الدعاة
تأملات في أسباب غياب البعد الزمني وآثاره

 

منصور طه الحاج آدم

اسـتطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل مجتمعاً كاملاً من جاهلية وشر وفرقة وشتات ودمـــــاء وتارات إلى مجتمع رشيد بقيم الحق معافيً يمثل قدوة في العالمين في فترة لا تتعدى ثلاثاً وعـشــرين سنة، وقد بدأ العد التصاعدي للدعوة النبوية ببزوغها والإيذان بها، وبدأ العد التنازلي لــدعوة الكفر التي غدت تفقد كل يوم أرضاً وضَيْعةً من ضيعاتها، بينما كانت الجاهلية تسعى جاهدة لتطويق الدعوة وإماتتها في مهدها بشتى السبل والطرق؛ لمعرفتها ما يترتب من تحــــولات قادمة تحسب لها الحسابات عبر رصدها لتحركات النبي صلى الله عليه وسلم وجماعـتــه، ولكنها أخفقت وخاب مسعاها؛ لأن الدعوة منصورة بالله، ثم لأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل بالأسباب الواجبة المقتضية لتحقيق تمكينها في الأرض.
ولأهل الباطل عداوات شــديـدة ورصـد كبير لأهل الحق ودعاته، ولا يفتؤون يبذلون ما في وسعهم لضرب الدعوة وأهلها؛ مما يوجــب عليهم ذلك نظراً بصيراً وتحركاً محكماً ينطلق من تقييم صحيح وسليم، وتعرُّف على مــآلات الخـيـر والـشــر ودرجات كل منهما، وكما يقال: "ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل مــن يعرف خير الخيْرين وشر الشرَّيْن" كما يوجب عليهم الإفادة من الزمن لتحقيق المفاجأة وتـغـيـيـر موازين القوى؛ فإن عامل المفاجأة وتغيير الموازين في الصراع يستند إلى قدرة الجماعة على بـذل طـاقـاتـهــا مع اختزال للجهد والزمن بأقصى ما يمكن لتحقيق التفوق على الخصم؛ فإن صراع الجماعـات والأمم صـــــــراع على أرضية الزمن، وكيفية كسبه وتحقيق أعظم إنجاز بأقل جهد وزمن، وهذا ما نلاحظه في دعوة النبوة: عظمة الإنجاز مع قلة الزمن.
وأمام أهل الحق جبهات ثلاث مفتوحة علمياً وعسكرياً وسياسياً من قِبَل التيارات الآتية:
1 - التيارات الكفرية والشركية.
2 - تيارات الـنـفــاق من العلمانيين والشيوعيين وغيرهم الذين يتلوَّنون بكل لون، ويدفعون كل راية حسب مقتضى الحال، ويكشفون عورات المسلمين.
3 - الفِرَق والجماعات الضالة الحديثة والقديمة في أصولها.
وتستخدم هذه التيـارات هيئات متخصصــة لدراسة ورصد القوى الإسلامية، وتعد خططاً ومناهـــج فكرية وسياسية وعسكرية لضربها وقطــع الطريق أمام العودة الإسلامية الرشيدة للأمة؛ ومما تستخدمه من وسائــل محاربــة:
1- إفراغ محـتـوى دعوات الإصلاح بتحـويـر مناهجها ومقاصدها عبر الإسقاطات الفكرية المختصة.
2- التشويش الفكري والعقدي، والتشكيك في عقائد الإسلام ومنهجه.
3- إدخال الجماعات الإسلامية في معارك استنزافية فكرية وسياسية وعسكرية.
4- بث وتوسيع الخلافات الداخلية والاستفادة من وضعية التشرذم الداخلي.
5- إيجاد الشرعية لضربها وإنهائها، والتحرش بها عبر وصمها بالألقاب الآتية: الأصـولـيـة، الإرهــاب، المتاجرين بالدين، أصحاب العاهات العقلية والنفسية.
6 - إضعاف السند والالـتـفــاف الشـعـبـي حــول الدعوة - أو استخدام سياسة الاستفراد بالجماعات باستثمار أخطائها.
وفـي مـقـابـل هــذه العداوات المرصودة وبكل شراسة ضد جماعات الدعوة الإسلامية نجد تشرذم البيت الإســلامــي وانشغاله بقضايا بيئية، بينما الواقع المعاش لأمة الإسلام يلقي بأحمال وتبعات ثقيلة عـلـى دعــاة الحق، وإنه لينوء بها من ينوء إلا ذوي العزائم وكبار النفوس المتوكلين على ربهم.
