|
هل بقي شك في أن (العولمة) ـ بوجهها الكالح ـ قد اكتسحت
فعلاً؟ وهل بقي شك في أنه قد تم احتلال الإنسان قبل احتلال الأوطان؟ ثم من
ذا يتردد بعدُ في ملاحظة التحولات العالمية؟ أليست الأرض تدور اليوم على
غير طريقتها المعتادة؟ ألا تدخل الأمة الآن منعطفاً جديداً من تاريخ
علاقاتها مع نفسها، ومع الآخر؟
ألم تكشف الصهيونية ـ بوجهها الأمريكي ـ القناع عن
غطرستها؛ استخفافاً بالعرب والمسلمين؛ في أجرأ حركة من تاريخها تجاه الأمة
الإسلامية؛ استعداداً لشيء ما؟
لقد تقارب الزمان اليوم لينكشف عن شيء، والعالم يتهيأ
له بدول تتوحد وتتكتل، وأخرى تتمزق وتتفرق، وبرموز تقوم وأخرى تنهار!
فانطلاقاً من سقوط الاتحاد السوفياتي، وسقوط سور برلين بدلالاته السيميائية
العميقة، حتى أحداث 11/9/1002م بأمريكا؛ كانت موجة أخرى من تاريخ التدافع
الحضاري تتجمع؛ لتنطلق بأول عملية احتلال عسكري في القرن الحادي والعشرين
الميلادي، وتدخل أمريكا العالم الإسلامي غازية بلا قناع سياسي! تدخل
بخلفيتها الشمولية المتطرفة، الجامعة بين المطامع الاقتصادية
والأيديولوجيات العقدية من (المسيحية الصهيونية)؛ فتكون العراق أول قنطرة
للعبور إلى غزو جديد للأمة الإسلامية، بتجليات متعددة، قد تختلف مظاهرها من
قُطر إلى قُطر ولكن مآلها واحد: هو الهيمنة العولمية الحديدية على العالم
الإسلامي، وها هنا: تعددت الأشكال والموت واحد!
إن الغزو الأمريكي للعالم الإسلامي في صورته الجديدة
الحاصلة اليوم؛ لهو صفعة قوية في وجه الأمة! ليس - فقط - من حيث هي أنظمة
خانعة، أو متخاذلة، أو متواطئة؛ ولكن أيضاً من حيث هي مشاريع نهضوية فكرية،
وقومية، ووطنية، بل حتى إسلامية أيضاً! ولِمَ لا؟ وسترى ذلك بدليله بعدُ
خلال هذه الورقات بحول الله.
لقد انتهى زمن وكالة الأنظمة العربية؛ فالآن أمريكا هي
التي تَعتقِل، وهي التي تحاكِم، وهي التي تصادِر، وتلقي القبض على من تشاء
كما تشاء! فأيما خطيب، أو مفكر، أو داعية ـ أو ربما حتى عابر ـ أزعجها
بكلمة؛ أصدرت أمرها باعتقاله، ولم تعد تبالي ولا حتى بحرج النظام العربي
الذي يعيش ذلك المطلوب في حوزته وتحت سلطانه! وتلقي القبض عليه هي بنفسها
هنا أو هناك في أي مكان من خريطة العالم الإسلامي!
ثم بعد هذا وذاك: من الذي يستطيع نقض مقولة اليقين: إن
المسلمين اليوم يعتصمون بآخر القلاع الحضارية لوجودهم؟
وينتصب السؤال المرير: أين الحركات الإسلامية في العالم
العربي والإسلامي؟ أين أكثر من قرن من الزمان مضى في بناء التنظيمات
والجماعات؟ أين الخطط والبرامج والاستعدادات؟
ألم يئن الأوان بعد للمراجعة والمساءلة لحركات الدعوة
الإسلامية هنا وهناك؟
إلى متى ونحن متشبثون بخطط خرقها الغرب واخترقها أكثر
من مرة؟ ثم أتت عولمة النظام العالمي الجديد على آخر ما بقي منها! فلم يعد
لها غير عجيج المظاهرات، وصراخ المهاترات؟! إلى متى ونحن متشبثون بوهم
(إننا قادمون!) والواقع يشهد أننا (متراجعون)؟ تماماً كما تشبث نظام العراق
المخلوع بوهم (خططٍ للسحق والتقطيع)؛ لم تلبث أن دكتها الدبابة الأمريكية،
ولَمَّا تنقطع أصداء كلماتها الرنانة في الفضائيات!
