المسلمون ومرحلة الغربة

 

د. الحسين آيت سعيد

بعض المسلمين لَـمَّا يسمعون أحاديث الـغـربة، يتبادر إلــى أذهانهم أن هذا الدين قد انحسر بالكلية عن مواقعه، وأنه ضعُف واستكان، ولم يعد له مفعول قوي، وأن عودته للظهور البارز وسرعة الانتشار، بات أمراً بعيد المنال، وهـذا الفـهم ليس بصحيح ولا سـليم، تكذبـه النصـوص الواردة فـي الغـربـة، وفــي استمرار هذا الدين ، كما يكذبه الواقع التاريخي.

أ ـ الغربة مرحلة، وليست سُنة لا تزول:

القراءةُ الصحيحة لأحاديث الغربة، هي فهمها على أنها مبشرات لعودة هذا الدين لمسرح الحياة كما كان، ومقدماتٌ لانتشاره ودخوله كل بيت من مدَر أو وبَر، ولا ينبغي أن نُؤيِّـس المسلمين ونشل حركتهم، ونُفقدهم الأمل في دينهم بما يُفهم أولَ وهلة من بعض هذه النصوص؛ فهذه النصوص إذا ضمت لأشباهها، وفُهمت في سياقها، فإنها تفيد أن غربة الدين ما هي إلا مرحــلة عارضة، تمر منها الأمة، ولا تستقر فيها ولا تدوم عليها، ثم تعود إلى المرحلة الطبيعية التي هي انتشار هذا الدين بـين العـالمين، وبـلوغُه ما بـلغ اللـيل والنهار؛ ففي حديث ثوبان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طـائفة مـن أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم مـن خـذلهم ولا مـن خالفهم حتـى يأتـي أمـر الله وهم ظـاهرون»(1). فهذا الحديث من أعظم الأحاديث الدالة على أن الله تكفل باستمرار هذا الدين، وأنه يبعث له في كل زمان حماة يحمونه ويلتزمون به، ويدافعون عنه إلى يوم القيامة، وهذه الطائفة ما انقطعت ولن تنقطع بضمان الله ـ عز وجل ـ لاستمرارها، وذاك يشجع المسلم أن يكون من جنود هذا الدين، ويدفعُه أن ينخرط في سلك هذه الطائفة المنصورة، حتى تتحقق له بشارة الثبات على الحق والدفاع عنه، والانتظام في جماعة أهله، فيضاعف المسلم جَهده ليكون على الحق، ويكون ممن يظـاهر الحق ويناصره. وفي حديث تميم الداري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليبلغنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر»(1). وكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخيرُ والشرفُ والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذلُّ والصَّغار والجزية. ففي هذا الحديث بشارة صريحة أن هذا الدين سيعم الكرة الأرضية، وأنه لا يبقى بيت إلا دخله، أبى ذلك من أباه أو قَبِله من قبـله، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن غربة الدين وغربة أهله لا تسـتمر، وأنها ليسـت قانوناً حتمياً؛ كما يفيد الحديث أن العـزة ستـعود للمؤمنين، وأن الذلـة ستـلحق الكـافـريـن، ولو عَلوا وطغوا وتجبروا بما أتوا من قوة وجبروت، لكن يبقى أن يتحرك المسلمون وأن يعملوا جميعاً لتحقيق هذا الوعد والتعجيل به، فالله ـ تعالى ـ قد تكفَّل لدينه بالظهور، ويبقى تنفيد الوعد بأيدي المسلمين حتى لا يفهم أحد من هذه البشارات التواكل، والاسترخاء، وعدم العمل، وترك التبليغ، والركون إلى الدَّعة، بحجة أن الله سينصر دينه لا محالة؛ فهذا الفهم ليس بسليم، فالله ـ تعالى ـ سينصر هذا الدين بنا، وإن تخلينا فسينصره بغيرنا. قال ـ تعالى ـ: {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] فما أحوجنا إلى رجال يحققون وعد الله، ويستنـزلون نصر الله، ويكونون رحماء بإخوانهم المؤمنين، ويوم تتحقق فينا هذه الأوصاف، فإننا سنخرج من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والشمولية. وفي حـديث ثوبان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله زوى ـ ضم وجمع ـ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ مُلكها ما زُوي لي منها»(2) فهذا الحديث علم من أعلام النبوة، وإخبار صادق بأن ملك هذه الأمة سيبلغ المشرق والمغرب، وأن الخلافة على منهاج النبوة ستـعود، وفيه تحفيز للعاملين للإسلام وتثبيت لهم، وشحذ لعزائمهم إلى العمل البنَّاء الذي تسود فيه الرحمة والمحبة، كما فيه إيقاظ الغافلين، وتحميس المتواكلين، وبعث الأمل في نفوس اليائسين، وقطع الطـريـق علـى المتـربصين. وفي إطار هـذه البشـارات الثـلاث التـي تــدل عليــها هــذه الأحـاديث، يمكن أن تُفهم أحاديث الغربة، التي يستعملها أعداء هذا الدين سـلاحـاً للتأييس، وتثبـيط الهمم؛ فعـن عبـد الله بـن مسـعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الإسلام بدأ غريـباً وسـيعود غريـباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء. قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس»(3).

