|
عصبة من المحافظين الجدد تحاول إيقاع بلدنا في سلسلة من الحروب التي لا تصبّ في مصلحة أمريكا. بقلم باترك ج. بوشانون
لعلّ "حزب دعاة الحرب" نال حربه التي سعى إليها، لكنّه حصل أيضًا على شيء لم يتمنه، فقوائم عضويّته وارتباطاته فضحت ودوافعه قد ووجهت بالتحدي. في لحظة نادرة في الصحافة الأمريكيّة, وجه تيم رسيرت السّؤال التالي مباشرةً إلى ريتشارد بيرل: "هل تستطيع أن تطمئن المشاهدين الأمريكيين ... أننا في هذا الوضع ضدّ صدام حسين وأن قضية إزالته تصب في المصالح الأمنيّة الأمريكيّة؟ وماذا سيكون الرّابط فيما يخصّ إسرائيل؟" فجأةً, وضعت العلاقة الإسرائيليّة على الطاولة, وبدا "حزب دعاة الحرب" غير سعيد. ووجد أعضاؤه أنفسهم في اشتباك لم يتحسبوا له, فما كان من أصدقائنا المحافظين الجدد إلا الرد بتلقائية, فطلبوا ما يمكن تشبيهه بـ " تأجيلات التلاميذ" من الصّراع السّياسيّ بادّعاء أنهم أقليّة مضطهدة. كنا نحسب أن هؤلاء الذين يدّعون أنهم يصوغون السياسة الخارجيّة للقوة الأعظم في العالم, سيكونون أكثر رجولة في ساحة مدرسة السياسة. ولكن الأمر لم يكن كذلك! بدأ ماكس بووت محرّر مجلة وول ستريت (Wall Street) السّابق الحملة؛ "عندما ينادي هؤلاء الـبوشانانيون بـ "المحافظين الجدد" ـ و يذكرون أسماءاً مثل وولفويتز و كوهين- فيبدو أحيانًا أن ما يقصدونه فعلاً هو "المحافظين اليهود"". في الوقت ذاته يصرح ماكس بووت بالتسليم بأن علاقة مودّة بإسرائيل هي "من أساسيات عقيدة المحافظين الجدد." وهو يدّعي أيضًا أن استراتيجيّة الأمن القوميّ للرئيس بوش "تبدو وكأنها نقلت مباشرة من صفحات مجلّة الـ كومينتري (Commentary), والتي هي بمثابة الإنجيل للمحافظين الجدد." ( لغير المطلعين؛ كومينتري, الإنجيل الذي يستلهم منه ماكس بووت التّوجيه الإلهيّ, هي المجلّة الشّهريّة للجمعية اليهوديّة الأمريكيّة.) ديفيد بروكس من صحيفة الـ ويكلي ستاندارد (Weekly Standard) يشكو من شدة التهجم عليه بسبب التنويه بعلاقة إسرائيل وأنه أوصله إلى معاناة جحيمية: "الآن أستقبل سيلاً منتظمًا من المقالات المعادية للسّاميّة في بريدي الإلكترونيّ وبريدي الصّوتيّ وكذلك في صندوق البريد العادي. ...معاداة السّاميّة حيّة و مزدهرة، فقط لم يعد مركزها يمين البوشانانية, وإنما يسار حركة السلام." الصحفيّ في الـ واشنطن بوست (Washington Post) روبرت كاجان تأتي معاناته الخاصّة من الخارج: "في لندن ... تجد أجود عقول بريطانيا تطرح, بلغة متطوّرة ولكنة أوكسبريدجية شجيّة, نظريّات تآمر بات بوشانان بخصوص خطف وسيطرة المحافظين الجدد (تقرأ: اليهودية) على السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة." لورنس كابلان من صحيفة الـ نيو ريببليك (New Republic) يوجه التهمة بأن مجلتنا الصغيرة [أي مجلة الأمريكان المحافظين] "قد حُوِّلَت إلى منتدى لهؤلاء الذين يدّعون أن الرّئيس بوش قد أصبح عميلاً لـ ... آريل شارون و حزب