباشرة [من الشعب] المغادرة. وعلى الرئيس بوش أن يتعهد، بدون مقدمات، بأن توقيت وحجم انسحابنا سيكونان تحت سيطرة العراق. ولجعل هذا الوعد قابلاً للتصديق، يتحتم على بوش التصريح بوضوح بأن حكومتنا ستسحب كامل القوات العسكرية الأمريكية وكلّ المقاولين الأمريكيين وتفكيك جميع القواعد العسكرية الأمريكية خلال أسابيع معدودة من استلام الحكومة الجديدة مهامها. ويجب أن تكون الاستثناءات الوحيدة هي ما ترغب الحكومة العراقية الجديدة  ببقائه من الوحدات العسكرية والمقاولين. وستبقى مثل تلك الوحدات للفترة التي تراها الحكومة الجديدة فقط.

وفيما يتعلّق بالبعثة الدبلوماسية الأمريكية [في العراق]، التي تطفح بأعداد مهولة من الموظفين – أكثر من 2000 شخص، وهو أكبر رقم سَجّله التاريخ! - فيجب على حكومتنا التعهد بشكل صريح بأنّه وفور استلام الحكومة العراقية الجديدة مسؤولياتها سيتّم تقليل حجمها إلى المستوى المتعارف عليه.

 وبغض النظر عن دوافعه الأصلية، يتحتّم على بوش اتخاذ خطوات صارمة وعاجلة لإزالة التخوفات العراقية من الاستعمار الأمريكي. خلاف ذلك فإن صفحته في التاريخ ستكون أكثر بؤسًا من تركة الرئيس ليندون جونسون من الحرب الفيتنامية.

إن الثقة - وليس القوّة البشرية العسكرية - هي أكبر وأخطر ما ينقص العراق. وقوّات عسكرية أكثر ستؤدّي إلى تمرّد بحجم أكبر، وليس أصغر.

*عضو سابق في الكونغرس الأمريكي (للفترة 1961-1983)، كاتب ومحاضر متخصّص في مواضيع الشرق الأوسط. لقي كتابه "يجسرون على الكلام: أناس ومؤسسات تجابه اللوبي الإسرائيلي" رواجًا كبيرًا، حيث بيعت منه أكثر من 300 ألف نسخة.