صناعة الحدث

 

محمد بن شاكر الشريف

الحياة في جانبها المادي مجموعة من الأحداث التي تصدر لتحقيق غايات أو استجابة لمؤثرات. والحدث لا بد له من ظرف أو وعاء يحدث فيه من الزمان والمكان. والحـدث الإرادي مــن صفـات الأحـياء، ولا ينفك ذلك عنه؛ فإذا انقطع منه الحدث كان ذلك دليل موته، أو ضعف حيويته ضعفاً شديداً، والأحداث إنما يصنعها فاعلها لتحقيق مصالح أو أغراض وأهداف، لكنه لا يملك النتيجة؛ فقد تأتي النتيجة موافقة للغرض الذي من أجله صنع الحدث، وقد تأتي مخالِفته مخالَفة تامة، أو تحقق شيئاً وتعجز عن شيء، وقد تُحقق شيئاً من الغرض وتحقق معه شيئاً آخـر معـاكسـاً، وهـذا لا شك أنه من الأقدار التي يقدرها اللـه بحكمتـه وعلمــه؛ فكل شـيء مخلـوق بقـدر {إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:

لكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ جعل الحياة تمضي وفق نظام، وهو السنن والأسباب التي قدرها لحصول المسببات؛ فمن اتبع السنن، وأخذ بالأسباب أوشك أن يحقق مطلبه إلا أن يشاء الله ـ تعالى ـ شيئاً غير ذلك، وهو الحكيم الخبير؛ وعلى هذا فليس هناك في ميزان الشارع تعارض بين الإيمان بالقدر وبين اتباع الشريعة والأخذ بالأسباب؛ فإن القدر والأسباب يسيران في اتجاه واحد ولا يتعاكسان؛ ومن هنا فإن ترك الأخذ بالأسباب الموصلة لمسبباتها ـ إذا كان تحصيلها مطلوباً ـ تقصير يلام عليه الإنسان، وذنب يحاسَب عليه بحسبه. والأحداث قد يصنعها المرء بنفسه ليحقق بها هدفه، وقد يصنعها عن طريق معاونين له في ذلك، وهذه صناعة مباشرة للأحداث، ولكن هناك صناعة غير مباشرة، وهي التدخل في أحداث الآخرين؛ لتأتي محققة لأهداف المتدخل فيها، فإذا أمكن أن نجعل الآخَر وهو يصنع حدثه بإرادته ليحقق مصلحته ـ بحيث يكون ذلك محققاً لأغراضنا ـ فإن ذلك يعد نجاحاً عظيماً؛ إذ يتمكن الإنسان بذلك أن يجعل الآخرين ـ حتى وإن كانوا مخالفين أو معادين ـ ساعين أو مساهمين في تحقيق أغراضه بإرادتهم وفق قناعاتهم الخاصة بهم لتحقيق مصالحهم التي يرونها، لكن السؤال الذي نحاول في هذا المقال أن نجيب عنه: هو كيف يمكننا أن نحقق ذلك؟

ومعنى هذا أنه ينبغي لنا أن نبحث عن إجابة للسؤال الذي يقول: ما التقنيات أو الأساليب التي يمكن من خلال اتباعنا لها أن نتدخل في صناعة الحدث عند الآخرين؟

وللإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نستعرض بعضاً من صور صناعة الحدث، أو التدخل في صناعته عند الآخرين في القديم وفي الحديث، ثم نستخلص من تلك الصور الجواب المطلوب:

قصة ملكة سبأ:

في ما قصه الله علينا في قصة ملكة سبأ؛ حيث أبلغ الهدهدُ سليمانَ ـ عليه السلام ـ بخبر تلك المرأة التي تعبد هي وقومها الشمس من دون الله تعالى، كان الحدث الذي يريده سليمان ـ عليه السلام ـ هو هداية تلك المرأة وقومها، وعبادة الله وحده لا شريك له؛ فماذا فعل ـ عليه السلام ـ:

1 ـ أرسل لها خطاباً يقول فيه: {أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 31]، وهذا أمر جازم يصدر إلى ملكة مما يشعرها بمكانة مرسل الخطاب وقوته؛ إذ لا يجرؤ أن يكلم الملكة بهذه الطريقة إلا من كان أقوى منها، وأعز جانباً.