دعاة الحرب المحافظين الجدد." مستحضراً موقف شارلس ليندبيرغ، يتّهم لورنس كابلان كل من بول شرودر, كريس ماثيوس, روبرت نوفاك, جورجي آن جيير, جيسون فيست من الـ (Nation) وجاري هارت بأنهم يرمون "أعضاء فريق بوش بأنهم كانوا يذعنون لمطالب إسرائيل، وبالتالي, فهم يمارسون (ازدواجية الولاءات)." ثم يواصل لورنس كابلان هجومه: المشكلة الحقيقيّة في مثل هذه الادعاءات ليس فقط كونها غير صحيحة، المشكلة هي أنها مسممة. التّذرّع بشبح ازدواجية الولاء لكتم النّقد والنقاش يعدّ أكثر من كونه بمثابة التلوّث اليوميّ للرأي العامّ. إنّه إبطال الرأي العامّ ذاته, فكيف يمكن دحض اتّهامات تضرب بجذورها في العنصريّة؟ لذلك فالتّهم, مستحيلة للدّحض. وهي مقصودة كي تكون كذلك. ماذا يجري هنا؟ ميكي كوس، الكاتب في الـ سليت (Slate) يوضح الأمر في العنوان الرئيسيّ لردّه الغاضب: "لورنس كابلان يلعب ورقة المعاداة للساميّة." ما يفعله لورنس كابلان وديفيد بروكس وماكس بووت وروبرت كاجان هو مايفعله القسّ جيسي جاكسون عندما يحرج بقبول مساهمة مالية ضّخمة من شركةً (Fortune 500) والتي كان قد اتهمها بالتمييز العنصري، يلعب ورقة العنصرية. ومثل ذلك, المحافظون الجدد يحاولوا صدّ النّقّاد بالقضاء على شخصيّتهم و التّشكيك في دوافعهم. الحقيقة أن تهمة "معاداة السّاميّة" نفسها تعدّ سامّة. فهذا التشهير المبجّل صُمِّمَ لإبطال الرأي العامّ من خلال تلطيخ وترويع الخصوم ومراقبتهم وإدراجهم في القائمة السّوداء، هم وكل من ينشر لهم. يقول المحافظون الجدد أننا نهاجمهم لأنهم يهود. نحن لا نفعله لذلك. نحن نهاجمهم لأنّ تحريضهم على الحرب يهدّد بلدنا, حتى لو وجد هذا التحريض صدًى واثقًا لدى آريل شارون. وهذه المرّة صرخ الأولاد: "الذئب..." استغاثة كاذبة ممجوجة مرّة أخرى. وليس لها جدوى. كما ينوه ميكي كوس؛ إن صحيفة لورنس كابلان الـ (New Republic) نفسها توظف ستانلي هوفمان الأستاذ من جامعة هارفرد. في كتابة عن مراكز القوى الأربعة في هذه العاصمة والمطالبون بالحرب, هوفمان نفسه يصف الرّابعة منها هكذا: وأخيرًا, هناك تجمع مترامي من أصدقاء إسرائيل ممن يؤمنوا بتطابق المصالح بين الدّولة اليهوديّة والولايات المتّحدة . … هؤلاء المحلّلون ينظرون إلى السياسة الخارجيّة من خلال عدسة همّ مهيمن: هل هو جيّد أو سيّئ لإسرائيل؟ منذ إنشاء الدّولة تلك في عام 1948, هؤلاء المفكّرون ما كانوا أبدًا بمثابة رائحة طيبة جدًّا في وزارة الخارجيّة, لكن الآن هم متغلغلون جيّدًا في البنتاجون ومحيطين بالأشخاص الاستراتيجيّين من مثل بول وولفويتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فييث . "إذا يمكن لستانلي هوفمان أن يقول هذا," يتساءل ميكي كوس, "لماذا لا يستطيع ذلك كريس ماثيوس؟" وينوه كوس أيضًا بأن لورنس كابلان بطريقة أو بأخرى فشل في ذكر المقطع الأكثر تدميرًا الذي يربط المحافظين الجدد بشارون وحزبه الليكود. في 9 فبراير الماضي