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم ـ ونحن عنده ـ: «طوبى للغرباء! فقيل: مَنِ الغرباء يا رسول الله؟ قال: أناس صالحون في أناسِ سوءٍ كثيرٍ، من يَعصيهم أكثر ممن يطيعهم»(4). فهذان الحديثان، فيهما وصف أهل الغربة بأنهم قلة، وأنهم صالحون مصلحون، وأنهم بين كثرة فاسدة، لذلك يعملون لـلإصلاح، ويحاولون إزالة الفساد؛ وهذا يدل على غيـرتهم وتمام قيامهم بواجبهم، فليسوا يائسين مستسلمين، ولا قـابعين في بيـوتهم، يتـأوهون علـى مـا صـار إليـه الحال من غربة الدين، مسَلِّمين بالأمر الواقع، بل هم على العكس، متحركون، فاعلون، إيجابيون، مواصلون، متشبثون بالدين، منافحون عنه، موسعون لدائرته، متحدُّون لكل العراقيل الموضوعة في طريقهم. قال ابن تيمية ـ شارحاً لهذا الحديث ـ: وكثير من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام، جزِع، وكلَّ، وناح كما ينوح أهل المصائب، وهو منهي عن هذا، بل هو مأمور بالصبر، والتوكل، والثبات على دين الإسلام، وأن يؤمن بالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون... وهـذا الحـديث يـفيـد المســلم أنــه لا يغتر بقلة من يعرف حقيقة الإسلام، ولا يضيق صدره بذلك، ولا يكون في شك من دين الإسلام كما كان الأمر حين بدأ، وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون في بعض الأمكنة يخفى عليـهم من شرائعه ما يصير به غريباً(5)، وقال ابن القيم: «فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً، سُمّوا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، و أهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع، فيهم غرباء، والداعون إليها، الصابرون على أذى المخـالفين، أشـد هـؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً، فلا غربة عليهم … وغربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: {وَإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم»(1). وهذا هو الفهم السليم لأحاديث الغربة، لا ما جنح إليه من لم يفقه عن الله ورسوله مرادهما.