2 ـ رفض قبول الهدية التي أرسلتها لتختبره، أو في مقابل تركها وما تعبد من دون الله، مما يدل على أنه رجل صاحب رسالة وليس طالب دنيا، وقال للرسول حامل هدية الملكة: {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهَُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل: 36 - 37]، ويبدو أن الملكة بعد وصول هذا التهديد الشديد لها استشعرت خطورة القضية، فقررت الذهاب إليه لتستطلع الأمر بنفسها.

3 ـ أمر سليمان أحد جنوده أن يأتي له بعرشها قبل أن يصلوا إليه، وأمر بتنكير العرش أي تغيير وضعه وترتيبه، ثم جاءت فوجدت العرش قد سبقها، وقيل لها {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النمل: 42] أملاً أن تدرك أن هذا عرشها، رغم هذه التبديلات، فتعلم أن سليمان لم يكن لديه القدرة على إحضاره إلا بعون من الله، فيحملها ذلك على الإيمان، لكنها مع ذلك لم تهتد.

4 ـ قيل لها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل: 44]! فلما رأت الصرح حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها؛ لتصون ثيابها من الماء، ولم تكتشف حقيقته، فقيل لها: {إنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ} [النمل: 44]، وإنه لا خوف عليها من الماء، عند ذلك أدركت المرأة أن سليمان نبي من عند الله تعالى، وأن ما يدعو إليه هو الحق، فآمنت به، واعترفت بأنها كانت ظالمة لنفسها، وقالت كما في قوله ـ تعالى ـ: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُـجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} [النمل: 44]، ومن ذلك نجد أن سليمان ـ عليه السلام ـ لكي يصنع مع الملكة حدث الإيمان اتبع عدة أساليب:

1 ـ الأمر الجازم الجاد الذي يُشعِر الخصم بقوة خصمه وهيبته، وثقته في نفسه وفي إمكاناته.

2 ـ عدم المساومة على المبدأ، ورفض قبول الهدية التي تكون في مثل هذه المواقف رشوة مقنعة.

3 ـ تخويفهم بالقوة الشديدة التي لديه، وبتبدل حال النعيم التي هم فيها، وخروجهم عن الأوطان والديار أذلة صاغرين.

4 ـ إظهار المقدرة غير المعتادة التي تدل على الإمكانات الهائلة التي لدى سليمان ـ عليه السلام ـ كإحضار العرش قبل وصولها إليه؛ مما يدل على عدم جدوى معاندته أو الوقوف أمامه.

5 ـ إقامة الدليل العقلي بالتجربة العملية على أن العين قد تخطئ في تقدير أقرب الأشياء إليها، فتخطئ في إدراك حقيقة ما تحت أرجلها، مما يدل على خطأ نظرها في عبادة الشمس من دون الله، ومن كل ذلك تولّد لدى المرأة اليقين التام بصدق سليمان عليه السلام، وأن ما يدعو إليه هو الحق، لذلك أعلنت الإيمان بما جاء به، وبذلك نقول: إن سليمان ـ عليه السلام ـ قد تدخل في صناعة الحدث ليكون على النحو الذي يريد.

والملاحظ أن الحدث الذي كان يريد سليمان ـ عليه السلام ـ حصوله هو إيمان الملكة، وهو الانتقال من دينها إلى دين الإسلام، وشأن الانتقال من دين إلى دين آخر شأن ليس بالهين أو اليسير، ولذا فإن هذا يحتاج إلى قوة غير عادية لإحداث هذا التغيير، وهذا ما يفسر ـ من وجهة نظري ـ لهجة الخطاب الأول، كما يفسر لهجة التهديد الشديد بعد ذلك؛ فلعل تلك القوة تحملها على مزيد التفكير الذي يقودها للإيمان؛ فلما تغير موقفها، ووافقت على الذهاب إلى سليمان ـ عليه السلام ـ ظهر من مسلكها نوع من التعقل والانصياع؛ لذا استعمل معها أسلوباً آخر، وهو التعامل مع قدراتها العقلية من خلال تنكير العرش، ومن خلال الصرح الممرد؛ حتى يتبين لها أن تلك الأفعال ليست في مقدور بشر غير مؤيد من الله. وأما في الجانب المقابل فإن الملكة في أول أمرها كانت تريد البقاء على دينها، وكانت تريد صرف سليمان ـ عليه السلام ـ عنها؛ ولذا فقد حاولت أن تتدخل في صناعة هذا الحدث عن طريق المؤثرات فأرسلت إليه بهدية، لكنها أخفقت في تحقيق ذلك؛ لأن ذلك اصطدم بالإيمان، فغلبه الإيمان.

