نظرات في منازلة النوازل (2)

العلمانية.. «إمبراطورية النفاق» من مهد الطريق؟!

 

      د. عبد العزيز كامل

الجزء الأول

عندما يتناول المهتمون بالشأن الإسلامي الكلام عن حدث إسقاط الخلافة الإسلامية في تركيا، ويتناوبون تقليب جوانب تلك النازلة الكبرى التي لا تزال الأمة تعيش آثارها منذ ثمانين عاماً، فلا ينبغي أن يفهم ذلك على أنه إشادة مطلقة، أو تزكية عامة لمسلك العثمانيين في إدارة شؤون عموم المسلمين، فلا شك أن تلك الإدارة اعتراها الكثير من المآخذ المنهجية والسلوكية، وبخاصة في المرحلة الأخيرة من عمر تلك الخلافة الممتدة عبر خمسة قرون، ولكن تلك المآخذ لا ينبغي أيضاً أن تأخذنا بعيداً إلى حد التهوين من شأن ما أصاب الأمة بعد حل رابطتها العالمية وكتلتها الإسلامية الدولية ممثلة في تلك الخلافة.

 لقد كانت نكبة الأمة بسقوط السلطة في أيدي العلمانيين المنافقين اللادينيين بعدها في أكثر بقاع العالم الإسلامي؛ أشد ضرراً وأنكى أثراً من سقوط الخلافة العثمانية نفسها، حيث جسَّد أولئك المنافقون العلمانيون بعد سيطرتهم المبدأ الفاسد الكاسد بفصل الدين عن الدولة، وأصَّلوا فرقان الشيطان بين السلطان والقرآن، ذلك الفرقان الذي أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «ألا إن السلطان والقرآن سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب»(9). وكان هذا «الفصل» بين الدين والدولة، أو بين الشرع والحُكم، تضييعاً للشرع وإضعافاً للحُكم، بل كان إضعاف الحكم بالإسلام مقدمة لإضاعة الدين والدنيا معاً، في تتابع مستمر قابل لأن يطال كل أسس الدين وثوابت الشريعة، كما أخبر الصادق المصدوق في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لتُنقضَنَّ عُرى الإسلام عُروة عُروة؛ فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها؛ فأولهن نقضاً الحُكم، وآخرهن الصلاة»(2).

وقد صدَّقت حقائق التاريخ المعاصر هذه النبوءة المعجزة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فما أن يُنقَض الحكم بالإسلام في أرض، إلا ويتسلط عليها شياطين الإنس، فيقوضون بنيانها وينقضون عُراها بدءًا بمنصة القضاء الشرعي، وانتهاء بإقامة الصلاة التي جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إقامة الولاة لها في الناس فيصلاً بين شرعية ولايتهم أو عدم شرعيتها؛ وذلك عندما سأله بعض الصحابة عن حكم أئمة الجور  قائلين: «أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة»(3).

الأمر إذن، ليس ولاية عبد الحميد أو وحيد أو عبد المجيد من خلفاء آل عثمان، وإنما هو في تعبيد طريق التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وفي إقامة سلطان الشريعة التي لا تصلح ولا تقبل خلافة الإنسان في الأرض إلا بها: {يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْـحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26]. ولا يصلح تحاكم الناس في الدماء والأموال والأعراض والسياسات والعبادات والمعاملات إلا لها. {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ} [المائدة: 49].

وعندما تواطأ خبثاء العالم من الكفار والمنافقين على إسقاط سلطان الإسلام ودولته العالمية فقد كانوا على كامل اليقين أن ذلك مقدمة لانفراط منظومته كلها في البلاد التي يسقط فيها سلطانه وحكمه، وذلك في شرائعه وشعائره، وروابطه وضوابطه المنهجية والسلوكية التي لا يغني التغني بها عن التبني لها من نظام (حاكم) يُحْكم قياد العباد، بشريعة رب العباد التي تعصمهم من الأهواء المضلة الموصلة إلى فساد الدنيا وعذاب الآخرة: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإنَّ الظَّالِـمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْـمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18 - 19].