ب ـ مـا الـواجـب علـى العـلماء في زمن الغربة أن يفعلوه؟

الواجـب على العلـماء ممـا ألزمهم الله به وفرضه عليهم، هو وظيفة الدعوة إلى الله تعالى، والأمرِ بالمعروف بالمعروف، والنهي عن المنكر بلا منكر. قال ـ تعالى ـ: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِـحًا وَقَالَ إنَّنِي مِنَ الْـمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

فهذه الآية تقرر فضيلة الدعوة والدعاة، وأنه لا أحد أفضل عملاً، وأكثر أثراً، وأنفع خلقاً من الدعاة إلى الله، العاملين بالصالحات، المصلحين بالآيات البينات، وهل من فضيلة فوق فضيلة تربية الخلق، ودلهم على الله، وإيصالهم به، وحثهم على ملازمة هديه، وتبصيرهم بطريقه ومنهجه؟ فقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من حمر النعم»(2) فهذه الفضيلة قد يستقلها من لا يزن الأمور بميزان الشرع، ولا يعقلها بهديه، ويعدُّها مبالغة وترغيباً، لكن لو أمعن النظر لعلم أن كل مهدي ومتعلمِ خيرٍ على يد رجـل، فإنه يكـتب له أجـره في كـل ما عمله من خير، دون أن ينقص ذلك من أجره شيئاً، وإذا هُدي أو تَعلَّم على يد ذلك المهدي الأول أحدٌ آخر، فإن أجره يكتب للهادي الأول والثاني، دون أن ينقص ذلك من أجر العامل شيئاً، وهكذا ما استمرت عملية الهداية تتعاقب في الأجيال.

ولهذا فأجور هذه الأمة المحمدية وحسناتها تكتب للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه الهادي الأول لها، ولا ينقص ذلك من أجر العاملين شيئاً، وهـذا يستفاد مـن قول النبـي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبـي هـريـرة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده، كُتِب له مثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسـلام سنـة سيئـة، فعُمـل بهـا بعـدَه، كُتِـب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء»(3) ويزداد الأجر، وتعظم المثوبة في زمن الغربة، الذي يقلُّ فيه النصير، ويندُر فيه المواخـي، ويكثر فيه المخالف، ويَـنـزُر فيه الموافق، ويشتد فيه الابتلاء، وتعظم المحنة، مما يستدعي مضاعفة جهد الداعية، على واجهات عديدة، كلها مشرعة الأبواب، تنتظر من يلجها ليعالج بالإسلام مشاكلها، ويزيلَ بالوحي عقباتها، ويمهد بذلك السبيلَ للمستضعفين، المغلوبين، لينعموا بنعمة الإسلام، ويتفيؤوا ظلاله، ويستنشقوا عبيره، ويشعروا بنسيمه يدب في أوصـالهم، ويتـواصـلوا بـروح جـديـدة تحـيـي منهم ما انـدثـر ـ أو أوشك أن يندثر ـ من معالم الفطرة؛ فطرةِ هذا الدين التي قال الله ـ عز وجل ـ فيها: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

وهـذه الفـطرة، هـي التـي ينبغي للدعاة أن يسعوا لإزاحة ما ران عليها من ركام الذنوب، وأوزار الآثام حتى غلَّفتها، ومنعت الحق أن يصل إليها، فلا بد أن تعود إلى حالتها الأولى نقية صافية، ثم تُملأَ بما ينفع من العلم والعمل الصالح، ولا بد من التخلية أولاً ثم التربية ثانياً، وبهما معاً تصل النفوس إلى كمالها المنشود. وهذه العملية ليست بسهلة وميسورة ينجح فيها كل من ينسب نفسه للدعوة، ويحشر أنفه في صف الدعاة، وإنما ينجح فيها من آنس من نفسه الرشد، واتصف بأوصاف: هي شرائط لهذا الأمر، لا ينفذ ولا يتم إلا بها، وهي كالتالي:

العلم: فالداعية في حاجة إلى أن يكون على دراية تامة بما يدعو إليه وبأصناف المدعوين، حتى تنجح دعوته وتؤتي أكلها، وما يدعو إليه الداعية هو الإسلام، فلا بد أن يصل إلى مستوى البـصيرة والرسـوخ فيـه، قال ـ تعالى ـ مبيناً هذا الشرط: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْـمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]. فما لم يصل الداعية إلى مستوى البصيرة فيما يدعو إليه، فإنه ـ بلا ريب ـ سيخفق في دعوته.

