|
الناشر: صحيفة “Newsday” الأمريكية الكاتبة: ميري كوكو التاريخ: 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2005 عندما قمت باستحداث ملف جديد قبل عدة سنوات، أذكر كيف أنّي هززت رأسي وأنا أضمّه إلى خزانة الملفات، وقد علّمت عليه بـ "انتهاكات الولايات المتحدة لحقوق الإنسان". يعود تاريخ أقدم الروايات الصحفية وتقارير جماعات حقوق الإنسان، إضافة إلى مذكرات حول مقابلات ذات صلة، في هذا الملف إلى سنة 2002، وذلك عندما بدأت إدارة بوش بالدفاع عن سياستها حول احتجاز المئات من الناس في سجن انفرادي ولفترة غير محدّدة، دون تقديم أدلة ضدهم. بحلول شهر آذار / مارس من عام 2003 بدا واضحًا أن الملف آخذ بالتضخم، فتجد بين طيّاته كيف أن محققي الطب الجنائي العسكري صنّفوا موت اثنين من المعتقلين لدى الأمريكان في قاعدة بَغرام الجوية على أنه حالات قتل ناتجة عن الضرب. واستمر الملف بالتضخم، فأضيف إليه لاحقًا ملفات فرعية، عنوان أحدها "التعذيب"، وأحدثها إضافةً يحمل عنوان "المعتقلات السريّة". وتجد في هذا الملف مقولات جديدة عن منظومة سجون سريّة تابعة لوكالة المخابرات المركزية الـ “CIA” تمتد إلى أطراف الكرة الأرضية الأربعة، لعل أكثرها بروزًا تلك التي وصفتها صحيفة “The Washington Post” بـ "مُجمَّع من العهد السوفييتي في أوروبا الشرقية". خوزيه باديلا [واسمه بعد إسلامه عبد الله المهاجر] له ملفّه الخاص به على الدوام! فقد ابتدأ ملفّه بأنّه مالك "القنبلة القذرة" المزعوم، إرهابي مُفترض من الخطورة بمكان إلى درجة أن وزير العدل جون آشكروفت قطع جدول أعماله في موسكو وقتها ليعلن أن اعتقال خوزيه باديلا في مطار أوهيرَ [الأمريكي] في مايس / مايو 2002 "قد أبطل مؤامرة إرهابية مُتجليّة" تسعى لتفجير أداة نووية على الأراضي الأمريكية. وبعد احتجاز خوزيه باديلا – وهو مواطن أمريكي – لمدة سنتين دون توجيه اتهام رسمي أو تقديم أي دليل، غيّرت الحكومة روايتها لتصرّح بأنه كان قد خطّط لتفجير مبانٍ سكنية باستخدام خطوط الغاز الطبيعي [التي تُزوّد المباني بالوقود الغازي]. وفي نهاية المطاف قامت وزارة العدل الأسبوع الماضي – بضعة أيام فقط قبيل موعد وجوب تقديمها للحجج أمام المحكمة العليا في قضية مرفوعة لديها تتحدّى سياسة الرئيس الأمريكي القاضية باحتجاز المواطنين الأمريكيين دون تقديم تهمة أو دليل ضدهم – بتوجيه تهمة [مختلفة جديدة] لخوزيه باديلا، وهي أنه يدعم جماعة إرهابية كانت خاضعة لتحقيق جنائي. إن آخر ما يمكن قوله حول سياسة الإدارة [الأمريكية] بخصوص اعتقال الإرهابيين المزعومين، هو أنها ليست سياسة غير أخلاقية فحسب، بل إنها سياسة خرقاء. أربع سنوات من "الحرب على الإرهاب" وإدارة بوش لا تزال تصنع القوانين في الوقت ذاته الذي تسلك فيه هذا الطريق. [فخذ مثالاً على التخبّط والارتجالية كيف أنها] قامت بالتعامل مع أحد المواطنين الأمريكيين – خوزيه باديلا – بطريقة مختلفة تمامًا مع قضية مواطن آخر اسمه ياسر عصام حمدي. حيث كان ياسر حمدي معتقلاً دون توجيه تهمة إليه وذلك لمدة ثلاث سنوات إلى أن قضت المحكمة العليا بأن من حقه تحدّي أمر اعتقاله هذا، فقامت إدارة بوش بإطلاق سراحه وتسليمه إلى عائلته في السعودية دون تقديم أي تُهم! ولا تزال هذه الإدارة تحتجز المئات في [معتقلات] خليج غوانتنامو بكوبا، في حين أنها لم تقم بترشيح إلا حفنة منهم للمثول أمام لجان محكمة عسكرية. وهذه اللجان نفسها تواجه تحديًا قانونيًا. وسيبقى مصير أولئك الذين لن تقدم ضدهم تهم في حكم المجهول إلى الأبد. وإذا كان لنا في ماضي الأحداث من عبرة، فبإمكانك أن تتوقع حركة تغيير مفاجئة ضمن [ما يُنعت تهكمًا بأنه] سياسة "تغيير الملابس الداخلية" التي ستحاول الإدارة [الأمريكية] تمريرها على أنها خطّة مدروسة ومعتبرة! أمّا عن كيف ستقوم الإدارة [الأمريكية] بتخليص نفسها من موضوع تنظيمها عمل سجون سريّة خارج البلاد، فمن المناسب القول بأن المسألة عويصة. لماذا يا ترى اعتقدت الـ “CIA” أن باستطاعتها تشغيل مثل هذه الشبكة بشكل أبدي؟ فالسبيل الوحيد للحفاظ على سريّة زنزانة ما إلى الأبد هو بالقضاء على جميع من تمّ سجنهم فيها! لقد كانت سياسة إدارة بوش القاضية باحتجاز الناس بدون تهمة أو إتاحة الحصول على أية إعانة قانونية، وتمييع اللوائح الخاصّة بكيفية معاملتهم أثناء توقيفهم، سياسة خاطئة وغير حكيمة منذ البداية. إنها خاطئة لأنه ليس من المقبول أخلاقيًا أن تقوم الولايات المتحدة بانتهاك أبسط قواعد السلوك – جارفة حتى مواطنيها إلى أرض فلاة لا يحكمها قانون، حيث يتم احتجازهم وكأن ذلك يتمّ تبعًا لنزوة مستبدّ! وهي سياسة غير حكيمة؛ لأننا الآن مَثلٌ أعلى في النفاق، ندعو لاحترام سيادة القانون ونستنكر انتهاكات من بينها حقوق الإنسان في حين نقوم أنفسنا بخرقها وبشكل منتظم! لقد بلغ العمى بهذه الإدارة مبلغه بحيث إنها ما عادت ترى تبعات أعمالها، إلى درجة أنها فرّطت بحلفائها الأوربيين الشرقيين، الذين أضحوا تحت التمحيص من قِبَل الاتحاد الأوربي فيما يتعلق بانتهاك قوانين حقوق الإنسان، إذا كانوا قد سمحوا "لمواقع الـ CIA السوداء" [سيئة الصيت] بالوجود. وماذا عن أولئك الذين سيتم، يومًا ما، إطلاق سراحهم بسبب أننا – وببساطة - سنكون قد استنزفنا كل الأعذار واستهلكنا كل ما استندنا إليه من منطق لتبرير احتجازهم!؟ قد يكون هنالك مدارس تدريب إرهابية أكثر مهارة في تخريج مُجندين يُكنّون كراهية مُرّة تجاه الولايات المتحدة. إلاّ أنه سيكون من الصعب العثور على أفضل من أولئك الذين صنعناهم بأنفسنا! |
||