التحدث بـ "أصولية"!

مصدر المقالة الأصلية  

الناشر: صحيفة “The Guardian” البريطانية

الكاتب: د. جايَلز فرَيزَر*

التاريخ: 23 تموز/يوليو

سيتم تهجير المسلمين الذين يدعون إلى الكراهية وستفرض عليهم قيود جديدة، هذا ما أعلنه شارلِس كلارك (وزير الداخلية البريطاني) في مجلس العموم يوم الأربعاء الماضي. ولكن يا ترى ما الذي سيقوله وزير الداخلية حول تعبيرات كهذه: "مبارك ذاك الذي يأخذ أولادكم ويهشّم رؤوسهم بلطمها بالصخور"؟

أو أخرى مثل هذه: "اللّهم حطّم الأسنان في أفواههم ... واجعلهم مثل البُزاق الذي يتلاشى في الوحل؛ ومثل الولادات التي تحصل في غير أوانها فلا ترى الشمس أبدًا ... سيغسل المؤمنون أقدامهم بدم الأشرار." إن هذا ليس من هدي الإسلام، إنه استشهادات من التوراة، وهناك الكثير غيره من نفس المصادر إيّاها!

لماذا إذًا هناك العديد من المُعلِّقين المقتنعين بأن القرآن هدي يدعو إلى الكراهية – فهو [أي القرآن] إذا ما قورن بالكتب اللاهوتية اليهودية-النصرانية، لَيُعتبر بحق مادة تدعو إلى الأُلفة. ولننظر إلى مسألة تثير الإزعاج للنصارى واليهود بشكل أكبر؛ إن أقرب نصّ ديني يبرر عمليات التفجير الانتحارية أستطيع استحضاره، هو من سِفر "القضاة"، وهو لمشهد يقوم فيه شمشون بتحطيم الأعمدة الداعمة لصرح معبد مكتظ بالناس. ثم يردّد داعيًا "دعني أموت مع الفلسطينيين" وذلك قبيل انهيار المبنى.

عليه، لن يجدي العمل بكتاب توراة يقتصر على المقاطع اللطيفة، أو تفسير مثل تلك التعابير بشكل مجازي لا يمت للواقع بصلة، وتركها عرضة للاستغلال من قبل المتعصبين مستقبلاً. فيتوجب على الديانة أن تُقرّ علنًا بخباياها القبيحة.

ما سلف ذكره قد يُحرّض وبسهولة أولئك الذين يظنون بأن الدين نفسه هو المشكلة. لأنه ومع ذلك كلّه، فإن مسألة عدم إمكان إخضاع الأوامر الإلهية للتفاوض، بالذات، هو ما يجعل السياسة الدينية المسالمة تبدو محيّرة للغاية. فإذا كان الخيار بين صندوق الاقتراع وبين الإرادة الإلهية، كيف يتمكن المؤمنون من الإبقاء على التزامهم تجاه مسألة صنع القرار ديمقراطيًا؟

إن المُتحاملين العَلمانيين لا تنقصهم الذخيرة‘ فكثيرًا من انتقاداتهم موجهة بشكل مُتقَن ويجب أن تؤخذ بجدية. وكما عبّر الفيلسوف الإسلامي العظيم بن رشد: "الحقيقة لا تخشى أبدًا من مناظرة نزيهة." بيد أن المشكلة مع الهجوم العَلماني أنه يرفض استخدام أي شكل من التمييز بين الدين الحسن والدين السيئ.

فالافتراض القائم هو أن الدين السيئ – الدين المهووس بالجنس والعنف والخرافة – هو الشيء الحقيقي، وأن الدين الحسن – الدين الذي يحثّ على السلام واحترام الحياة الإنسانية – هو افتراء معاصر، حيث أنه دين يعيد اكتشاف نفسه بطريقة مراوِغة كي يواكب القيم المعاصرة وبالتالي لا يؤمن بشكل تامّ بما يقوله ويدعو إليه.

 الحقيقة، على أيّة حال، أن الأصولية المُتزمتة هي الفرية المعاصرة. حيث أن معظم الأنظمة العقدية تمتلك إرثًا تاريخيا من المراجعات عبر النقد الذاتي. فالإنجيل يحتوي على بعض أكثر الهجمات لذعًا للحالات المرَضية التدينية؛ فقد اشترك الأنبياء العبريون في حملات ثورة مستمرة ضد الاعتقاد المضلّل الداعي للطائفية الضيّقة. وكما عبّر أشعيا: "إذا بسطت يديك، سأنّحي عنك عيناي؛ وعلى الرغم من أنك تقوم بالكثير من الصلوات، لن أصغي إليك، فإن يديك ملطّخة بالدماء."

وتعدّ هذه المراجعات العَقدية على أنها ثمينة وتحتاج للرعاية. غير أن هجومًا ثقافيًا شاملاً على أعراف دينية لا يقدّم أيّ عون للأصوات الأكثر اعتدالاً. والديانة التي تجد نفسها تحت الهجوم تكون أقل تعاطفًا مع أولئك الذين يجادلون من الداخل. ففي مثل تلك الظروف، من السهل أن يُُفسَّر النقد الذاتي على أنه تنصّل من الولاء. في حين أننا نحتاج الآن، أكثر من أي وقت آخر، لتشجيع أولئك الذين يتمكنون من استخدام المعتقَد للتحدث ضد العنف المرتكب باسم الله.

أنا، مثل الكثير، لا أعرف الإسلام جيدًا بما فيه الكفاية. غير أنّي واثق من أنه دين السلام؛ وأنا واثق من أن هناك حاليًا كفاحًا عقديًا من أجل الإبقاء على روحه. غير أن ما لا أفهمه – بسبب أنه لم يوضح لي بما فيه الكفاية، أو لأنه لم يعطى تغطية وافية من قبل أجهزة الإعلام – هو كيفية توضيح أن الجهاد المفضي إلى القتل الإجرامي يُعدّ انحرافًا عقديًا. وهذه هي الأصوات [أي من يقول بذلك] التي نحتاج للاستماع إليها، وبشكل ملّح. إن العون الذي يمكن تقديمه من قبل النصارى وغيرهم هو اعترافنا نحن بأن تورّط الدين مع أعمال العنف هو مسألة لا يواجهها الإسلام وحده.

* د. جايَلز فرَيزَر هو قسّيس منطقة بَتني [إحدى ضواحي لندن]، وهو مؤلف كتاب "النصرانية والعنف" المنشور سنة 2001