وفي مقالة نشرت في الصفحة الرئيسية من الـ واشنطن بوست (Washington Post), ينقل روبرت كيسر عن مسئول أمريكيّ كبير قوله, " الليكوديون هم فعلاً في القيادة الآن." ويذكر كيسر أسماء ريتشارد بيرل وبول وولفويتز ودوغلاس فييث على أنهم أعضاء في الشّبكة المؤيّدة لإسرائيل داخل الإدارة و يضيف إليهم ديفيد وورمسر من وزارة الدّفاع وإليوت أبرامز من مجلس الأمن القومي. (إليوت أبرامز هو صهر نورمان بودوريتز, المحرّر الشرفيّ في الـ كومينتري والذي وصمت مجلّته على مدى عقود مضت منتقدي إسرائيل بأنهم معادين للسّاميّة.) منوهاً بأن شارون مرارًا وتكرارًا يدّعي "ألفة خاصّة" مع الـ بوشيين, يكتب كيسر, "أنه وللمرة الأولى هناك إدارة أمريكيّة و حكومة ليكودية تتابعان سياسات متطابقة تقريبًا." والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف حصل هذا؟ وبينما يكون هذا بالتّأكيد في مصلحة شارون, هل هو في مصلحة أمريكا؟ هذا وقت عرض الحقائق، لأن أمريكا بصدد اتخاذ قرار هامّ: هل تنطلق بسلسلةً من الحروب في الشّرق الأوسط والتي من شأنها أن تشعل "صدام الحضارات" الذي حذر منه أستاذ جامعة هارفرد صمؤيل هنتينجتون, حرباً نعتقد بأنها ستكون بمثابة مأساة و كارثة لهذه الجمهوريّة. لتجنّب هذه الحرب, للرد على محاولات التضليل للمحافظين الجدد, نطلب من قرّاءنا التأمل في جدول أعمالهم (أي المحافظين الجدد) كما هو مسطر في كلامهم. إن ضوء الشّمس هو أفضل مطهّر. وكما اعتاد آل سميث القول؛ "لا شيئ ضدّ أمريكا يمكن أن يعيش في ضوء الشّمس." نحن نوجه التهمة بأن عصابة من المجادلين والمسئولين الرسميين يحاولون إيقاع بلدنا في سلسلة من الحروب ليست في صالح أمريكا. نتّهمهم بالتّواطؤ مع إسرائيل لإشعال تلك الحروب وتدمير اتفاقيات أوسلو. ونتهمهم بالتعمد في تخريب علاقات أمريكا مع كلّ دولة في العالم العربيّ تتحدّى إسرائيل أو تساند حق الشّعب الفلسطينيّ في وطن يخصهم. ونتّهمهم بأنهم قد أبعدوا الأصدقاء و الحلفاء في كلّ أنحاء العالم الإسلاميّ والغربيّ من خلال غرورهم وغطرستهم وعدوانيّتهم. لم يمر علينا قط عهد أضحت فيه أمريكا معتزلة بهذا الشكل من قبل الأصدقاء القدماء. وأسوأ من ذلك بكثير, إن الرئيس بوش مستدرج إلى مصيدة وضع طعمها له هؤلاء المحافظين الجدد الأمر الذي يمكن أن يكلّفه منصبه ويسبّب لأمريكا خسارة سنوات السّلام التي كسبناها بتضحيات جيلين في عهد الحرب الباردة. هم يتّهموننا بمعاداة السامية ـ أي كراهية يهود بسبب معتقدهم وتراثهم أو أصولهم.. هذا كذب؛ فالحقيقة أن هؤلاء الذين يرمون الآخرين بهذه التهم يضمرون "حبًّا شديدًا" لأمة غير أمتنا؛ مما يؤدي بهم إلى التغاضي عن مصالح بلدهم الأم والتصرّف على أساس فرضية ـ أنه بشكل أو بآخرـ ما هو في صالح إسرائيل يكون في صالح أمريكا. * ترجمة لجزء من مقالة بنفس العنوان نشرتها مجلة الأمريكان المحافظين (The American Conservative) في 24 آذار/مارس 2003 م
|
||