أين الحركات الإسلامية من الإسلام؟ وإلى أي حد هي فعلاً
(تجتهد) ـ بالمعنى الحقيقي للكلمة ـ من داخل بنية النص الشرعي، ومنظومته
الاستدلالية؛ للتمكين لهذا الدين؟ أين هي الاستراتيجيات الدعوية، والجهادية؟
وأين موازين نقدها وتمحيصها؟
أليس قد آن الأوان فعلاً؛ لتجديد النظر في الأساليب
التربوية، والمنهجيات الدعوية في زمن لم تعد فيها ظلال الأنظمة كما كانت،
ولا مظاهر العدوان كما كانت، وصار العدوُّ - عن كثب - يراقب برامج التعليم،
وخطب المساجد، والعلاقات الأسرية، ويحصي دور القرآن، والمعاهد الدينية،
ونسبة الولادات؟ أليس قد آن الأوان لبعثة جديدة تجدد أول ما تجدد هذه
(الحركات الإسلامية) نفسها! والتي تقادم لديها مفهوم (التجديد) فلم تعد
قادرة على إعطاء ما لا تملك؟ إلى متى ونحن صامتون ومترددون في وضع الإصبع
على مواطن آلامنا وأدوائنا وقد امتدت يد الأمريكي إليها قبل يدنا؛ لتعالجها
ـ ولكن مع الأسف ـ بدوائه لا بدوائنا، وبطريقته لا بطريقتنا؟!
من هنا إذن؛ كانت هذه الكلمات التي إن أوردتُ فيها
شيئاً عن نقد (الحركة الإسلامية)؛ فإنما هو محاولة للفت النظر إلى أن الوقت
الذي نعيشه اليوم قد تضايق وتقارب؛ حتى لم يبق منه - لفوات الواجب ـ إلا
وقت الضرورة! فمن ذا يحاول منا أن ينتقل من الشكل إلى الجوهر في (بعثة
التجديد المقبلة)؟ ومَنْ ذا يبادر لتسجيل خطوة الانتقال التاريخي الكبير مع
منعطف العولمة المظلم؛ من (الحركة الإسلامية) إلى (حركة الإسلام)؟
تلك أسئلة نحاول مقاربتها في هذه الورقات؛ عسى أن يقيض
الله لها من يُخرِج من تبنها حباً نافعاً! وإنما الموفق من وفقه الله.
■
في بعثة التجديد: دراسة في المفهوم:
يرد مفهوم (البعث) في القرآن والسنة بمعنيين اثنين:
الأول: هو بمعنى إحياء الموات، كما في قوله ـ عز وجل ـ:
{فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} [البقرة: 259]، وقوله
ـ سبحانه ـ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ
اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [النحل: 38]، وقوله أيضاً: {وَأَنَّ اللَّهَ
يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] إلخ. فالبعث هنا فعلٌ قدريٌّ
تكوينيٌّ يرجع إلى إرادة الله ـ جل وعلا ـ بإحياء الميت، وتجديد الحياة
فيه؛ ليخرج من عالم الفناء إلى عالم البقاء، أو من دائرة العدم إلى دائرة
الوجود.
ولا يكون البعث ـ بهذا المعنى ـ إلا بعد حياة سابقة
يعقبها موت؛ لما لمعنى (البعث) من دلالة على إعادة الحياة إلى من فقدها،
وليس بمعنى نفخ الحياة ابتداءً، فهذا إنما هو (خَلْق). وأما البعث فهو:
(إعادة خَلْق)، كما هو مفهوم من النصوص السابقة، وفي قول الله أيضاً في حق
عيسى ـ عليه السلام ـ: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15].