ü عُرى الشيطان تنازع أوثق عُرى الإيمان:

كانت الزلة الأولى للعثمانيين في أواخر عهد دولتهم، أن أوحى بعض المنافقين إلى بعض زخرفاً من القول، يعدُّون به رابطة الأخوة الإسلامية غير كافية لأن تكون أساساً جامعاً لرعايا الدولة من المسلمين، فابتدعوا تقسيم الرعايا إلى (عثمانيين وأجانب)؛ فقبل إلغاء الخلافة بنحو ثمانين عاماً اتجه بعض السلاطين إلى تحويل الرابطة أو الجامعة الإسلامية إلى (رابطة عثمانية) وذلك عن طريق ما يسمى بـ (إعلان التنظيمات العثمانية) الصادر في عام (1255 هـ) (1839م) وهو نظام وضعي مضمونه أن يُقَسَّم المسلمون إلى: مسلمين عثمانيين، وهم رعايا ومواطنو الدولة العثمانية، ومسلمين غير عثمانيين، عدَّهم الإعلان (أجانب)!

وضَمِنَ النظام الجديد للرعايا العثمانيين كل الحقوق بغضِّ النظر عن الدين أو اللغة أو الجنس، بينما وُضع الآخرون (الأجانب) من المسلمين في خانة أدنى، وكان هذا الإعلان بداية حقيقية للتخلي عن الرابطة الإسلامية المنبثقة عن المبدأ الإسلامي العظيم {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

كانت هذه في ذاتها نازلة تستدعي أن يقوم لها عقلاء الأمة وعلماؤها، ليميتوها في مهدها إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل، فيعلنوا في الناس أن خلافة المسلمين لكل المسلمين، وأن رابطة الإسلام أسمى وأعلى من كل الروابط الاسمية الأرضية العنصرية، ولكن ذلك الإجراء مضى، وتطاولت به السنون، حتى تحولت النزعة «العثمانية» إلى نزعة «طورانية»(4)، يدَّعي أصحابها أن الطورانيين المنحدرين من آسيا الوسطى (قـوم) متميزون، ونـشأ بذلك ما سـمي بـ (القومية الطورانية) كرابطة بديلة للرابطة الإسلامية، وهي التي نشأت رداً لها أو تأثراً بها (القومية العربية) التي رد بها جهلة العرب على جهلة الترك، فأنشؤوا بذلك نواة للروابط الباطلة التي عدَّها الإسلام نوعاً من الجاهلية، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- للمتنازعين من المهاجرين والأنصار: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة»(5)، وكان ذلك عندما ضرب رجل من المهاجرين آخر من الأنصار، فكاد الشيطان أن يوقع الفتنة بين الفريقين، فتداعى قوم بالنصرة من الأنصار فقالوا: (يا للأنصار!) وقال آخرون: (يا للمهاجرين!)، فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قوله الآنف.

المقصود هنا أن تلك الرابطة البديلة عن عُروة الإسلام، ظل معمولاً بها، حتى جاء السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909م) فغير تلك السياسة، وقدَّم نفسه للعالم على أنه خليفة لكل المسلمين، وبدلاً من أن يُساند هذا التوجه المحمود من علماء الأمة وعقلائها، إذا بهؤلاء يختلفون حول هذا الأمر؛ فبينما أيده على ذلك وسانده كل من الشيخ جمال الدين الأفغاني (ت 1897م)، والشيخ محمد عبده (ت 1905م) من خلال جمعية (العروة الوثقى) التي شكلاها لتكون أداة إعلامية لهذا التوجه، إذا بآخرين من أمثال (عبد الرحمن الكواكبي) ( ت 1902م) يأخذون توجهاً آخر، فينادون بـ (جامعة عربية) وخلافة عربية!! وصحيح أن الأصل في منصب الخلافة أن يكون عربياً، بل قرشياً كما اتفق عليه العلماء(6)، لكن الظرف الذي كانت تعيشه الأمة وقتها لم يكن مؤهلاً للعرب أن يحكموا بقية المسلمين؛ لأن سلطانهم الفعلي لم يكن بأيديهم، بل كانت أكثر بلدان العرب واقعة تحت احتلال الصليبيين من بريطانيين وفرنسيين وإيطاليين.

وفي مقابل المناداة بجامعة إسلامية عربية في ذلك الوقت الحرج، استفحل الشعور القومي الجاهلي لدى فريق من الأتراك، فنادوا بجامعة طورانية، تجمع الأمة الطورانية الممتدة من فنلندا إلى منشوريا في دولة واحدة.

