نظرات في منازلة النوازل (3)

العمل الإسلامي.. نحو  حلول ممكنة لأزمات مزمنة

 

      د.عبد العزيز كامل

 

نشأت بدايات العمل الإسلامي الجماعي منذ ما يزيد عن سبعين عاماً في ظرف ضرورة، وزمان أزمة، وحقبة اغتراب خيمت على المسلمين في العالم بعد انفراط عقدهم بإلغاء نظام الخلافة لأول مرة بعد ثلاثة عشر قرناً من عمر الدعوة، وكان على العاملين للإسلام في ذلك الوقت أن يواجهوا طوفاناً من الفتن الهاجمة على الأمة بعد غياب سلطان الإسلام عنهم وتحالف أحزاب الشيطان عليهم، دون أن يكون لهم معسكر يفيئون إليه، أو أرض ينطلقون منها، أو قوة كبرى يعتمدون عليها، لم يكن أمامهم إلا الاعتماد على الله والاستناد إلى ركنه المكين، وهم ينشدون نشر الدعوة وإعادة المنعة لهذا الدين.

وتطور العمل الإسلامي وتوسع في البلدان بأطياف مختلفة وأهداف متنوعة، تشكلت للعمل لأجلها جماعات كثيرة، اتخذت كل منها سبيلاً للوصول إلى غاية مفترضة واحدة، وهي إعلاء كلمة الله، ونشر دعوة الإسلام. فكان من تلك الجماعات ما تخصص في العلم ونشره، ومنها ما تفرع للدعوة والأعمال التربوية، ومنها ما توجه نحو مشاريع الرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية، وبينما انتصبت جماعات للسعي في الإصلاح ليكون الإسلام هو الحل من خلال وسائل وقنوات سياسية، رأي آخرون أن ذلك الحل لن يتحقق إلا عبر مشروعات تغيير جهادية، تقوم على فرض حلول عسكرية للنوازل التي بدأت عسكرية، بغزو الكفار للمسلمين في عقر ديارهم حتى وصل الأمر إلى ذروته باحتلال الإنجليز لعاصمة الخلافة الأخيرة (إسطنبول) ـ القسطنطينية سابقاً) عام 1918م ـ وكان ذلك تتويجاً لمسيرة طويلة من الاجتياح العسكري لبلاد المسلمين، اشتركت فيها الدول الاستعمارية بمذاهبها النصرانية الثلاثة: البروتستانية، والكاثوليكية، والأرثوذكسية، فالإنجليز البروتستانت اشتركوا مع الفرنسيين الكاثوليك منذ وقت مبكر في التربص بجزيرة العرب، فضربوا مدينة جدة عام 1858م، ثم احتل الإنجليز الإمارات الخليجية عام 1866م، واحتلوا مصر عام 1882م، والسودان عام 1899م، وكانوا قد بسطوا هيمنتهم على جنوب اليمن قبل ذلك في العام 1839م واحتلوا عُمان عام 1858م، هذا في القرن التاسع عشر أما في القرن العشرين فقد احتل الإنجليز العراق عام 1917م، وفلسطين عام 1918م، وسوريا عام 1920م، وها هم يعودون إلى العراق في القرن الحادي والعشرين بالاشتراك مع الأمريكيين في العام 2003م، ولا يزالون يتربصون مع الأمريكيين بقائمة أخرى من البلدان العربية والإسلامية في السنوات القليلة المقبلة. وأما فرنسا الكاثوليكية فقد احتلت مصر عام 1799م، واحتلت الجزائر عام 1830م، وتونس عام 1882م، والمغرب 1911م، وموريتانيا 1903م، وسوريا 1918م، واحتل كذلك الإيطاليون الكاثوليك إريتريا عام 1878م وليبيا عام 1911م، وحتى النمسويون احتلوا أراضي المسلمين في البوسنة والهرسك عام 1887م.

أما الروس الأرثوذكس، فقد بطشوا بالمسلمين أيام روسيا القيصرية، وفي عهد روسيا الشيوعية وإلى اليوم بعد أن عاد الروس نصرانيتهم الأرثوذكسية، فقد احتلوا بلاد القوقاز عام 1864م، وطشقند عام 1878م، وأوزبكستان وتركستان الغربية عام 1890م، وضموا طاجيسكتان عام 1929م، وتركمستان عام 1925م، وهم إلى اليوم يتربصون بالوجود الإسلامي في آسيا؛ فبعد غزوهم لأفغانستان عام 1979م؛ غزوا الشيشان عام 1994م، ثم انسحبوا منها، ثم غزوها مرة أخرى عام 1999م.