وأما المعنى الثاني لمفهوم (البعث):
فيرجع إلى معنى (الإرسال)، وهو: تكليف الرسل بوظيفة
البلاغ، كما في قوله ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى
حَتَّى يَبْعَـثَ فِي أُمِّـهَا رَسـُولاً يَتْلُو عَلَيْهِـمْ آيَـاتِنَا}
[القصـص: 59]، وقـوله ـ سبحانه ـ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى
نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، وقوله ـ جل وعلا ـ: {ثُمَّ بَعَثْنَا
مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [الأعراف:
103]. ونحو هذا وذاك في القرآن كثير.
فالبعث هنا يرجع إلى معنى تكليفي، وأمر تشريعي تعبدي،
بينما هو في الأول راجع إلى أمر قَدَرِي تكويني. إلا أن هذا المعنى الثاني
يستصحب المعنى الأول من الناحية السيميائية، فلا يمكن تجريد اللفظ من
إيحاءاته ببعثة الرسل، فكأنما ورود المبعوث على الأمة الضالة نوع من الغيث
يحيي منها الموات، ويبعث فيها الحياة! ومن هنا كان قــول النبي -صلى الله
عليه وسلم-: «إن الله ـ تعالى ـ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ
يجدد لها دينها»(1)؛ تعبيراً جامعاً لكل تلك المعاني، فهو دالٌّ بالأصالة
على تجديد البعثة بالمعنى الإرسالي ـ أعني إرسال العلماء لا الأنبياء ـ
وليس هو ابتداء وحي، وإنما هو تعليم وحي إعادةً وتجديداً. وهو دالٌّ بالتبع
على معنى الإحياء، فبعْثُ المجددين إنما هو إحياء للأمة، ونفخٌ لروح القرآن
فيها من جديد، حتى تعود إليها الحياة، وتنخرط من جديد في صناعة التاريخ!
ومن هنا كان «العلماء ورثة الأنبياء»(2) ـ كما صح في الحديث ـ. هذا المعنى
العظيم تؤكده بصائر القرآن العظيم، وبشائر السنة النبوية.
ولا تكون البعثة ـ بناءً على ذلك ـ إلا عملية جذرية
شاملة وعامة، سواء رجعت في البدء إلى شخص واحد، أو إلى عدة أشخاص، على
الخلاف في تأويل معنى لفظ (مَن) الوارد في الحديث: «من يجدد لها دينها»؛
أهو دال على المفرد أم على الجمع؟ قلت: هو في جميع الأحوال آيل إلى الجمع،
حتى لو حملناه على المفرد؛ أعني حتى لو كان المنطلق التجديدي فرداً. ألا
ترى أن أصل البعثة النبوية في هذه الأمة إنما هو رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- نبياً واحداً خاتماً، ولكن مظاهر بعثته -صلى الله عليه وسلم- تجذرت
في جيل كامل من الصحابة رضي الله عنهم؛ تلك هي الموجة الأولى من البعثة
الأولى، حملت دفعة الوحي قوية تحيي الموات.
ثم كانت بعد ذلك موجات متفرعة عنها، هي منها وإليها،
وهي بعثات التجديد التي حصلت في التاريخ؛ إذ شهد جيل التابعين، الكبار
والصغار، ومن عاصرهم من أتباعهم أول عملية للتجديد في أواخر المائة الأولى
وبداية الثانية، من أمثال: سعيد ابن جبير (ت: 59 هـ)، والحسن البصري (ت:
011 هـ)... إلخ. وغيرهما كثير ممن كانوا جيل التجديد الأول بعد جيل
الصحابة، حيث نشروا العلم، وربوا الأمة، وبنوا أصول مدارس العلم
واتجاهاتها، قبل تبلورها على أيدي جيل فقهاء الأمصار الكبار الذين مثلوا
بعثة التجديد للمرحلة الثانية، ولدورة جديدة من دورات التاريخ؛ من أمثال
أبي حنيفة النعمان (ت: 051 هـ)، وعبد الرحمن الأوزاعي (ت: 751 هـ)، والليث
ابن ســعد (ت: 571 هـ)، ومالك بن أنــس (ت: 971 هـ)، وعبد الله بن المبارك
(ت: 971 هـ)، ومحمد بن إدريس الشافعي (ت: 402 هـ)، وغيرهم.