وهنا استُبعد الميزان الإسلامي تماماً، وبدلاً من تفضيل بعض المسلمين على بعض بغير ميزان التقوى ـ وهو أمر منكر ـ جاء هؤلاء الذين ساووا بين المسلمين والكفار، لمجرد مساواتهم في الانتماء القومي. ومنذ ذلك الحين والصراعات القومية تمزق أوصال المسلمين بعد أن نشأت بعد ذلك النعرات القومية الأخرى كالقومية الفارسية والكردية والبربرية والهندية والبشتونية والطاجيكية وغيرها، وهي النعرات التي لعب عليها العلمانيون اللادينيون، عرباً كانوا أو عجماً، فأقاموا حول كل قومية طاقماً من الأصنام النظرية والعملية التي تقدم لها القرابين المادية والمعنوية؛ فتخاض لأجلها الحروب، وتُشكَّل لها الأحــزاب، بل وتقــوم عليها الـدول.

أما في تركيا نفسها، فقد تشكل فريق (القومية الطورانية) لمهمة الإجهاز النهائي على الرابطة الإسلامية، ومن ثم الخلافة الإسلامية، وكانت جمعية (الاتحاد والترقي) أداتهم في ذلك، وكانت أولى إنجازاتهــم السـوداء أن انقلبـوا على الســلطان عبد الحميد الذي أراد إعادة الاعتبار للجامعة الإسلامية؛ وذلك في عام 1908م، عندما قاموا بانقلاب دستوري ضده يقيد سلطاته، فلما قام أعوانه بمحاولة لتصحيح الأوضاع، أطاح به الكماليون. ومن تلك اللحظة تحولت دولة الخلافة من دولة إسلامية عثمانية إلى دولة طورانية تركية؛ حيث سيطر الطورانيون على كل أجهزة الدولة عسكرياً وإدارياً، وسياسياً من خلال جمعية الاتحاد والترقي، وانطلق هؤلاء إلى تطبيق سياسة (التتريك) لكل مظاهر الدولة، تمهيداً للانتقال من منزلة (القومية) الطورانية التركية الإقليمية، إلى ما هو أنزل منها وأدنى وهو (الوطنية) التركية المحلية، وكانت تلك هي الخطوة التالية من خطوات الشيطان التي خطاها نيابة عن إبليس، صاحب الأصل اليهودي البئيس (مصطفى كمال أتاتورك).

في رأيي الشخصي أن الأمة لم تنتبه جيداً ـ في شخص علمائها ومفكريها ـ إلى الخطر الماحق لنازلة الدعوات القومية والوطنية الجاهلية التي طرحت بديلاً لرابطة الإسلام الجامعة عبر التاريخ بين المسلم العربي والمسلم التركي والكردي والهندي والصيني، والتي لم تعر اهتماماً للون البشرة، أو منطق اللسان، أو انحدار العرق، تلك الرابطة التي لا تزال قادرة اليوم على أن تجمع في سياق واحد ووثاق متحد، بين المسلم الأمريكي، والمسلم الإفريقي، وبين المؤمن الضعيف والمؤمن القوي وبين المسلم الفقير والمسلم الغني دون أن يشعر هذا بعلو أو ذاك بدنو، إنها الرابطة التي تقصد أكثر شعائر الإسلام وشرائعه إلى استبطان معناها واستظهار مبناها في الصلاة والزكاة والحج والجهاد وعمارة الأرض. {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

أما العلمانية المنافقة الماجنة، فقد أرادتها فتنة منتنة منذ أن انبعث أشقاها الضال في الأناضول، ليقول لمن ادعى أنهم أصحاب قومه ووطنه: «لقد آن لتركيا أن تنظر إلى مصالحها وحدها، ولا شأن لها بالمسلمين الهنود أو العرب أو غيرهم، لتنقذ تركيا نفسها من زعامة المسلمين».