عمرة الحديبية:

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يريد العمرة، وكان هذا هو الحدث الذي يريد صناعته، فلم يخرج لحرب أو قتال، فخرج ومعه المسلمون، وقد ساقوا الهدي، وأحرموا من الميقات، ليعلم الناس أنه خرج من بلده زائراً للبيت الحرام ومعظماً له؛ حتى إذا بلغ (عسفان) لقيه بشر بن سفيان (وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أرسله عيناً له، يأتيه بخبرهم)، فقال: يا رسول الله! إن قريشاً قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العوذ المطافيل(1)، وقد لبست جلود النمور استعداداً لحربك وقتالك، وقد عاهدت الله أن لا تدخلها عليهم أبداً، ولما لم يكن الحرب والقتال هو الحدث الذي يريده الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل العمرة فإن هذا الكلام لم يستفزه، ويخرجه عن مقصده، ويجعله يغير وجهته، أو يتخذ قراراً مناقضاً لمقصده، لا تدعو إليه ضرورة أو حاجة، بل بين له أنه لم يأت إلا لزيارة البيت، ثم حاول أن يتلافى الالتقاء في الطريق مع قريش، فقال لأصحابه: مَنْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فسلك بهم رجل طريقاً وعراً في سكة تخرجه على (ثنية المرار) مهبط الحديبية أسفل مكة، فلما سلكوا في ثنية المرار بركت ناقة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعندئذ أدرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن حابس الفيل قد حبسها، وأن هذا أمر قد قدره الله تعالى؛ لذا عزم على القبول بأي خطة يطلبها المشركون، يعظمون فيها حرمات الله، وجاءه هناك بُدَيْل بن ورقاء الخزاعي في رجال من قومه، فكلموه، فبين لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجهته، ووضح لهم أمره، وأخبرهم أنه لم يأت لقتال، ولا يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت ومعظماً لحرمته، كما قال لبشر بن سفيان من قبل، وهكذا قال لمكرز بن حفص لما جاءه من بعده، وهو -صلى الله عليه وسلم- في كل ذلك يبين أمره، ويفصح عن مقصده؛ لعل ذلك يبلغ قريشاً، فيعرفون وجهته، ولا يتعرضون له أو يعترضون طريقه، وقد سنحت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرصة عظيمة، فلم يكن لمثله ـ وهو الذي أوتي الحكمة، وهو الهادي إلى صراط مستقيم ـ أن تفته؛ فقد أرسلت قريشاً الحليس بن علقمة بن زبان سيد الأحابيش، فلما رآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقبلاً قال لأصحابه: إن هذا من قوم يتألهون(2)، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده رجع إلى قريش، ولما يصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إعظاماً لما رأى، وقال: «سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت؛ فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قلدت، وأشعرت فما أرى أن يُصَدوا عن البيت، فقالوا له: اجلس! إنما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب عند ذلك، وقال: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم، أيُصَدُّ عن بيت الله من جاء معظماً له؟ والذي نفس الحليس بيده لتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد»(3). وهنا يكون التدخل في صناعة حدث الآخر قد بلغ أقصاه؛ إذ استطاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا التدخل أن يجعل أحد قيادات المعسكر المناوئ له نصيراً، حتى كاد أن يشق صف التحالف، ثم آل الأمر بعد ذلك بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين المشركين إلى الصلح، ولو استقبله الرسول -صلى الله عليه وسلم- بغير ذلك كأن يجعل الصحابة يشهرون أسلحتهم من السيوف والرماح ونحوها؛ فربما رجع إلى قومه، وقال لهم: استعدوا للقتال! فالرسول -صلى الله عليه وسلم- كي يصنع الحدث «الاعتمار» قام بما يلي:

1 ـ الإعلان الواضح عن المقصد، وبث ذلك بين الناس الذين يمكن أن يبلغوا قريشاً ذلك.

2 ـ ساق الهدي الذي هو دليل واضح على المراد وعلى تعظيم البيت.

3 ـ تدخل في تصرفات المعسكر المناوئ حتى ضم الحليس إلى صفه، ففرق بذلك صفهم أو كاد.

