|
الناشر: صحيفة “The Boston Globe” الأمريكية الكاتب: دَيرِك جاكسُن التاريخ: 7 كانون الثاني/يناير 2005 كان وزير الخارجية كولن باوَل يتجوّل في اقليم باندا آشيه الذي ضربته زلازل تسونامي ويقول: "لا أستطيع تخيّل الرعب الذي عصف بالعائلات وجميع أولئك الذين حلّ بهم صوت الزلازل ومن ثم انتزاع أرواحهم مع تلك الأمواج." أمّا ريتشارد لوغَر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ فقد أصدر مذكرة قال فيها: "إن كارثة تسونامي تمثّل مأساة إنسانية ذات أبعاد مذهلة... قلبي متصدّع لأجل ضحايا هذه المأساة." أخيرًا وليس بآخر، فقد قال الرئيس بوش: "الدمار في المنطقة يفوق التصوّر... وستُنكّس أعلامنا احترامًا لضحايا هذه الكارثة. ونحن نتأسّى حزنّا خصوصًا على عشرات الآلاف من الأطفال الذين فقدوا. وأذهاننا منصرفة إلى عشرات الآلاف الآخرين من الأطفال الذين سيكبرون من دون والديهم أو إخوتهم وأخواتهم [الذين قضوا بسبب الكارثة]. كما ستشمل صلواتنا جميع أولئك الذين ما زال مصيرهم مجهولاً." نظريًا؛ فإن سيل [التصريحات] كان مناسبًا. أما من حيث المضمون، فإن التعاطف كان يصدر عنه رائحة نتنة من الداخل! فعشرات الألوف قضت بفعل الطبيعة ونحن نصرّح بعدم استطاعتنا تخيّل الرعب. ونقول إن ما وقع يفوق التصوّر، ونسميه كارثة. وفي العراق نقوم بقتل الآلاف، بل ربما عشرات الآلاف، من المدنيين الأبرياء بأيدينا، وفي ذات الوقت نرفض أيّة محاولة لتجسيد ما اقترفناه فعلاً. وهناك عدد غير محصور من المشردّين بدون مأوى، ونسمّي ذلك تحريرًا! لقد قام بوش بسرد جميع الأرقام المتعلقة بتسونامي في أحاديثه هذا الأسبوع: 150000 نفس فُقدت، بضمنها 90000 في إندونيسيا؛ ربما 5 ملايين من المُشرّدين؛ وملايين أخرى مُعرضّة لتفشّي الأمراض. وعلى النقيض من ذلك يبدو من النفاق المحض موقفه الرافض للقيام بإحصاء المدنيين العراقيين الذين قُتلوا نتيجة غزوه للعراق بناءًا على ادعاءات مفبركة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، والفوضى التي يسودها الإجرام لاحتلال لم يخطّط "لتمرد مسلّح" محتمل. وزير الدفاع دونَلد رَمسفيلد وقائد القوات السابق في العراق، تومي فرانكس، كلاهما سبق وصرّح: "نحن لا نقوم بإحصاء الجثث." ثم من بعدهما، أعلنها كولن باول - في وجوهنا! - بأن إصابات المدنيين "قليلة نسبيًا." كما امتدح المتحدث باسم القيادة المركزية للجيش، بِيت ميشيل، الغزو على ما صحبه من "نسبة متدنية لا تكاد تّصدّق من الدمار وموت المدنيين الذي لا طائل منه." أمّا بول بريمر، مبعوث بوش السابق المكلّف بإعادة الإعمار فقد صرّح: "لقد حرّرنا شعبًا في واحدة من أعظم المعارك العسكرية لجميع العصور، في غضون ثلاثة أسابيع، و بدون أيّ دمار تقريبًا، صحبه عدد قليل جدًا من قتلى المدنيين. و هم الآن من الأحرار" هذا في الوقت الذي ترك فيه البيت الأبيض مسألة الإحصاء للصحفيين، والأطباء، والمفكرين، ولجماعات حقوق الإنسان! و تتراوح الإحصاءات ما بين التخمينات المحافظة بأن العدد هو 3200 قتيل في الأسابيع الأولى للحرب وما بين تخمينات عدد القتلى خلال فترة الاحتلال التي تُقدّر بـ 15000 إلى 100000. وبغض النظر عمّا إذا كان الرقم [الصحيح] هو 3200 أو 32000، فإن لزوم الصمت تجاه هذه المسألة هي جريمة وحشية تجعل [فضيحة] التعذيب في سجن أبو غريب تبدو باهتة بالمقارنة! يذكر أنه لم يكن هناك أعلام منكّسة بسبب موتى المدنيين العراقيين. ولم تكن هناك دقائق للوقوف بصمت من أجلهم في مجلس الشيوخ. كما لم يكن هناك تصريحات تأسّي لبوش "على عشرات الآلاف من الأطفال الذين فقدوا." ولم يُطلب من الأمريكيين التفكير في "عشرات الآلاف الآخرين من الأطفال الذين سيكبرون من دون والديهم أو إخوتهم وأخواتهم". وفي أمة يفترض أنها أعادت انتخاب بوش على أساس "قيم أخلاقية"، لم يكن هناك صلوات في البيت الأبيض من أجل "جميع أولئك الذين ما زال مصيرهم مجهولاً" في العراق. كما أن مجريات أحداث العراق لم تخل من النفاق الحزبي. فحتى نانسي بيلوسي، رئيسة "البيت الديمقراطي"، وقعت في فخ التفاخر، داعمة إظهار هذه الحرب على أنها حملة صليبية دينية. حيث قالت عند بدء الحرب: "نحن نصلّي من أجل نزع ناجح وخاطف لسلاح العراق بأقلّ الخسائر الممكنة في الأرواح لقواتنا ولمدنيي العراق." لكنها أنهت رسالتها بـ "فليبارك الرب قواتنا الجسورة وعائلاتهم الشجاعة. وليبارك الرب رئيس الولايات المتحدة. وليبارك الرب أمريكا." ولم تردد بيلوسي أو أي سياسي أمريكي آخر ولو لمرة واحدة خلال العامين المنصرمين "ليبارك الرب المدنيين العراقيين" أو نحو ذلك! اللّهم إلاّ مرة يتيمة تلفّظ فيها بوش بعبارة "ليبارك الرب شعب العراق" وكان ذلك عند إعلان القبض على صدّام حسين. علمًا أن بوش لم يدع الرب، ولا حتى لمرة واحدة، لإحلال بركاته على مدنيي وعائلات العراق الشجعان الذين لم يكن لهم من خيار سوى مكابدة قنابلنا. دعونا نعمل ما أمكن من أجل ضحايا تسونامي. لكن مهما بكينا من أجلهم، ومهما جمعنا لهم من تبرعات، فإن أعمال الخير [هذه] لن تنقذنا من حكم التاريخ، أو حكم الرب. لقد ذكر ريتشارد لوغَر [كما تقدم] بأن قلبه متصدّع لأجل ضحايا تسونامي. في حين لم تتصدع أية قلوب من أجل المدنيين العراقيين في مسار هذا التآمر القاسي. وكان كولن باول قد ذكر فيما ذكر: "أن تقوم قوة الأمواج بتدمير الجسور، وتدمير المصانع، وتدمير البيوت، وتدمير المحاصيل الزراعية، وتدمير كل شئ وقع في طريقها، إن ذلك لأمر مذهل." ثم أضاف: "لم أر أي شئ مشابه لذلك في حياتي." بلى، قد فعل! وكان ذلك في العراق. حيث كنّا نحن بمثابة تسونامي. |
||
|
|