لقد أسعد بسياساته تلك أولياءه من أعداء الله، حتى كتب السفير البريطاني في تركيا مذكرة إلى وزير خارجية بريطانيا في (28/6/1910م): «الآن، قد أخذ الكثيرون يعلنون أن رابطة الإسلام انفصمت، وأن القضية أمست قضية ترك وعرب»! أما أصحاب قومية أتاتورك الأصلية وهم اليهود الصهيونيون، فإن مشروع فصم عُرى الإسلام، بدءاً من حل رابطته، وحتى إسقاط خلافته وإقصاء شريعته، قد جرى تنفيذه بإشراف واستشراف منهم؛ فبعد أن أخفق (تيودور هرتزل) مؤسس الصهيونية الحديثة في إقناع السلطان عبد الحميد بالسماح بالهجرة لليهود إلى فلسطين، اقتنع هو أن قيام الكيان اليهودي العالمي لن يكون إلا على أنقاض الكيان الإسلامي العالمي، وتوثق بعد ذلك الاتصال بين رواد الصهيونية اليهودية، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي الماسونية الطورانية، حتى إن اللورد ستون، صاحب كتاب (نشوء القومية) في تركيا كتب يقول: «العلامة البارزة في جمعية الاتحاد والترقي أنها غير تركية وغير إسلامية»، وقال: «إن أصحاب العقول المحركة ورواد تلك الحركة كانوا يهوداً، أو مسلمين من أصل يهودي، ومواردهم المالية كانت تأتيهم عن طريق «الدونمة» ويهود سالونيكا الأثرياء، كما كانت تأتيهم المعونات من بعض الجمعيات الدولية أو الشبيهة بالدولية من فيينا وبودابست وبرلين، وربما من باريس ولندن أيضاً...»(7).

وبالرغم من كل ذلك، فقد وُجد من الإسلاميين ـ عرباً وعجماً ـ من أشادوا بالقوميات حتى يومنا هذا، وهي التي ولدت يهودية في شرقنا الإسلامي، ثم تبناها صليبيون وتغريبيون في البلدان العربية على شكل أحزاب أسسها نصارى من أمثال: (أنطون سعادة) مؤسس الحزب القومي السوري، و (جورج حبش) مؤسس حزب القوميين العرب و (ميشيل عفلق)، مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي، وكان أبرز القادة المنظرين للفكر العلماني في العالم العربي نصارى أيضاً، من أمثال  (قسطنطين زريـق) و (أميل البسـتاني) و (سـلامة مــوسى)، ولا نستطيع أن نسمى من يسيرون على خطا هؤلاء، ومن يسارعون فيهم إلا منافقين.

لقد أصبحت الرابطة التي تجمع ـ أو بالأحرى ـ تفرق ما بين العرب هي (الجامعة العربية)!! التي أصبحت (الراعي الرسمي) لكل الهزائم العربية أمام اليهود والنصارى الذين وطنوا القوميات والوطنيات في بلدان المسلمين، ثم بدؤوا هم يعودون للمنطلقات الدينية إنجيلية وتوراتية.

ومن الجدير ذكره هنا أن دعوى الوطنية حلت محل القومية في تركيا بعد أن انهزم القوميون الطورانيون في تركيا في الحرب العالمية الأولى؛ فقد انسحب أولئك الطورانيون من قيادة تركيا بعد توقيع اتفافية الهدنة بعد الهزيمة في 30/7/1918م، وهو العام الذي احتل فيه الإنجليز عاصمة دولة الخلافة، واحتلوا أيضاً فلسطين، ليهيئوها بعد ذلك لإقامة دولة اليهود التي ظلت مستحيلة القيام في ظل جامعة إسلامية موحدة، ومع تخلي الطورانيين عن الحكم، حلوا جمعيتهم المشبوهة (الاتحاد والترقي) ليفسح الباب بعد ذلك للوطنيين بعد القوميين، وتزعَّم مصطفى كمال أتاتورك ذلك الاتجاه (الوثني الجديد)، وقدم نفسه على أنه منقذ الوطن (تركيا) من الاستعمار، وبدأ يُرسَم له دور قائد (المقاومة الوطنية) ضد الاحتلال الإنجليزي، وشكل جمعية أسماها (الجمعية الوطنية) عام 1920م، لتكون ممثلة لسلطان الأمة كما يزعم، وهنا انقسمت السلطة في الدولة العثمانية إلى سلطة شرعية بقيادة السلطان في القسطنطينية، وسلطة معارضة في أنقرة، وكان الإنجليز يتعاملون مع السلطتين معاً، ريثما تحل سلطة المعارضة (الوطنية) محل السلطة الشرعية الممثلة آنذاك في منصب السلطان وحيد الدين، ولكن الصراع احتد بين السلطتين، وضُيق على السلطان واتهم بالعمالة للإنجليز، وقلَّ أعوانه بعد أن تغلغل الكماليـون في كل أنحاء وأجـزاء الدولة، فاضطـر وحيد الدين إلى مغادرة القسطنطينية، فخلا الجو للكماليين، وتهيأ الفضاء الإسلامي في تركيا وما يتبعها من أوطان إسلامية، لهبوط نازلة أعتى من القوميات وأنكى من الوطنيات.. إنها العلمانية الإلحادية الصريحة التي غرَّبت الإسلام في دياره، وجادلتـه في المحكمـات من نصوصـه وآثاره، وأرادت ـ بل صممت ـ على أن تنصب خيمتها وتقيم إمبراطوريتها على ركام بلدان الإسلام في أنحاء الأرض.