وفي الجهة المقابلة فقد صنعت قريش بتهورها حدثاً معاكساً لما تريده؛ فهي قد اجتمعت وتحالفت مع غيرها من أجل صد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، لكنها لما تهورت في الرد على سيد الأحابيش، وكلّمته بكلام خشن لا يناسب مقامه، وقالوا له بطيشهم ونزقهم وعدم تقديرهم للمواقف: «اجلس! إنما أنت أعرابي لا علم لك» أوشك ذلك أن ينقلب عليهم، ويفك تحالفه معهم على ما تقدم ذكره، وقد جاء عروة بن مسعود الثقفي يريد أن يخوِّف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، ويخذلهم عن مقصدهم، فقال لهم: «هذه قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله على أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً. فهو يريد أن يصد المسلمين عن مقصدهم، ويحطم معنوياتهم، فعظم لهم من قوة قريش ومن تصميمها على صدهم، ثم حاول التخذيل والتـخـويـف بـأن المسلـمين قـد ينفـضُّـون عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم-، ولا يصمدون في المنازلات عندما تشتعل الحرب بل يفرون، ولكن معرفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأقدار الرجال الذين معه وقدرتهم على الصمود في المواقف الصعبة؛ أدحضت صناعة الحدث الذي يريده مسعود الثقفي.

قصة ثمامة بن أثال:

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو الناس إلى الإسلام، ويحب أن يؤمن الناس جميعهم، بل هذا كان أوْلى شيء عنده؛ لذلك كانت كل تصرفاته على مختلف أنحائها ووجوهها من أجل تحقيق هذا الهدف، ولنرى في قصة ثمامة كيف تحقق هذا الحدث، نستمع إلى أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ يقول: «بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- خيلاً قِبَل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له (ثمامة بن أثال)، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد! إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتُرك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة قال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، قال: أطلقوا ثمامة! فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.. الحديث(1)؛ فثمامة هذا سيد قومه، وإسلامه علاوة على أنه خير له؛ ففيه أيضاً قوة للإسلام ومدعاة لإسلام قومه أو أكثرهم؛ فماذا فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليحصل ذلك الحدث:

1 ـ اطلع ثمامة على عبادة المسلمين؛ وذلك من خلال ربطه في المسجد، فيرى إقبال المسلمين على الصلاة في خشوع ونظام، ويسمع القرآن الـذي جعلـه الله ـ تعالـى ـ هداية للقلوب، ويرى أثناء ذلك تعامل المجتمع المسلم من خلال تعامل الصحابة بعضهم مع بعض، ومن خلال تعاملهم مع قائدهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو حبسه في بيت من البيوت لما تحقق شيء من ذلك.

2 ـ بيان أخلاق المسلمين في تعاملهم مع الأسرى؛ وذلك من خلال إطعامه، وإحضار كميات كبيرة له من الطعام، فلم يقوموا بضربه أو تعذيبه؛ إذ لا فائدة هنا ترتجى من وراء ذلك؛ مما يكون له أثر كبير على موقف الرجل من الإسلام.

3 ـ ما ظهر له من أن المسلمـين ليســوا طـلاب دنـيا، وأنـه لا يدعوهم إلى أسْرِه الرغبةُ في جمع المال، فلم يلتفتوا إلى قوله: إن كنتم تريدون المال أعطيتكم منه ما شئتم.

4 ـ وقد تبين للرسول -صلى الله عليه وسلم- أن موقف ثمامة بدأ يتغير؛ وذلك من خلال اختلاف أجوبته؛ ففي أول مرة قدم التهديد؛ حيث قال: إن تقتلني تقتل ذا دم؛ أي إن قتلتني فهناك من يأخذ بثأري، لكنه ما عاد يكررها في المرات التالية، وقدم على ذلك مجازاة إحسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاعتراف بالجميل والشكر عليه؛ وذلك بقوله: وإن تنعم تنعم على شاكر، وهنا أطلقه الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الخير في إطلاقه على كلا الحالين: فهو إن أسلم فذلك خير كبير، وإن لم يؤمن فسوف يحفظ هذه المنة للمسلمين، كما قال: «إن تنعم تنعم على شاكر» أي يشكر هذه النعمة، ويكافئ عليها، فصار ليس في قتله فائدة، وقد صدق ما توقعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ثمامة، فأعلن إسلامه وشهد شهادة الحق.

والأمثلة في ذلك كثيرة جداً، وبعضها أوضح من بعض في الدلالة على المراد، وننتقل إلى العصر الحديث لنرى صناعة بعض الأحداث فيه.