وقد رأى الذين اختاروا الحل المسلح أن المنافقين العلمانيين الذين خلفوا المستعمرين الكفار في بلاد المسلمين لم يكونوا يقلون عن الأعداء الظاهرين إفساداً وعداءً للإسلام وأهله، لأنهم نابوا عنهم في كل ما جاؤوا من أجله: إقصاء الشريعة... مطاردة الدعوة.. هدر الثروات.. شق الصفوف.. إفساد الأجيال.. ترسيخ التبعية... توطين الطغيان ورهن الأوطان؛ فقد كانوا ـ باختصار ـ خلفاء للاستعمار باسم مستعار وهو: الوطنيون الأحرار.

وبغض النظر عن تعيين الخيار الأنجع والأوقع من بين تلك الخيارات التي توزع إليها العمل الإسلامي؛ فإن الأمة بمجموعها كانت تحتاج إلى التنويع بين كل ذلك؛ فاختلاف أحوالها زمانياً ومكانياً؛ كان يفرض بين آن وآخر ومكان وآخر؛ التركيز على لون من ألوان تلك التوجهات؛ فبينما وجد الإسلاميون أنفسهم في ساحات معينة غير قادرين إلا على التوسع في النشاطات السلمية الرسمية، اضطر آخرون لاتخاذ موقف الدفاع في جبهات معارضة سياسية، أو أقحموا في منازلات ومواجهات عسكرية، وبخاصة عندما كان يأتي الخطر من الخارج عبر الداخل من خلال المنافقين أو المغفلين، مثلما حدث في كل البلاد التي احتلها الكفار وآخرها أفغانستان التي احتلها الروس الملحدون في أول القرن الهجري الحالي، ثم احتلها النصارى الصليبيون آخر الربع الأول منه، وكذلك العراق التي احتلت مؤخراً، ووجد الإسلاميون فيها أنفسهم ـ فجأة ـ في مواجهة عدو غازٍ محتل، لا يملكون خياراً في مواجهته إلا حمل النفس على حمل السلاح دون سابق إعداد أو استعداد.

لقد كان كل فصيل من فصائل العمل الإسلامي في الجملة يقوم بدور مكمل لأدوار الآخرين، بحيث لا يمكن الزعم بأن جهداً واحداً منهم كان يمكن أن يغني عن جهود الآخرين، فلم يكن بوسع الأمة في مرحلة ما أن تتحول كلها إلى مجاهدين، ولم يكن مطلوباً منها في أخرى أن تفرغ كل جهدها خلف السياسيين، ولم يكن واجباً عليها في يوم من الأيام أن تحول كل العاملين إلى علماء أو طلاب علم أو مفكرين، كما أنها لم يكن في مستطاعها أن ترهن كل أنواع التغييرات التحتية انتظاراً للتغييرات الفوقية.

كان لا بد للسفينة أن تمضي وتسير مهما حاربتها الرياح وعرقلتها الأعاصير، صحيح أن فصائل العمل الإسلامي لم تنسق مسبقاً لتوزيع الأدوار، ولم تتفق قبلاً على تنويع المهام، إلا أن الأمور سارت ـ بقدر من الله ـ نحو تكامل معقول أدى فيه العاملون للإسلام بمجموعهم ـ ولا يزالون ـ الكثير مما كان يجب أن تقوم به الأنظمة والحكومات، تلك التي كانت ـ في غالبها الأعم ـ لا تكتفي بكف يدها عن الإصلاح الشرعي المطلوب لأحوال الأمة، وإنما تعدت ذلك إلى سد الأبواب أمام المصلحين، وفتحها أمام المفسدين والمنحرفين.

لقد كان هذا التكامل ـ غير المقصود ـ بين تخصصات العمل الإسلامي برهاناً على خيرية الأمة، ودليلاً على قابلية التشريع؛ لأن يعيش فيها وبها في ظل أحلك الظروف، فحتى مع غياب الكيان الجامع المسؤول عن القيام بكل هذا في عالم المسلمين ـ أعني به نظام الدولة الواحدة  (الخلافة) فإن سفينة الإسلام سارت ولا تزال تسير ـ ويا للعجب ـ بغير ربان ولا قبطان.