ü خلافة البابوية:

بعد أن ابتلعت جمهرة الأمة ألعوبة العبث بعروة الأخوة الإسلامية الوثقى، عن طريق القوميات والوطنيات، وبعد أن تسبب ذلك في انعزال ثم زوال سلطان الخليفة الشرعي الأخير (وحيد الدين) سارع أتاتورك إلى تحويل الخلافة إلى (سلطة روحية) بعد تحويل السلطة الفعلية إلى الأمة في شكل (البرلمان) الذي توكل إليه ـ على طريقة غير المسلمين ـ كل قضايا التشريع والحكم التي لا يجوز إسنادها للبشر، وقد تمثل ذلك فيما سماه الكماليون بـ (الجمعية الوطنية) التي شكلوا في مقابلها حزباً سياسياً يضمن السيطرة على قراراتها وتوجهاتها المحكومة برأي الأغلبية، ولو كانت أغلبية المنافقين والفساق والكافرين، وأطلق على ذلك الحزب السياسي (الحاكم) «جمعية الدفاع عن الأناضول» في قصة أصبحت كل أنظمة الحكم العلماني تكررها، فتشكل أحزاباً (حكومية) لضمان السيطرة على البرلمانات التي تحكم باسم الأمة، وهي في الحقيقة تحكم باسم الحزب الحاكم، الخاضع دوماً للفرد الحاكم، أما الخلافة التي أخَّرت ـ بإذن الله ـ هيمنة النصارى واليهود على العالم الإسلامي لخمسة قرون؛ فقد حولها أتاتورك بإيعاز وتشجيع من الإنجليز (الذين كان يناضلهم في الظاهر) إلى سلطة روحية على غرار سلطة (بابا) النصارى الكاثوليك، مع أن هؤلاء الإنجليز البروتستانت لا يعترفون لأنفسهم بسلطة كسلطة بابا الكاثوليك، ولو كانت روحية، ولكنهم ارتضوا للمسلمين بأن يكون لهم (بابا) مؤقت، باسم الخليفة، حتى يحين وقت محو هذا اللقب وذلك المنصب من الوجود إلى غير رجعة.

ولما احتلت بريطانيا الأراضي التركية في نهاية الحرب العالمية الأولى، قال السفير البريطاني (كرزون) لعصمت إينونو رئيس وزراء تركيا عند عقد مؤتمر الصلح في نوفمبر 1922م لما طالبه بمنح الاستقلال لتركيا: «إننا لا نستطيع أن ندعكم مستقلين؛ لأنكم ستكونون حينئذ نواة يتجمع حولها المسلمون مرة أخرى، فتعود المسألة الشرقية التي عانينا منها طويلاً». ولكن أتاتورك تعهد للإنجليز أن يزيل مخاوفهم، وأبلغهم بالموافقة على أي شروط تزيل تلك المخاوف، فاشترطوا عليه في اجتماع عقد في إبريل 1923م أربعة شروط على لسان السفير البريطاني، عرفت بعد ذلك بشروط كرزون، وهي:

1 - أن تقطع تركيا صلتها بالإسلام.

2 - أن تقوم بإلغاء الخلافة.

3 - أن تتعهد بالقضاء على كل حركة يمكن أن تقوم لإحياء الخلافة.

4 - أن تحل القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وتضع لنفسها دستوراً علمانياً مدنياً بدلاً من الدستور العثماني المستمد من قواعد الإسلام.

وبموافقة أتاتورك على تلك الشروط عقدت اتفاقية (لوزان) وتركت لحكومته كل الأراضي التي كانت قد سلبت من الأتراك العثمانيين ليظهروه بمظهر البطل صاحب الإنجازات!