المطلوب:
1 - مرجعية علمية وعملية واحدة، أو معالجة أحوال النخبة:
مـن الاهـتـمـامــات الكبرى الضرورية في الدعوة المعاصرة تشكيل المرجعية العلمية والعملية الواحدة بمعالجـــــة أحوال النخبة من علماء وطلبة علم ليمثلوا حالة الوحدة في المرجعية العلمية وضبط منهجية العمل الدعوي ومقاربتها في إصلاح الواقع في تصوره ومطالبه، وفقه التعامل والإنزال فـيــــه، ومعالجته معالجة منهجية بعيداً عن الفوضى والارتجال العلمي والعملي التي يعاني مـنهـا الواقع الإسلامي المعاصر الذي أدى إلى ظهور تيارات مغالية أو مجافية، وبدون أفكار نـشــاز زادت من أزمة البيت الإسلامي؛ حيث انطلقت من رد فعل أزمة الواقع واتساع مطالبه وفـقـدان المرجعية الموجهة والضابطة علماً وعملاً. إن توحيد أو مقاربة المرجعية العلمية القائدة هي نقطة أولى لرأب الصدع وتوحيد الجهود.
2 - مراجعات منهجية في العلم والعمل:
مما يؤدي إلى سلامة مسلك الدعوة في أقوالها وأفعالها تحريرُ منهاجها على قواعد وضوابط وأصول أهل السنة والجماعة: الـعـلـمـيــــة والعملية، ثم يتبع ذلك مراجعات منهجية في جانب العلم والتصور والفهم؛ لئلا يحيد عـــن الوسط ويصاب بعاديات البدع والانحراف؛ فإن الأصول ربما تكون سليمة ولكن تعتري الـعـلــــة بعض الجوانب أو بعض المسائل التي توجب فتنة للاختلاف والشقاق فيها، وقد تكون تلـك من الآثار التي عبر عنها ابن تيمية - رحمه الله تعالى - نتيجة المعصية، وهي: خفاء الحـــــــق عند أقوام أو أحوال ومواطن فيضيِّقوا ما وسَّع الشارع، أو يتوسطوا فيما ضيَّق فيه من الـحــرام، ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن(1).
فلا بد إذاً من تنقية المنهج العلمي وتصحيح المسلك العملي ومراجعته ليكون على مشروعية صحيحة، كما أنه يجب أن نستوعب قواعد السياسة الشرعية وأصولها في النظر إلى الوضع الـقـائـم وتقـيــيـمـه، وفي ضبط مسلك الدعوة في الواقع المحيط بمختلف مكوناته العضوية والعلمية والفكرية دوراً وموقفاً نتوخى في ذلك كله جلب كل صلاح مستطاع ودرء كل فساد مقدور عليه، ولنؤمِّن طريق الدعوة من المعارك الاستنزافية التي يكيد بها الخصماء، والتي تفقد فيها كثيراً من القدرات والطاقات، وتهدم فيها المكتسبات.
3 - تجديد خطاب الدعوة المعاصرة وإصلاحه:
الذي يتابع خطاب النبوة في عصر الدعوة الأول يرى تنوعه وتطوره بحسب المراحل التي تمر بها الجماعة والمطالب التي تقتضيها المرحلة؛ فالخطاب في مكة غير الخطاب الموجه في المدينة، والخـطـــــــاب في المدينة ممتد عن الخطاب الموجه في مكة تفصيلاً وتوضيحاً وإضافة(2).
والواقع المعاصر أشد حاجــة إلى هذا التنوع والمرحلـيـة في الخطاب لتلبية حاجات المرحلة ومطالب الواقع في الأعيان والأحـــــداث والأحـوال تـنوعاً ينتظم تحت دائرة كلية واحدة يقتضي بعضها بعضاً وتتضافر فيها الـمـفـاهـيـم في مسلـك واحد ولتحقيق غاية واحدة وهي تحقيق العبودية لله. إن تجديد أساليب الخطاب المعاصـــرة وإصلاحها لتعالج قضايا الأمة وفق منظور شرعي واستراتيجية عملية ناضجة ضرورة لتحقـيــق التغيير الإسلامي المنشود، وإن أشد ما يعاني منه الواقع الدعوي المعاصر ذلك الخطاب الذي يعرض صورة منحرفة أو جزئية ناقصة أو سطحية تنطلق من رأي هذا أو ذاك، أو فهم هذا أو ذاك مقدماً على الحق كما أن الخطاب الذي اقتصر على مرحلة أو جزئية معينة وثباتــه حولها عامل من عوامل الشلل الدعوي، وهو ما يفسر موت كثير من الأنشطة الدعوية المعاصرة وتجاوز الزمن لها.