وعندما أقول أنها سارت ولا تزال بلا ربان ولا قبطان؛ فإني أعني بذلك غياب الولاية العالمية العامة للمسلمين، بشقيها: السياسي والعلمي لنحو قرن بين الزمان، فلم يكن لهم طوال أكثر من قرن مضى ولاية سياسية موحدة تُخضع الجميع، ولا ولاية علمية عامة تقنع الجميع وتجب لها طاعة الجميع كما أمر الله ـ تعالى ـ في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].

لهذا سارت السفينة خلال قرن مضى تعترضها الأخطار، وتصارعها الأمواج، وتصفق فوقها الصواعق والبروق فلا تنتهي، وتجري عكسها الرياح بما لا تشتهي، كل ذلك وقلة من المخلصين من ركابها ينوبون عن ربانها الغائب في القيادة الجماعية القائمة على غير خبرة أو اختصاص، وعلى غير ترتيب سابق ولا تنسيق لاحق، لكن السفينة سارت، وبقيت في سيرها ـ للآن ـ محاولة الوصول إلى بر الأمان.

إن أي تقويم لنتائج العمل الإسلامي في حقبه السابقة لا بد أن يستصحب ويستحضر هاتين المقدمتين المهمتين: غياب الولاية السياسية العامة، وغياب الولاية العلمية العامة؛ لأن غيابهما قد حول أحوال الأمة إلى ظرف استثنائي، تعسّر فيه علاج المعضلات على أصولها، وتعذَّر جمع الآراء حول حل لها، فأصبح الضعف العام في الأمة لذلك يكاد يبدو بدهياً في ظل تلك الأوضاع غير الطبيعية.

إنجازات رغم الصعوبات:

مع كل ما اقترن بمسيرة العمل الإسلامي من عراقيل وعقابيل؛ فقد أنجز العاملون للإسلام على اختلاف أطيافهم وانتماءاتهم إنجازات كبيرة في ظل ظروف الأزمة تلك، ويمكن تعداد أبرزها فيما يأتي:

- إحياء كثير من معالم الدين التي كادت تندرس منهجياً وعملياً وبث الروح في صلة المسلمين بعقائدهم المستمدة من أصول أهل السنة، مع توسيع دائرة النفور من الابتداع وأهله.

- تحريك الضمير الديني العام للأمة نحو أهمية العودة للإسلام منهجاً وسلوكاً، وجعل تطبيق الشريعة قضية عامة على مستوى الشعوب، بعد أن كانت مطلباً خاصاً للجماعات الإسلامية.

- تحقيق قفزة هائلة نحو إنقاذ شباب الأمة من الضياع، باستقطاب شريحة كبيرة منهم نحو الالتزام الديني، واتضاح ذلك من خلال ظاهرة عمران المساجد وتفعيل الأنشطة الدعوية بعناصر شبابية.

- إحياء الكثير من سَمْت الإسلام المعلن وشعائره الظاهرة بين الرجال والنساء، وإعادة الاعتبار بشكل معقول لفريضة الحجاب في كثير من البلدان رغم الحرب السافرة لأنصار السفور.

- إعادة الحياة لشرعة الجهاد ضد المعتدين من الكفار تحت رايات إسلامية، دون تحرج من الاتهامات المعتادة بالإرهاب والتطرف، ووضع حد لظاهرة الجرأة على استعمار بلاد المسلمين وإطالة احتلالها، كما حدث خلال القرنين الماضيين.

- كسر حاجز الخوف من الاحتساب على الظلم والظالمين، وخوض المنازلات ضد الجبروت والجبارين، ومباشرة المواجهة ضدهم، كما حدث في الملحمة الأفغانية السابقة وما تلاها من ملاحم في الشيشان والبوسنة والصومال، وما يحدث الآن في فلسطين والعراق.

- إبراز إفلاس العلمانية براياتها المختلفة، من خلال وضع حكوماتها تحت مجهر المحاسبة الشعبية في ضوء المعايير الشرعية، حيث تركزت الأضواء لكشف إخفاقها العام سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً، وبطلانها شرعياً واعتقادياً.