حرب حزيران 1967م:

في الخامس من شهر حزيران من عام 1967م نشبت حرب بين اليهود والعرب انتهت في مدة وجيزة بانتصار ساحق لليهود، حققوا به جزءاً من أحلامهم التي تحدد دولتهم بأنها من النيل إلى الفرات؛ فكيف حدث ذلك:

جرى تسريب خبر مضمونه أن دولة اليهود تحشد جنودها على الحدود السورية، وهي على وشك أن تجتاح هذه البلدة الصغيرة، ومسربو الخبر يريدون إشعال حرب بين العرب واليهود، يظهر فيها العرب على أنهم البادئون في الوقت الذي تنتهي فيه هذه الحرب بفوز اليهود. وانطلاقاً من دراسة الواقع فقد جرى تسريب ذلك الخبر؛ ففي الجانب المقابل الزعيم العربي الذي ملأ بضجيجه دنيا العرب بالآمال العريضة، فقد كانوا يعلمون شخصيته المحبة للظهور بمظهر البطولة المفتونة بالعظمة وبإعلائه لوثن القومية، وأن خبراً مثل هذا سوف يدعوه لإظهار خصائص شخصيته، وسوف يتصرف تصرفات هوجاء لا تقوم على أية حسابات (وإن كان لا يريد حقيقتها وإنما للاستهلاك المحلي)، ويقوم اليهود في الطرف المقابل في استغلال تلك التهويشات بشن الحرب الخاطفة التي تكون في نظر العالم يومئذ حرباً دفاعية، وليست عدوانية، (وهناك تحليلات كثيرة وتسريبات تذهب إلى أن زعيم القومية العربية كان متواطئاً مع اليهود في تلك الحرب، وذلك بإدخال الجيش في حرب غير مستعد لها؛ كي يحسم النزاع الداخلي على السلطة بينه وبين الجيش الذي كان مستحوذاً على السلطة الفعلية، ولكن هذا لا يهمنا كثيراً الآن، وإنما نحن نتحدث هنا بحسب الظاهر)، وقد قامت الحرب بالفعل بعد أيام قليلة، وهزم الجيش المصري هزيمة نكراء، وكسب اليهود فوزاً ساحقاً رخيصاً لم يكلفهم ثمناً يذكر، وصارت هذه الحرب هي الطريق إلى إذلال العرب حتى اليوم، وقد تحقق الحدث على الصورة التي أراد له المصممون، وقد تم ذلك من خلال:

1 ـ المعرفة الجيدة بشخصية جمال عبد الناصر زعيم القومية في ذلك الوقت.

2 ـ المعرفة بضعف إمكانات الجيش، وعدم قدرته على خوض معركة لم يجهز أو يعد لها.

3 ـ الدعاية بأن اليهود في موقع الدفاع أمام طوفان العرب الذي سوف يلقي بهم في البحر، كما يصرح بذلك زعيم القومية.

4 ـ استعداد اليهود لهذه الحرب والتخطيط لها منذ أمد؛ فالحرب لم تفرض عليهم، ولم يخوضوها رغماً عنهم، بل هم في الحقيقة الذين فرضوها.

ولم يبق بعد ذلك إلا صناعة الحدث الذي تتوالى بعده الأحداث، ولم يستطع عبد الناصر أن يصنع شيئاً بتهديداته؛ لأنها كانت بلا رصيد، وكان الطرف المقابل يدرك ذلك جيداً.

حرب الخليج الثانية:

وقريب مما تقدم ما عرف بحرب الخليج الثانية؛ فقد كانت أمريكا قد بدأت في الاستعداد لتنفيذ مخططها لتصبح إمبراطورية عظمى وحيدة في العالم، وكان من شرط ذلك أن تستولي على مصادر القوة الاقتصادية في العالم، بعد أن استحوذت على القوة العسكرية التي لا تقاوم، وأول ذلك النفط لتوقف جميع الصناعات على تواجده بوفرة؛ لذلك اتجهت بنظرها صوب نفط الخليج لتستولي عليه، أو لتجعله على الأقل في المرحلة الأولى تحت تصرفها، وكان مما يدخل في مخططها أيضاً تأمين الوجود اليهودي في فلسطين، والقضاء على أية قوة يحتمل أنها تهدد ذلك الوجود في يوم ما، ومع المعرفة بمكونات شخصية رجل مثل صدام حسين، ومع المعرفة بضعف دولة مثل الكويت، إضافة إلى الخلافات القديمة بين البلدين؛ فقد جرى تسريب خبر لصدام: أن أمريكا لن تتدخل في أي نزاع محلي ما دام ذلك لن يؤثر على الإمدادات النفطية التي تحتاجها، وقد كان ذلك بمثابة إشارة البدء لتحقيق الحدث الذي هدفت إليه أمريكا من وراء ذلك، وقد قام صدام باتخاذ الخطوة التي خططت لها أمريكا، وهي احتلال الكويت، وقد أوقعه طمعه الشديد في ابتلاع الطعم الذي كانت صِنارة الصياد ظاهرة فيه، ثم تداعت الأمور بعد ذلك على النحو المعلوم للجميع، والذي تم الترتيب له سابقاً، حتى انتهى الأمر باحتلال العراق بعد ما يقارب عقداً من الزمان؛ ليكون العراق النموذج «المؤمرك» لدول الشرق الأوسط، وليمثل ذلك التحول غير المتوقع صدمة للأنظمة العربية، حتى تهرول إلى التغيير المطلوب الذي تسعى أمريكا إلى حصوله، ولكن من غير أن تدفع أمريكا ثمناً لذلك، ولكن الريح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن؛ فقد ظهر في المعادلة رقم صعب لا يمكن تجاوزه، لم تكن أمريكا قد عملت حسابه بشكل دقيق، وذلك متمثل في المقاومة العراقية التي كانت مفاجئة للجميع.

ومن هنا يتبين أن عدونا يظل يخطط لما يريد حصوله سنوات عديدة سابقة على الحدث، فيحاول تحقيق شروط الحدث، ثم يفتعل أسبابه حتى تستكمل الخطة ما تحتاج إليه، ثم لا يبقى بعد ذلك إلا «القشة التي تقصم ظهر البعير» كما يقال، ثم تتداعى الأمور على النحو المرتب له والمدروس دراسة جيدة، فلا يكون هناك ـ والحالة هذه ـ مفاجآت تعترض وقوع الحدث كما جرى تصميمه، ولكن يبقى بعد ذلك قدر الله العلي الكبير، والقدر غالب ليس بمغلوب.

أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر:

تذهب طائفة من المحللين إلى أن تلك الأحداث قد رُتب لها على طريقة صناعة الحدث؛ إذ الخطط لاحتلال أفغانستان كانت معدّة قبل ذلك، كما كشفت عن ذلك كثير من المصادر الإخبارية، وحتى مع اعتراف تنظيم القاعدة بمسؤوليته عن هذه الأحداث؛ فإن هذا لا يتعارض مع تلك التحليلات؛ إذ تكون المخابرات قد رصدت هذا التوجه، واعترضت رسائله المشفرة، وقامت بفكها، وتركتها تأخذ مسارها من غير تعطيل لها، مع المتابعة حتى يكون الأمر تحت السيطرة، وتم الاستفادة منه، واستغلاله في إخراج الحدث على النحو الذي يجعل ما تقوم به أمريكا له ما يسوغه أمام العالم، ولعلنا ندرك السبب الذي من أجله تحاول أمريكا أن تجعل لعملها مسوغاً أمام العالم، رغم امتلاكها لأكبر قوة عسكرية مجهزة بالعتاد الأقوى في العالم، إذا نظرنا إلى أن أكثرية دول العالم إن لم يكن جميعها قد سكتت عن ضرب أفغانستان، ولم تعترض على ذلك، بينما العكس في حالة العراق؛ إذ إن كثيراً من الدول، بل الأكثرية تعارض احتلال العراق؛ لأنه في الحالة الثانية يتم بغير مسوغ مقبول، ولعله من أجل هذا سعت أمريكا دوماً، ولا زالت تسعى لإيجاد علاقة بين صدام حسين وبين تنظيم القاعدة.

فأمريكا لكي تحقق هدفها من إقامة إمبراطوريتها، وفرض سلطانها على العالم قامت بما يلي:

1 ـ اختيار أهداف ضعيفة يمكن التغلب عليها بسهولة، مع إظهار القوة الفائقة في ضرب هذه الأهداف التي تخيف الآخرين، وتردعهم عن الوقوف في طريق المشروع الأمريكي.

2 ـ الإعلام المكثف، والدعاية المضللة، وترويج مصطلح (الإرهاب) بدون تحديد مضمون له، حتى يكون سيفاً على رقاب الجميع.