وهكذا عرف جيل القرن، عند النصف الثاني من كل قرن حتى
نهايته، أو عند النصف الأول من القرن حتى أواسطه؛ حركة تجديد البعثة أو
بعثة التجديد من جوانب متعددة؛ منها ما يتعلق بالدين أصالة، ومنها ما يتعلق
به تبعاً. فقد شهدت بداية القرن الثامن مثلاً بعثة شيخ الإسلام تقي الدين
ابن تيمية (ت: 827 هـ)، ومدرسته التجديدية من تلامذته المشهورين كابن القيم
وغيره، كما شهدت نهاية القرن بعثة أبي إسحاق الشاطبي (097 هـ) بالأندلس من
الغرب الإسلامي، ومعه جيل من المجددين المعاصرين له في ميادين شتى، كعبد
الرحمن بن خلدون الإشبيلي (ت: 808 هـ) في تجديد علم التاريخ وفقه العمران
البشري مثلاً... إلخ.
إن القول بفردية المجدد، وحصر بعثة التجديد فيه؛ إنما
هو نوع من التحكم، أو التعصب المذهبي ليس إلا! وكذلك التفسير الحرفي لـ
(رأس المائة) من كل قرن بسنة محددة عيناً هو أيضاً سوء فهم؛ لأن حركة
التاريخ لا تكون وليدة سنة أو سنتين، بل هي نتاج عمر كامل! وإنما قد تبرز
ثمارها بشكل واضح مع مطلع هذه السنة بالتحديد، أو تلك. نعم قد يكون البدء
فرداً ثم تنتشر الظاهرة وتمتد البعثة.
ثم إن فهم زمان البعثة المجددة على أنه رأس القرن
بالمعنى الحرفي؛ مناقض لسنة الله في الكون والمجتمع، فإنما يكون نضج
الإنسان ونشاطه التجديدي على امتداد جيل؛ أي على نحو ثلاثين أو أربعين سنة،
وليس مختزلاً في سنة واحدة! وإنما يُفهم حديث رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- علـى هــذا الوزان، فبعثــة التجـديد ـ من قوله -صلى الله عليه وسلم-
ـ «على رأس كل مائة سنة»؛ قد تنطلق قبل تمام القرن بسنة، أو سنتين، أو
ثلاث، وقد تتأخر عن ذلك المقدار نفسه، مع مراعاة سائر الاحتمالات الممكنة
في تحديد بداية العد؛ مما سنذكره بعد قليل، ما دام المقصود أن الجيل المجدد
للقرن ـ الذي قد يولد في أواخر القرن الماضي أو نهايته، أو في بداية القرن
الجديد ـ هو حامل رسالة التجديد، وهو موضوع البعثة الحامل لرسالتها.