لاحظ معي أن روح (لوزان) لا تزال قانوناً غير مكتوب، يحكم العلاقة بين الكيانات العلمانية التي سارت على درب أتاتورك، وبين دول الكفر المختلفة.

وقد حاولت بريطانيا في الوقت نفسه أن تشجع العرب على الانشقاق عن الأتراك، لإنشاء خلافة عربية، بشرط أن تكون (روحية) أيضاً! فمرة تُمَنِّي (الشريف حسين بن علي) في ملك العرب جميعاً، ومرة تتغاضى عن طموحات الملك فؤاد ملك مصر السابق في أن تكون القاهرة (المحتلة) عاصمة الخلافة!

فماذا كانت مواقف المسلمين، بعلمائهم وفقهائهم ومفكريهم وأرباب الدعوة فيهم تجاه هجوم العلمانية، ومفهوم الخلافة «الروحية» الذي انتهى إلى الفناء والإلغاء؟! كيف كانت منازلتهم لهذه النوازل الجديدة المناقضة لأمور معلومة من الدين بالضرورة، وتتلخص في أن الحكم بشريعة الإسلام واجب يكفر منكره، ويرتد جاحده؟!... ماذا كان موقف علماء ذلك العصر ومفكريه من طاغية ذلك العصر المبدل للدين والمذل للمسلمين؟!

هذه بعض إلماحات مختصرة عن تلك المواقف ـ قبيل وبعيد قرار إلغاء الخلافة ـ البعض منها يدل على الكل، في ملامح مرحلة حرجة من تاريخ الأمة المعاصرة، أسست أزماتها لكل الأزمات والنوازل بعدها، وتشابهت المواقف من المجرمين وقتها، من المجرمين بعدها.

ü ليتهم سكتوا:

\ سبقت جرأة كمال أتاتورك على إعلان تحويل الخلافة إلى منصب روحي، دراسة كان قد طلب إعدادها من فريق من (الفقهاء) الأتراك، وتم صدورها في بيان فقهي تحت عنوان (الخلافة وسلطة الأمة) يتضمن القول بأن الخلافة مجرد مسألة سياسية صرفة، ولا علاقة لها بالدين والاعتقاد، ودعا إلى إرجاء الكلام فيها مطلقاً، أو قلبها إلى مجرد سلطة روحية». وكان هذا الفقه الفاسد متكأ أتاتورك بعد ذلك في إلغاء الخلافة بشكل كلي.

\ طرح أحد أبرز مفكري ذلك العصر، وهو عبد الرحمن الكواكبي (ت 1902م) المنحدر من أصول إيرانية شيعية، مبدأ الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية للخليفة، بوضوح تام في كتابيه (طبائع الاستبداد) و (أم القرى) واقترح أن يكون للخليفة سلطة محددة بمنطقة الحجاز فقط، تشبه سلطة البابا على مدينة الفاتيكان، وقد اقتبس الكواكبي ذلك الطرح عن تيار (العثمانيين الجدد) الذين نقلوه بدورهم عن مؤلفات الأرمني النصراني (مورداجا وهسون) وقرينه (غريك سوفاس).

\ أطلق رجل بحجم (أحمد شوقي) قصيدة في تبجيل أتاتورك وسماها (تكليل أنقرة وعزل الاستانة) أي تكليل الكمالية وعزل السلطان والخلافة، وعندما ادعى أتاتورك الانتصار على اليونان في حربه التمثيلية ضدهم أطلق أحمد شوقي أبياته المشهورة:

الله أكبر كم في الفتح من عجبِ

يا خالد الترك جدد خالد العربِ

ولكن أحمد شوقي أسقط في يده بعد ذلك عندما فوجئ بأن (خالد الترك) بدلاً من أين يجدد خالد العرب، فإنه بدد مجد الترك ومجد العرب.

\ كان زعيم الحركة السنوسية، من أبرز من أيدوا الفصل بين الخلافة والسلطنة، معتبراً أن ذلك في مصلحة الإسلام، بل إنه نشر في جريدة الأهرام المصرية، في 28/9/1923م، بياناً ذهب فيه إلى أن نزع السلطة المدنية من يد الخليفة سيعزز نفوذه الإسلامي؛ لأنه سيصبح زعيماً عاماً وروحياً للأمة كلها!