4 - بناء الكفاءات والقدرات:
إن مراعاة البـعـد الزمني للدعوة تتطلب الإعداد الضروري الذي يؤهل للوصول إلى المستقبل الـمُـسـتَـشْـرَف، وكـل مرحلة وطور لها متطلباتها ووسائلها التي ينبغي الإعداد لها، وكل مرحلة تؤدي إلى الأخــــــرى في تتابع وانتظام ثابت؛ فالذي يجب أن يرافق الاستشراف المستقبلي إعداد وتطوير الـوسـائـل والإمكانات والقدرات التي تشكل ذلك المستقبل المتطور وتصوغه.
إن كـثـيــراً من الفروض العامة غائبة لغياب المؤهلين الذين يقومون بها مما أقعد الأمة عن ممارسة دورهــا الحضاري، وهذا لا يُعفي العاجزين عن أدائها، بل يُلزمهم أمراً آخر وهو تهيئة القادرين عـلـيـهــــا ودفعهم لإتقانها(3)؛ فإن الأفراد قد جُبِلتْ فيهم خَلْقاً مختلفُ القدرات والإمكانات الذاتـية التي يُسِّروا لها (فكل ميسر لما خلق له) فإما أن تموت فيهم، وإما أن تحيا فيهم فيكون لهــا دورها في حياتهم وفي حياة أمتهم؛ فلذلك لا بد من العناية بالتنشئة السليمة لناشئة الإســلام التي تُخرج فيهم كوامن القدرات والطاقات، وتسعى إلى بنائها وتطويرها، وتدفع بكل واحـــد إلـى مـــــا هيئ له بوفور القدرة عليه ليحوز العلوم والآداب التي تناسب ما هو ناهض به، وإن تأهل لغيره أُعِينَ عليه.
إن الدعوة الإسلامية المعاصرة تفتقر إلى كثير من الـقــدرات والـمـؤهـــلات والبناء الداخلي المؤسس، مما يؤدي إلى ثغرات وعوامل ضعف فيها في المرحلة الراهـنة، وتلك القدرات هي أهم ما تفتقر إليه القيادات الدعوية الرشيدة التي تملك قدرة التأثـيـر وزمــــــام المبادرة في القيادة والإصلاح والتربية. ومما يؤخذ على الجماعات الإسلامية المعاصرة عندمـــا تخوض المعترك السياسي أو المعترك العسكري أنها تضعف أو تشل قدرتها في التربية والإصـــلاح، وتـتـنـاقـــص عضويتها الصفوية، وتتحول إلى تيارات شعبية عامة، مما ينحرف بمسارها وتتحول أهدافها وتفقد هويتها.
وأخيراً:
هــل يـعـي دعـــاة الحق ويتفهمون تحديات الواقع وينهضون قياماً بالواجب وإصلاحاً في الأرض؟ إن القـيــــادات والدعاة الربانيين هم أدلاَّء الخير وقادة الإصلاح، تعلو بهم راية الحق وتبطل بهم رايات الباطل، والأرض الإسلامية عموماً خصبة تنبت ما يزرع فيها نبتاً صالحاً، وقد توارت كـثـيـــر من رايات الباطل إما زوالاً وإما كيداً خفياً من وراء الشعارات الإسلامية. وإن كانت الأرض مـهـيــأة لقبول ما يزرع فيها فثمة تحدٍّ يتمثل في فقدان دعاة الحق؛ وهي حال قد تدفع بالتيار الـعـام للانحراف وراء دعوات خبيثة أو إمامات ضعيفة ناقصة تؤدي إلى فتنة داخلية؛ فإن ما يـلـحـــظ أن كثيراً من التيارات المتغربة التي تلبس لبوس الإسلام وأخرى باطنية خبيثة لها مبادراتـهــا وطروحاتها وأفكارها تعالج بها كثيراً من قضايا الواقع وتنتج كمًّا هائلاً من الفكر مما يلقي بـثـقـلــه عـلـى أصـحـــاب الحق من الواجبات العظيمة التي تنوء دونها الجبال.
إن تـعـقُّـــد الواقع وامتداداته الداخلية والخارجية تستوجب من أهل الدعوة أن يكونوا في مستوى الـمـطـالب والمقاصد فهماً وهمة وإصلاحاً وعملاً وتضحية وتخطيطاً وتنظيماً للجهود والطاقات؛ فـــإن إصــــلاح الأمــة إنما يتم بجهاد وحركة علمية ناضجة ونشطة تجدد ما اندرس من معالم النبوة وآثارها، وتـبـعـث مـنـاهــــج السلف وأصولهم وهديهم علماً وعملاً وممارسة وسلوكاً. ومن الله وحده العون وعليه التكلان.
الهوامش:
(1) يراجع الفتاوي، 14/ 147.
(2) يراجع الفتاوي، 15/159، والموافقات 2/62.
(3) الموافقات، 1/121.


مجلة البيان، العدد ( 145)، رمضان 1420،يناير 2000 .