ثم بعد هذا وذاك؛ كيف بدء العد لتمام المائة سنة
عدداً؟ ما هو (رأس القرن) الذي عليه مدار ظهور حركة التجديد؟ هل هو بدء
انطلاق حركة المجدد السابق؟ أو هو نهايته ووفاته؟ أو هو مضي مائة سنة على
لحظة الانتكاس والانهيار الذي يتطلب التجديد؟ تلك أسئلة كلها واردة
ومحتملة، وأغلب العلماء إنما عدُّوا قديماً (مائة التجديد) بالعد الهجري،
وليس من تاريخ بدء البعثة النبوية؛ أي من يوم نزول {اقْرأْ} [العلق: 1]،
وهو إمكان محتمل أيضاً، ولا من سنة وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو
أيضاً ممكن محتمل أيضاً، حيث يبدأ النسيج الاجتماعي الديني في البلى شيئاً
فشيئاً، حتى يبعث جيل التجديد عند نهاية القرن من ذلك التاريخ. وإنما كان
العد ـ كما ذكرت ـ من عام هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو راجح أيضاً؛
لأنه مثَّل صُلب عهد البعثة النبوية، ومنعطف التاريخ لبدء التمكين للدعوة
الإسلامية الأولى؛ ديناً ودولة في الأرض!
وإذا نظرنا إلى بعثة التجديد في جيل القرن الماضي؛ أي
القرن الرابع عشر الهجري فقد شهدت بدايته إلى أواسطه حركة شاملة، ونهضة
عامة، مع ظهور جيل الأستاذ حسن البنا، حتى سيد قطب في مصر، والأستاذ أبي
الأعلى المودودي في الباكستان، وبديع الزمان النورسي في تركيا... إلخ، مع
تلامذتهم جميعاً، كلهم مثَّل بعثة التجديد لجيل كامل من العلماء المنتصبين
للدعوة.
وبالعدِّ الميلادي كان ذلك هو أواخر القرن التاسع عشر
وأوائل القرن العشرين، وهي فترة شهدت أحداثاً مهمة جداً بالنسبة إلى العالم
الإسلامي، فقد كانت عهد اكتساح (الاستعمار) الأوروبي، وإسقاط الخلافة
الإسلامية العثمانية، وتوزيع تركة الرجل المريض، ثم إنشاء الكيان الصهيوني
بفلسطين! كل ذلك كان مرحلة من سُنّة الله في التاريخ؛ لإنضاج حركة البعثة
الجديدة التي قاومت ظلمات الاحتلال الأوروبي، ثم امتدت بعده لتصفية آثاره
على المستويات الفكرية والعقدية والاقتصادية والسياسية... إلخ.
وأحسب أن الزمان في عصرنا قد دار دورة أخرى! وأن بعثة
جيل (الاستعمار) الأول قد استنفدت أغراضها من حيث تأثيرها التجديدي، كما أن
التحديات قد اختلفت وتغيرت وتعقدت، كما أن طبيعة المعركة صار لها أبعاد
أخرى.
ويمكن أن نعتبر تاريخ سقوط الخلافة الإسلامية
(1344هـ/1924م)، وانطلاق حركة الشيخ حسن البنا ـ رحمه الله ـ حوالي 1928م،
وما صاحب ذلك من حركات، واجتهادات من السوابق واللواحق والقرائن، كل ذلك
كان مؤشراً على أن البعثة التجديدية كانت في عهد موجتها القوية، فيمكن
البناء عليه في عد المائة التجديدية لما نحن فيه اليوم.
ونحن الآن في السنة الرابعة والعشرين بعد الأربعمائة من
الألف الثاني للهجرة؛ أي (1424هـ/ 2003م). وأقول لا عبرة بسنة أو سنتين أو
ثلاث.. إلى عشر سنين في عد حركة التاريخ. وإنما العبرة برأس التحول الذي قد
يبدأ بنهاية القرن أو ببدايته.