- النجاح في ابتكار منابر إعلامية إسلامية، بجوار المنابر الأصلية في المساجد، وتحقيق قفزة إعلامية نسبية، أصبحت مرشحة ـ على تواضعها ـ أن تنافس إمبراطوريات الإعلام الفاسدة داخلياً وخارجياً، وتحقق شيئاً من الندية معها في صناعة الرأي العام الإسلامي.

- إيجاد صوت سياسي إسلامي قادر على إيصال إرادة الأمة لمن بيدهم السلطان، مع التمكن من إعادة نظريات الحكم والسياسة في الإسلام إلى موقع الأهلية للتطبيق.

- أسلمة كثير من العلوم الإنسانية، وإضفاء ضوابط شرعية على بعض العلوم التطبيقية، إضافة إلى المشاركة في النهوض بمستوى التعليم الديني بالانخراط في المدارس والمعاهد والجامعات المتخصصة في تخريج أجيال من طلبة العلوم الشرعية.

- فضح زيف المناهج الفكرية والأطر المذهبية المناوئة للإسلام عقيدة وشريعة في العصر الحاضر، من خلال شن هجوم مضاد على المستشرقين والمستغربين، وبروز رموز فكر إسلامي قادرين على جهاد الكلمة ضد جراءة الإلحاد والعلمنة والتغريب والانحلال مع كشف عوار المبادئ الأرضية المنافسة للشرائع الإلهية في أوطان المسلمين، كمبادئ الديمقراطية والرأسمالية والليبرالية والشيوعية والماركسية ونحوها.

ويمكن إضافة الكثير والكثير من التفاصيل حول تلك الإسهامات الإيجابية لما اصطلح على تسميته بـ (الصحوة الإسلامية) تلك الصحوة التي جاءت تحقيقاً قدرياً لما أخبر عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها»(1).

وبما أن لفظة (مَنْ) في الحديث تصدق على الفرد والمجموع، ولمَّا لم يشهد أحد لفرد واحد بالقيام بكل ما سبق، فقد ثبت أن ذلك التجديد هو من فعل المجموع؛ فكل العاملين للإسلام شركاء في تلك الإنجازات المتنوعة بتنوع تخصصات هؤلاء العاملين، وبفضل الله ـ تعالى ـ ثم بفضل تلك النجاحات فإنه لا يسع أحداً أن ينكر أن أحوال الأمة في الربع الأول من القرن الخامس عشر، أفضل منها بكثير عن قرن مضى من حيث صلتها بالدين علماً وعملاً.

ولكن إنباء الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن تجديد الدين مع بداية كل قرن، لم يرافقه إخبار بالتمكين له مع مطلع كل قرن؛ فصحيح أن الدين من حيث جوهره قد تجدد مصداقاً لتلك السنة الإلهية، إلا أنه لم يتمكن بعدُ؛ لأن تمكنه خاضع لسنن أخرى ليست زمانية قدرية، ولكنها شرعية دينية. فإذا كان الله ـ تعالى ـ قد تكفل بحفظ الدين بحفظ كتابه وتجديد منهاجه كوناً وقدراً، كما في قوله ـ تعالى ـ: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقوله ـ عز وجل ـ: {فَإذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18 - 19]  فإنه ـ سبحانه ـ جعل التمكين للدين موكولاً لأهله شرعاً وديناً كما قال ـ جل شأنه ـ: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ } [محمد: 4]، وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وعلى هذا الصعيد أخفق المسلمون بعامة، والإسلاميون منهم خاصة في تحقيق الحد الأدنى من التمكين الذي تترتب عليه إعادة رفعة المسلمين ليكونوا كياناً مهاب الجانب مرهوب القوة نافذ السلطان، فالإسلام ـ كلمة الله ـ لا بد أن يكون لأهله سلطان مهاب مطاع، حتى يتمكن الدين من أن يكون متاحاً مباحاً لكل العالمين، ليقبلوا عليه مختارين ويدخلوا فيه أفواجاً. ولعل هذا سبب اقتران الفتح بالنصر في قوله ـ تعالى ـ: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3].