\ كان موقف جمال الدين الأفغاني (ت 1897م) من السلطان عبد الحميد غامضاً؛ فبعد تأييده في إعادة الاعتبار لمفهوم (الجامعة الإسلامية) بدأ يطالبه بأشياء مثيرة للشكوك، كأن يطالبه بتعريب الأتراك، ونقل عاصمة الخلافة إلى عاصمة أخرى. وجمال الدين الأفغاني ـ ليس أفغانياً ـ بل إيراني شيعي (على الراجح)، كما أكد الشيخ مصطفى عبد الرازق في تقديمه لمقالات مجلة (العروة الوثقى) والكاتب (قدري قلعجي) في كتاب نشر له عام 1951م يتناول سيرة الأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول. وسيرة الأفغاني المملوءة بالتقية الشيعية انعكست على طريقة تعامله مع مسألة الخلافة الإسلامية، وهو ما جعل السلطان عبد الحميد يرتاب منه وينأى عنه.

\ وقف التيار الجهادي المغربي موقفاً غريباً من أزمة الخلافة؛ فقد عارض عبد الكريم الخطابي (1881 ـ 1962م) الدعوة لإعادة الخلافة بعد إلغائها وكانت تعليمات الخطابي لمندوبه في مؤتمر إعادة الخلافة ألا يؤيد أي مرشح لها(1).

وبالرغم مما قامت به حركة الخطابي من بطولات فذة، أفقدت الأسبان والفرنسيين صوابهم وأجبرتهم على الانسحاب من أكثر الأراضي المغربية التي احتلوها، فإن ذلك الموقف من الخلافة التي قامت بعد خلافة الأندلس التي كانت المغرب إحدى حواضرها الزاهرة، كان غريباً في وقته، وحتى لو كانت لحركة عبد الكريم الخطابي قضاياها الخاصة الكبيرة ـ وهذا ما كان بالفعل ـ فإن من غير المفهوم أن يكون الجهاد في إحدى البقع الإسلامية صارفاً ـ ولو وجدانياً ـ عن المشاركة في النوازل الجماعية التي تنعكس على مجمل أوضاع الأمة.

\ وفي الجزائر كان للشيخ عبد الحميد بن باديس زعيم الإسلاميين في الجزائر في ذلك الوقت ومؤسس (جمعية علماء الإسلام) التي أضاءت سماء الجزائر بالعلم النافع والتجديد المتسارع موقف مغاير من أتاتورك خالف به جمهور الإسلاميين؛ إذ نظر إليه على أنه «أعظم رجل عرفته البشرية في تاريخها الحديث»!! وقال عنه: «إنه عبقري من أعظم عباقرة الشرق الإسلامي كله» ووصفه بأنه «محيي الشرق الذي غيّر مجرى التاريخ» ولم يعد ابن باديس أتاتورك متهماً بالقضاء على مكانة الإسلام، بل جعل له (شرف) القضاء على (أصحاب العمائم) الذين أضروا بالإسلام!! ورأى ابن باديس أن الخلافة خيال غير قابل للتطبيق؛ وأنه لا يمثله في الحقيقة إلا مؤسسة من (أهل الحل والعقد) التي يتصورها مرجعية دينية أدبية، بعيدة كل البعد عــن السـياسة والتدخــل في شــؤون الحكومات، وكان لا يتصور الخلافة نظاماً إسلامياً شرعياً، ولكن يتصور بدلاً منها عالمية إسلامية ثقافية!(10).

قد تكون لحركة ابن باديس ظروفها الموضوعية وتقديراتها الخاصة لما جرى في تركيا، وقد تكون للشيخ مآخذه على منهج خلفاء آل عثمان، ولكن ذلك لا يعني بحال أن يكون الطاغية (أتاتورك) محلاً لهذا الاحتفاء والمدح رداً على ما يُرى في العثمانيين من مثالب وقدح.

\ وفي مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت، نشأ اختلاف حاد تجاه ما أحدثه أتاتورك، بلغت حدته أن عده بعضهم مرتداً، واعتبره آخرون مجدداً، وبلغ اللغط قمته عندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الصاعق (الإسلام وأصول الحكم) فصاغ فيه أفكار الليبرالية العلمانية بلغة أزهرية، تلبيساً منه وتدليساً، وك