نحن اليوم إذن على أبواب تحولات جديدة، هي في تاريخ
العالم قد بدأت بالفعل؛ إذ يمكن اعتبار سقوط الاتحاد السوفياتي، والهيمنة
الأمريكية الصهيوينة على العالم أحد مؤشراتها، كما لا يمكن ـ في هذا الصدد
ـ إغفال الاتجاه الوحدوي الأوروبي، والتقاربات الوثنية الصهيونية، وكذا
الانهيار العربي الفظيع ومقولاته السياسية والقومية، والإبادات الجماعية
لشعوب العالم الإسلامي في كل مكان! ثم عجز الحركات الإسلامية في العالم ـ
غالباً ـ عن مواكبة التحولات العالمية الجديدة، وإصرارها على المنهج
التقليدي في النقد والاحتجاج، هذا المنهج الذي ورثت أغلب تقنياته التنظيمية
والحركية عن الأحزاب السياسية العلمانية البائدة التي نشأت في ظل
(الاستعمار) وبُعيده، ولم يبق لها اليوم في واقع الناس إلا ظلال باهتة، هي
أشبه ما تكون بأطلال الماضي! لم تستطع الحركات الإسلامية في الغالب أن تخرج
من جبة الحزب السياسي، ونموذجه النضالي الدخيل! وإن ادعت أنها تفارقه
وترفضه فإنما هي صورة تقليدية له؛ إما بصـورة اجتماعـية، أو ـ في بعض
الأحيان ـ بصورة حرفية!
تعلقت الحركات الإسلامية بعقدة الأنظمة الحاكمة، ومشكلة
الديمقراطية في العالم الإسلامي، وضخمتها إلى درجة التقديس العَقَدِي! كما
تعلقت بقضية النُّظُم السياسية، والاقتصادية، والإعلامية... إلخ، ورفعت
راية المقاومة المسلحة الداخلية والخارجية في بعض المواطن! وقد يكون هذا
مناسباً في ظروف سابقة، أما الآن فأحسب أن التاريخ الجديد بمعطياته
الحاضرة، وبملامحه المستقبلية؛ قد تجاوز هذه المشكلات جميعاً! فلم تعد
الأنظمة الحاكمة تملك شيئاً على الحقيقة، وباشر الاستعمار العالمي اليوم،
في الصورة الأمريكية الصهيونية، قمع الشعوب بنفسه، وبدون أي وكالة من هذا
النظام أو ذاك!
ثم امتدت الآلة الإعلامية والثقافية والاقتصادية؛
لتستعمر الإنسان المسلم في أخص خصائصه الوجدانية والعقدية والاستهلاكية؛
ليعيش على النمط الأمريكي، أو يسعى إلى ذلك. هذا هو اليوم ـ مع الأسف ـ شأن
كثير من البلاد الإسلامية! والكتلة (الأمريكية ـ الصهيونية) منهمكة في حرب
شاملة؛ لتذويب الباقي والشارد من الشعوب الإسلامية؛ في هالوك العولمة، أو
(حركة تهويد العالم)! هذه أشياء نشاهدها اليوم على مرأى ومسمع من العالم،
وذلك ما حذَّرنا منه قبل أزيد من سنتين في كُتيبنا (الفجور السياسي)؛ فرد
علينا بعضهم بنوع من السخرية، ورد آخرون بتقليل أهمية الخَطر، وقلة من
الدعاة هم الذين رأوا ما رأينا.
لقد تمكن الاستعمار القديم من الأوطان، فقامت عليه بعثة
تجديد مجاهدة، مناسبة لفجوره وبجوره! فحاربت وجوده العسكري والأيديولوجي
بعد ذلك بشتى الوسائل؛ بيد أن الاستعمار الجديد تمكن من الإنسان قبل أن
يتمكن من الأوطان! فاقتحم جسور البلاد بالشهوات قبل أن يقتحمها بالمدرعات
والدبابات! ففقدت الشعوب الإسلامية قوتها على الصمود أمام الإغراء العولمي،
وفقدت نمط عيشها وطرائق استهلاكها، واحتوتها الفلسفة الأمريكية الشيطانية
احتواء كلياً إلا قليلاً!
نعم إنهم معارضون لأمريكا، لكن بمعنى أنهم يكرهون ظلمها
فقط، لا بمعنى الكفر بوثنيتها وتألهها (الديمقراطي)، ورفض منهج حياتها،
وطبيعة عيشها. ومن هنا يكاد يكون كان نقدهم لها عمليةً تقويمية جزئية من
داخل بنيتها، ومن خلال نمطها، لا من خلال منظومة القرآن العظيم، ولا من
خلال مقومات الشخصية الإسلامية المستقلة الأصيلة!