إن تجديد الدين وإحياءه علمياً لا يغني عن التمكين له عملياً، إلا أن ذلك التجديد مقدمة ضرورية تسبق التمكين، فتسهل مهماته، وتساهم في إزالة معوقاته، وقد أخفق الإسلاميون في أن يوظفوا ثمرات التجديد في حمل راية التمكين من جديد، وحجج الاعتذار هنا لا تساعدهم، ومنطق التسويغ لا يشفع لهم؛ لأن فرصاً كثيرة ضاعت مع أن اقتناص فرصتها كان متاحاً لولا الاختلاف والارتجال.

إخفاقات رغم الإمكانات:

بالإضافة إلى الإخفاق الكبير في إعادة التمكين للمسلمين رغم مرور عشرات السنين، فإن تحت هذا الإخفاق إخفاقات أخرى،  فبالرغم من ضخامة كل ما سبق ذكره من إنجازات للعمل الإسلامي في العقود القليلة السابقة، فإن تلك الإنجازات ستبدو متواضعة إذا وضعنا على خلفيتها بُعدين مهمين:

أحدهما: أن الإمكانيات الكامنة في الأمة كانت تسمح بأكبر من هذه النتائج والإنجازات.

الثاني: أن عدم الوصول إلى تحقيق الغاية الكبرى، وهي إقامة دولة الإسلام العالمية المُمكنة مرة أخرى، وتطاول الفاصل الزمني بين عهدي الاستضعاف والتمكين، يهيئ فرصة كبيرة للأعداء لكي يعيدوا الكرة، ويسلبوا الإنجازات، ويذهبوا بنا بعيداً عن تحقيق بقية الغايات.

ومن هنا تظهر جسامة المهمة وعظم المسؤولية في وجوب تجاوز الطرق التقليدية في التعامل مع نوازلنا، وبخاصة في الأوقات الراهنة؛ حيث الظروف الاستثنائية التي تحتاج إلى جهود استثنائية.

نحتاج ـ نحن الإسلاميين ـ أن نتعود على استحضار إخفاقاتنا، كما نتغنى بنجاحاتنا؛ فالنظر إلى النجاحات فقط يصيب بالغرور، كما أن النظر إلى الإخفاقات فحسب يوقع في الإحباط، ونحن المسلمين ـ بحمد الله ـ أكبرُ بديننا وإيماننا من أن نُحبط أو نيأس؛ فإنه {لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، وإذا ذكرنا إخفاقاتنا فليس ذلك مدعاة لاستجلاب يأس أو استحضار إحباط، ولكن لاستشعار حجم المشكلات وتطوير القدرات لحلها والتصدي لها.

إننا إذا تأملنا النتائج الموضوعية لمسيرة جمهور الصحوة الإسلامية خلال ما مضى من عمرها، سنرى كمّاً من الإخفاقات التي كان من الممكن تجاوزها في فترات السلامة النسبية الفائتة. فمن ذلك:

- إخفاق في تفعيل فقه الوفاق ووحدة القلوب بين الفصائل والتيارات بالرغم من التقارب النسبي بين كثير من المناهج مقارنة بما مضى، وقد ترتب على ذلك تقصير في تحقيق حد أدنى من التعاون العملي المباشر بين تلك الفصائل في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، عملاً بشرعة البنيان المرصوص وفريضة الاعتصام بحبل الله.

- تأخر في تفعيل دور جماعي للعلماء، وتردد في تكوين مرجعية علمية عامة يرجع إليها المسلمون إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، أو نزلت بهم كوارث عامة أو خاصة.

- قلة التأصيل العلمي لمناهج التغيير الشرعية التي ابتليت بالخوض فيها العديد من الفصائل الإسلامية بلا ضوابط علمية، سواء في العمل السياسي أو الجهادي أو الجماهيري.

- ضعف الهمة في تجاوز العقبات المعطلة للعمل مثل الحزازات الحزبية والنزعات الإقليمية والنزغات العنصرية، والتعامل معها وكأنها قدر سابق أو قضاء محتوم، مع شح الوسائط الدعوية المشتركة والمبادرات الإصلاحية التي تذيب الفوارق وتكسر الحواجز النفسية بين الجماعات والتيارات المختلفة، إضافة إلى شدة العناية بجوانب الفرقة والاختلاف، على حساب الرعاية لجوانب الاتفاق والائتلاف.