3 ـ تخويف وترويع الآخرين بأن يحددوا مواقفهم، وأن من ليس مع أمريكا فهو في صف أعدائها، وعليه أن يتحمل تبعات ذلك.

4 ـ المساهمة بطرق مباشرة وغير مباشرة في بعض الأحداث التي تسوِّغ لها شن الحرب؛ بزعم الدفاع عن نفسها.

5 ـ ابتداع مصطلح الحرب الاستباقية الذي مضمونه شن الحرب على الآخرين بغير مسوغ إلا ضمان تفرد أمريكا بالقوة المسيطرة على العالم، وقد وصلت أمريكا بذلك إلى الحد الذي يجعلها تقصد إلى ما تريد قصداً من غير الاحتياج إلى اللجوء إلى تقنيات صناعة الحدث، لكن نتائج الحرب على العراق قد تردها عن ذلك، وتحوجها إلى الرجوع إليه.

متطلبات صناعة الحدث:

1 ـ دراسة كاملة وافية للحدث من جميع جوانبه، فتتم دراسة البيئة التي يراد صناعة الحدث فيها من حيث الزمان والمكان، والظروف المحيطة، والمؤثرات التي تؤثر فيه سلباً أو إيجاباً، وطرق تعزيز المؤثرات الإيجابية وإضعاف المؤثرات السلبية، كما يتم في ذلك دراسة تأثير دول الجوار على الحدث مع استكشاف الموقف العالمي.

2 ـ دراسة الحدث نفسه وكيفيات التحقيق الممكنة، واختيار أفضلها، مع إمكانية التغيير وفق تطورات الواقع وما يستجد فيه من مؤثرات، فإن صناعة الحدث قد تستغرق عدة سنوات يتغير فيها أشياء كثيرة، لم تكن وقت التخطيط على مسرح الأحداث.

3 ـ الاستكشاف الدوري لبيئة الحدث، حتى لا يحدث تغيير غير ظاهر قد لا ينتبه له مصممو الحدث، مما يكون له تأثير كبير على النتائج (وقد يكون ما يحدث الآن من المقاومة في العراق نتيجة مباشرة لعدم قيام العدو بهذه الخطوة المهمة) ولاستكشاف وسائل متعددة منها: الاستطلاعات، والاستبانات، والأبحاث التي تقوم بها مراكز الأبحاث المتخصصة، وغير ذلك من وسائل تجميع المعلومات، ثم تُفرز هذه المعلومات، وتُصنف وتُجرى عليها الدراسات والمعالجات التي يُتوصل منها إلى نتائج، تعتمد دقتها على دقة المعلومات المتحصل عليها، ودقة معالجتها.

4 ـ سعة أفق الفريق الذي يقوم بصناعة الحدث أو التدخل فيه، والخبرة الطويلة والحكمة في التصرف، مع الصبر والتأني وعدم الاستعجال والتهور، وعدم الرغبة في الظهور أو إبداء المـظاهر البـطوليـة، وينبغـي أن يعـمل الـفريق خلـف الأضـواء لا أمامها.

5 ـ الاعتماد على الدراسات الدقيقة الموثقة، وليس على مجرد التصورات أو التحليلات الفكرية التي لا تستند إلى واقع صحيح، مع وجود البدائل المتعددة التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة.

6 ـ معرفة الآخر معرفة جيدة من حيث: فكره وتصوراته، وعقائده وإمكاناته، وطبيعة الأفكار والتصورات التي تسود المجتمع، وكيفية مواجهة القيادات للأحداث والتفاعل معها، والمؤثرات التي تتدخل في صنع القرار السياسي، والحالة الاقتصادية، وغير ذلك مما يعكس رؤية الآخر رؤية واضحة مفصلة، تمكن فريق صناعة الحدث من تصميم الحدث تصميماً ملائماً للحالة.

7 ـ عدم تغيير أو تعديل الخطط المعدة مسبقاً لأي عارض يطرأ، ما لم يدرس الأمر دراسة جيدة، ويكون التغيير أمراً لازماً، على أن يتم اتخاذ الخطة الجديدة بالطريقة نفسها التي أقرت بها الخطة المعدلة.

تقنيات (أساليب) صناعة الحدث:

من خلال ما مر بنا من أمثلة يمكننا أن نستنبط مجموعة من التقنيات (الأساليب) التي تستخدم في صناعة الحدث، ف