والبصيرةُ تعني أن يكون متقناً لأصول هذا الدين وفروعه، وما يُتوصل به إلى ذلك من وسائل، وأن يكون مجتهداً نسبياً في ذلك، قادراً على إلحاق المتجددات بمناطاتها التي ترتـبط بها، ولا يكفي الداعيةَ أن يتعلم مقداراً ضئيلاً من أحكام هذا الدين، ويعتقد أنه به ينقذ الحيارى والهلكى؛ فالداعية المؤثِّر المقتدر، هو من يتصرف في العلوم المطلوبة، ويقدر على ذلك، لشدة ممارسته لها، وطول عكوفه عليها، حتى أصبحت مَلَكة وسجية له، يستطيع بها أن يوجد لكل نازلة حكمها الشرعي الملائم. وأمـا مـن اقتـصر علـى الضـروريـات التي لا بد من معرفتها، أو أتقن جوانب دون أخرى، فحسبُه أن يقتصر في دعوته على ما يعلمه ولا يتعداه؛ فإن فعل فهو من جملة الدعاة، لكن ليس بالمعنى الذي تـقرره الآيـة، ولا يمكن أبـداً أن تسـتقيم الدعوة ولا أن تنجح، في غياب دعاة وصلوا إلى مرتبة البصيرة في الدين وأحكامه وواقعِه الذي ينزَّل عليه ويعالَج به؛ فهذه الدرجة، ينبـغي للأمـة أن تهـيئ لها جمـاعات يصـلون لهذا المستوى، وإلا ضاع الدين وضاعت الأمة بضياعه، وكما تنفق الدولُ ميزانيات لتكوين أطر علمية مقتدرة في الاقتصاد، والصناعة، والسيـاسـة، وتعتـمد آراءهم وتخطيطاتهم؛ فكذلك يجب عليها أن تنفق بالمقدار نفسه أو أكثر منه على تكوين دعاة بصراء بهذا الدين، قادرين على التجديد فيه، والاجتهاد في مضامينه، وفق القواعد والأصول المقررة المسلَّمة؛ وبذلك يكون التجديد في الخطاب والوسائل، مواكباً للتجديد في الأحكام والاجتهاد في النوازل، حتى يحور بذلك إلى الإسلام من بحث عن حلول لمشاكله في غيره، فيستعيد ثقته بدينه، ويعوَّل عليه في حل طوارئه.