- غياب نقد الذات لحساب نقد الغير، وقلة بلورة النقد الذاتي ـ في حال وجوده ـ إلى مراجعات جادة بدلاً من التراجعات الحادة.

- اعتماد صيغة ردود الأفعال في التعاطي مع النوازل بعد نزولها بدلاً من المواجهة المدروسة لها عند وقوعها فضلاً عن التحسب لها قبل حدوثها.

وإذا كان ما سبق، أزمات داخلية واجهت العمل الإسلامي فلم يوفق في تجاوزها؛ فإن هناك نازلات خارجية أخرى غلب على الإسلاميين تجاهلها، مع أنهم هم الوحيدون الذين يعنيهم شأنها بعد ذهاب زمن الحلول الثورية والشعارات الوهمية. إن الوسط الإسلامي يشهد ما يشبه الغياب التام عن وضع تصورات نظرية أو عملية لكيفية التصدي المبكر لكوارث يتوقع وقوعها، ونوازل يخطط الأعداء لإنزالها، وليس غير الإسلاميين في وارد الاهتمام لها أو العمل لأجلها، ولهذا فليس من المقبول منهم طي ملفاتها انتظاراً لحدوث موانع قدرية قد لا تكون مقدورة، أو كرامات غيبية قد لا تكون مكتوبة، خذ أمثلة على ذلك من مخططات ومؤامرات معلنة منشورة؛ دعك مما هي غامضة مستورة:

1 - خطط الغزو لمزيد من البلدان العربية والإسلامية بذرائع مصطنعة، كتلك التي حيكت شباكها للعراق، حيث ستنفتح شهية الأمريكيين وحلفائهم لاستئناف برنامج الغزو إذا وجدوا مهمتهم سهلة في العراق، وإذا ما استمر عدم الإجماع على موقف إسلامي فاعل وموحد مما يحدث فيها وفي أفغانستان.

2- الخطط اليهودية المبيتة منذ عقود لهدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل اليهودي الثالث على أنقاضه، تلك الخطط التي تشكلت لأجل تنفيذها أكثر من عشرين جماعة صهيونية، يهودية أو نصرانية؛ مع توزيع تلك الجماعات للتخصصات اللازمة لتنفيذ المخطط في الوقت المناسب، وبالرغم من أن المتصدرين لتنفيذ هذا المخطط المعلن جماعات لا حكومات؛ فإننا لم نسمع عن خطة واحدة مضادة لجماعة واحدة فضلاً عن حكومة واحدة أو هيئة عربية أو إسلامية أو عالمية واحدة لردع هؤلاء الشياطين النشطاء.

3 - البرنامج الصهيوني المدعوم أمريكياً وغربياً باستكمال خريطة (إسرائيل الكبرى) من النصف الغربي للعراق إلى النصف الشرقي من مصر، ومن جنوب تركيا إلى شمال الجزيرة العربية على حدود المدينة المنورة، تلك الأراضي التي قد يجد أهلها ـ وعلى رأسهم الإسلاميون ـ أنفسهم بين ليلة وضحاها في مواجهة مباشرة مع يهود أو نصارى، دون أن يكونوا قد أعدوا من قبل للأمر عدته، أو أخذوا له أهبته، كما يحدث الآن لأهل العراق وأهل فلسطين وأهل أفغانستان.

4 - التوجه العارم نحو ضرب المفاهيم والقيم الإسلامية، من خلال الإعلام والتعليم وتمييع ما سبق إحياؤه وتثبيته من قضايا مهمة تتعلق بالولاء والبراء والجهاد في سبيل الله وفريضة الحجاب، وشرعة الحسبة والحكم بما أنزل الله؛ حيث لم تتضح للإسلاميين خطة في مواجهة هذه الهجمة المرسومة قديماً والتي بدأ تطبيقها حديثاً.

5 - الحرب الأمريكية المفتوحة على الإسلام باسم الحرب على الإرهاب؛ حيث تكتفي الغالبية العظمى من الإسلاميين بالوقوف في أحد أبراج المراقبة عن بعد، بانتظار مجيء الدور، إما إدراجاً في قوائم الإرهاب، أو تجميداً للأرصدة وتحديداً للأنشطة، أو تهديداً بالتصدير إلى (جوانتانامو).