ومن هنا؛ فإن بعثة التجديد المقبلة مدعوة إلى تحرير
الإنسان قبل تحرير السلطان! وإلى تحرير الوجدان قبل تحرير الأوطان! ولقد
رأينا كيف أن أحزاب المقاومة غير الإسلامية للاستعمار القديم في كثير من
البلاد العربية والإسلامية؛ لما تخلصت من هيمنته العسكرية والإدارية
المباشرة؛ خلفته في شعوبها بكل ألوان الكفر والفسوق والعصيان، وإعلان
التمرد على شريعة الرحمن! وليس معنى هذا أنه يجب علينا أن نهادن الاستعمار
الجديد، كلا! بل يجب إعلان الجهاد الشامل ضده! ولكن على أن يؤسس ذلك كله
على البناء العقدي والجهاد التربوي. إننا في حاجة إلى تنزيل معاني القرآن
من جديد، ليس وحياً من السماء؛ فمحمد بن عبد الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ
قد ختم بعثة الرسل. وإنما المقصود: هو قدحٌ لحركة التداول الاجتماعي
للقرآن! وذلك بأن يتحرك أهل البعثة الجديدة بآياته وحقائقه في المجتمع؛
تبصراً وتبصيراً، وتدبراً وتدبيراً.
لقد كان الرسول الخاتم -صلى الله عليه وسلم- في اللحظات
الأولى من نزول القرآن عليه؛ في حاجة إلى الثقة بنفسه أولاً، وهذه قضية
مهمة سنحتاج إليها قريباً، ألم تر أنه خوطب ـ كما في الحديث المتفق عليه ـ
بقوله ـ تعالى ـ: {اقْرأْ} [العلق: 1]! فكان جوابه مكرراً بتكرار الأمر:
«ما أنا بقارئ»، حتى قال ـ في سياق قصة هذا الحديث نفسـه ـ لزوجـه أم
المؤمنين خديجة ـ رضـي الله عنها ـ: «أي خديجة! ما لي؟ لقد خشيت على
نفسي!»، فجعلت تواسيه وتطمئنه حتى ذهب عنه الروع، ثم ذهبت به إلى ورقة بن
نوفل، وكان عليماً بالإنجيل، يستفسرانه عن حاله وطبيعة ما يراه عليه الصلاة
والسلام؟(1) وقد ورد في الصحيحين أيضاً أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:
«بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي
جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، [وفي رواية أخرى
للشيخين أيضاً: فجُئثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض!]، فرجعت فقلت: زَمِّلوني
زمِّلوني، فأنزل الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الْـمُدَّثِّرُ * قُمْ
فَأَنذِرْ} [المدثر: 1 - 2] إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]
فحمي الوحي وتتابع»(2).
وشيئاً فشيئاً بدأ الإيمان يترسخ في قلب رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-، الإيمان بنفسه نبياً ورسولاً من رب العالمين، حتى استيقن
أنه أحد المرسلين، بل هو خاتم المرسلين والنبيئين.
ومن هنا كان -صلى الله عليه وسلم- هو أول مؤمن في
الإسلام، قال الله ـ عز وجل ـ في محكم القرآن: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنزِلَ إلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْـمُؤْمِنُونَ} [البقرة: 285]، فهو أول
مؤمن به قبل أن يدعو إليه أحداً من العالمين؛ حتى أقرب الناس إليه. آمن هو
أولاً! وهذا أمر بديهي، لكنه قضية منهجية تحتل أهمية كبرى في فقه الدعوة
الإسلامية.
فهل آمنت الحركات الإسلامية برسالتها ووثقت بنفسها؟ أو
أنها على شك من أمرها مريب؟ إلى أي حد هي واعية؛ بل مؤمنة بوظيفتها
الربانية؟ أو أنها تشتغل بمجرد (وعي المشاركة) في تطوير بنية مجتمع حديث؟
مجتمع هيكله الاستعمار الجديد وفق نظام حياة دخيل، ونمط عيش مستورد، فكان
بذلك يخضع في خصائصه التنظيمية لنمط غير إسلامي! وما المجتمع إن لم يكن
نسيجاً من العلاقات، ونسقاً من المؤسسات؟ ماذا يمكن أن تعطي قراءة للحداثة
من خلال بنيتها غير الحداثة نفسها؟
فإذن؛ البعثة بمعناها التجديدي إنما هي (حركة الإسلام)
أكثر مما هي (حركة إسلامية)، إنها ليست حركة ترهن نفسها بمشروع (أسلمة)
لواقع هجين، مشروع لا يعدو أن يكون مجرد (مباركة) لمجموع مفهوماته؛ بشواهد
قرآنية ونصوص حديثية مبتورة من سياقها، مجردة عن مقاصدها الشرعية، مفرغة من
آثارها التربوية في النفس وفي المجتمع! إن (بعثة التجديد) هي حركة كلية
تعيد إنتاج التنزيل القرآني بمنهجيته التربوية الربانية الشاملة؛ بوعي علمي
راشد قوامه (الفقه في الدين) بمعناه الكلي، يؤمه جيل من العلماء الحكماء،
ينطلقون مرة أخرى بالمعلوم من الدين بالضرورة، فيجددون الأصول العقدية
والعملية؛ بمعنى تجديد الغرس والتربية والتكوين.
إنها إذن؛ تجديد (المشاهدة) للحقائق الإيمانية، وتجديد
التَّمْسِيك الاجتماعي بالكتاب وإقام الصلاة، قال ـ تعالى ـ: {وَالَّذِينَ
يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ
الْـمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170].
الحاجة إذن تدعو - كما ذكرنا - إلى بعثة (حركة
الإسلام)؛ بدل (الحركات الإسلامية)! لكن لا بد من بيان حقيقة: وهي أن (حركة
الإسلام) لا تلغي (الحركة الإسلامية) ولا تنقضها، بل إنها تمثل عمقها
الاستراتيجي، ومددها الحضاري! ولذلك فهي مصدر (بعثة التجديد)؛ بما تحدثنا
عنه من اصطلاح، وهي المتحكمة أساساً في حركة تحول المجتمع، وتوجيه التيار،
وبناء النسيج الديني. وليس (للحركة الإسلامية) من ذلك غير استثمار نتائج
(حركة الإسلام)؛ لتوظيفها فيما هي فيه من معركة (الشأن السياسي اليومي) ثم
الرجوع بذلك على (حركة الإسلام) بالدعم العام.
أول سؤال نضعه في هذا السياق إذن هو: هل استنفدت
الحركات الإسلامية أغراضها؟
قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من بيان: ما الحركة
الإسلامية؟
مصطلح (الحركة): هو مفهوم حديث؛ إنه مفهوم سياسي
اجتماعي، ينتمي معرفياً إلى علم الاجتماع السياسي، حيث تتبلور الأفكار في
ذهن مفكر أو مجموعة من المفكرين، فينخرطون في تأطير الناس على تلك الأفكار،
بصورة منظمة، أو شبه منظمة، ويناضلون من أجل تحقيقها في الواقع؛ وتكون
(الحركة)!
فالحركة إذن: تيار منظم فكرياً وبشرياً، وفق نسق معين
من الوحدة الفكرية، يمارس نوعاً من التدافع في المجتمع، مع غيره من
التيارات المنظمة، وغير المنظمة؛ من أجل الغلبة والسيطرة، أو من أجل البقاء
فقط، أو من أجلهما معاً.
ولذلك نقول: (الحركة الماركسية)، و (الحركة
الديمقراطية)، و (الحركة الليبرالية)، و (الحركة القومية)... إلخ. ومن هنا
أخذ مصطلح (الحركة الإسلامية).
فـ (الحركة الإسلامية) |