6 - الإصرار من عموم الكفار على استهداف الحركات الإسلامية الجهادية المجمع على مشروعيتها، وبذل كل الجهود في محاصرتها وخنقها، بعد وصمها بالتطرف والإرهاب والخروج على الشرعية الدولية، كما يحدث الآن ضد فصائل المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية، والمقاومين الكشميريين والأفغانيين وغيرهم من جماعات التصدي المشروع للعدوان على الحرمات والمقدسات.

الإسلاميون ومعطيات عصر جديد:

عندما أعلن جورج بوش (الأب) عن قيام ما أسماه (النظام العالمي الجديد) بعد حرب الخليج الثانية، لم يحالفه الحظ في إرساء معالم هذا النظام بسبب سقوطه السريع الذي حرمه من فترة رئاسية ثانية يُتم بها ما بدأه، ولكن جورج الابن أراد أن يكمل نقص أبيه، فشرعت الولايات المتحدة الأمريكية في عهده في رسم ملامح هذا النظام الجديد، وتمخض هذا عن معطيات جديدة، لا بد للعمل الإسلامي ـ الذي سيستمر بإذن الله ـ ألا يتجاهلها عند رسم برامجه الآنية ومخططاته الآتية المستقبلية، ومما يخص المسلمين من هذا (اللانظام) ما يأتي:

أولاً: توجه العالم نحو نمط إدارة واحدة يكاد رئيس الولايات المتحدة فيها أن يكون (رئيس العالم) واتفاق هذا العالم شرقه وغربه مع الولايات المتحدة على (شطب) شيء اسمه نظام إسلامي ودولة تحكم بالشريعة وتقيم العقيدة مهما كان سبيل إقامتها، سواء كان طريق مجيئها بالانتخابات النيابية، أو الثورات الشعبية، أو الانقلابات السلمية أو غير السلمية، فلن ترضى الآن أمريكا ولا أوروبا ولا روسيا ولا حتى الصين بقيام مثل تلك الدولة وانضمامها للمجتمع الدولي، اللهم إلا إذا كانت دولة إسلامية على الطريقة الأمريكية شبيهة بتلك التي قامت على الطريقة الروسية في الشيشان والتي بدأ العالم يعترف بها وبرئيسها العميل المعمم (أحمد قديروف).

إن الخطر الذي سيلاحق الدولة الإسلامية المؤمل قيامها، لن يكون قانونياً فقط برفض (الأمم المتحدة) الاعتراف بها، بل قد تواجه الحظر السياسي والحصار الاقتصادي، والتربص العسكري ـ كما حدث لدولة الطالبان وقبلها دولة الشيشان وما قد يحدث لدولة السودان، وهنا نقول: هل من المناسب في ضوء ذلك أن يظل هدف إقامة الدولة الإسلامية النموذجية في هذه المرحلة على رأس أولويات الحركات الإسلامية في أنحاء العالم، كما كان العهد في العهود الماضية بحيث تتمحور حولها البرامج وتتركز التحركات؟! أم يتحول الجهد إلى إزالة العقبات من أمامها، وتأسيس الأرض الصلبة لإنشائها؟!

ثانياً: انتهاء عصر الاستقلال بانتهاك مفهوم سيادة الدول بالمعنى القديم المعهود وخاصة الدول الإسلامية، حيث برزت في السنوات القليلة الماضية ظاهرة التدخل المباشر في شؤون الدول الضعيفة، وتوجيه سيادتها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً، دون الرجوع في أحيان كثيرة إلى من يفترض أنهم (المسؤولون) في هذا البلد أو ذاك، ولن نضرب المثل بما يحدث الآن في أفغانستان أو العراق، فذلك أمر قد فُرغ منه، بل انظر إلى ما يحدث في باكستان وإندونيسيا والسودان، حيث تُفرض الحلول الأمريكية فرضاً، حتى وصل الأمر في بعض الحالات إلى انتهاك المجال الجوي لبعض الدول من أجل تعقب من تطلق عليهم أمريكا (الإرهابيين)، وما أمر اليمن منا ببعيد عندما دخلت الطائرات الأمريكية لتعقب سيارة مدنية بها أشخاص تشتبه بهم، ومثلما حدث عندما أغار الأمريكيون في عهد كلينتون على كل من السودان وأفغانستان دون مقدمات بزعم ضرب أهداف معادية.