وأكبرُ مشكلة تعترض الدعوة، ويلمسها كل مخلص، هو قلة المؤطِّرين الإسلاميين المقتدرين على هضم الثقافة الإسلامية وهضم الواقع الذي تنزل عليه تلك الثقافة. وما دمنا لم نقتل الماضي بحثاً، ولم نستوعب الحاضر فقهاً، فإننا سنبقى نجتر ما كان، دون أن نفقه معناه لنأخذ منه ما يلائم أوضاعنا. والحركـةُ الإسـلامية ـ مـع امـتدادها وانتـشـارها ـ لا بـد لهـا أن تستشعر بإحساس بالغ ضرورةَ التمكن من العلوم الشرعية، وأخذ أصحابها زمام الدعوة ومِقْوَدَها. ولغياب العلماء القادرين عن بعض المواقع، اضطربت بعضُ مفاهيم الدعوة، وتخلخلت فتـاوى المتـولين لها، واعـوجَّ عـلاجهم لواقع الأمة وأزماتها، وإذا كان الغرب الصليبي الحاقد أدرك إدراكاً كاملاً خطورة الأطر المتخصصة والمدرَّبة بشكل كاف وممتاز ـ فهيأ لهم لذلك مدارس متخصصة وخاصةً بهم، ووضع تحت تصرفهم ما يحتاجون إليه من ماديات ومعنويات ومشجعات ـ فإنه لم يفعل ذلك سـدى، ولا تـبنــاه بغــيـر دراســة، ولكـنـه أدرك جـيـداً أن التأثيرالسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والتحولات التي تشهدها المجتـمعات، لا تكون إلا برجال أقوياء، تعرَّفوا على سـنن الله في خلقه، وبنوا على تـلك السنن ما تؤدي إليه من نتائج، فقَلبوا بذلك الدنيا رأساً على عقب، وتحكموا فيها وفي بشرها وخيراتها من المحيط إلى المحيط، فالمأمول في الدول الإسلامية هو التغيير الجذري، ولن يكون ذلك إلا بالإسلام، والإسلام لا بد له من رجال أوفياء، ولن يكونوا إلا العلماء بهذه الشريعة، وبسنن الله في الكون والأنفس والآفاق، وهم الذين تثق فيهم الأمة، وتسلِّم لهم زمام أمرها؛ لأنهم في مستوى الأحداث التي تجري في العالم. فعالميةُ الرسالة المحمدية تستوجب أن يعم نورُها جميع القارات، حتى يخرج الصالحون المصلحون من دائرة الغربة إلى دائرة الكثرة والسعة، وذلك يحتاج إلى العلم بالله، وبشرع الله، وبسنن الله في دينه وخلقه وشرعه وكونه، والبيوتُ تؤتى من أبوابها. قال ـ تعالى ـ: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: 189] الحكمة(1): والشرع عند تطبيقه وتنزيله على الوقائع وعلى الناس، لا بد أن تصاحبه الحكمة. ونعني بالحكمة السدادَ في القول والتطبيقِ معاً، والصوابَ فيهما؛ والحكمةُ يدور معناها على هذا، وهي هبة من الله ـ عز وجل ـ يمنحها من يشاء من عباده من جهة، ومن جهة أخرى تُصقَل بالمعاناة والتجربة والخبرة. قال ـ تعالى ـ: {يُؤْتِي الْـحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، وهو ما يسمى إتقان العمل. والمراد بالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، والإتقانُ يستدعي تبصُّراً وعلماً، فيتوقف مفهوم الحكمة على العلم، فالحكمة تمنع صاحبها من الجهل، والحكم يمنع من الظلم. والحَكَمة تمنع الفرس أن يجمح بصاحبه، والإحكام هو الفصل والتمييز، والفرق، والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه، ولهذا دخل فيه معنى المنع، كما دخل في الحد بالمنع، جزءُ معناه لا جميع معناه(2).

وهذا المعنى للحكمة، يستمد من الوحي وبه يكون وينمو؛ لأن الوحـي كله حكـمة، وهـو حكمة الله للأولين والآخرين. قال ـ تعالى ـ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] فوظيفةُ النبوة التعليم والتربية، ولا فلاح إلا بهما، وأي أمة لم تصل مناهجها التعليمية إلى مستوى التزكية، فهي أمة ميتة، ميؤوس منها، والحكمة يتجلى عنصُرها جيداً ويصبح ضرورياً عند التطبـيق والتـنـزيل؛ فـكم من قيلٍ هو حق في ذاته، لكنه لما أسيء فهمه عند التطبيق، ووضع غير مواضعه، اشمأز الناس منه ونفَروا، وابتعدوا عنه وتفرقوا، وهو حق يحـمل فـي طياته جميع عناصرالحقيقة، ولهذا المعنى يشير قوله ـ تعالى ـ: {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ} [النحل: 125]؛ فالـمَواطـن التـي تتطَلب فيها الأناة، لا ينبغي فيها العجلة، ومواطـن الرفق واللين لا تجـوز فـيها الخشـونة، ومَواطن القوة لا يجوز إظهار الضعف فيها؛ فكل مدعو يعامَل بأسـلوب ينـاسبه، وهذا هـو غاية الحـكمة التـي أمـر الله بها في الدعوة.

ولما سوَّى بعض الناس بين المقامات كلها، وخلطوا هذه بتلك، كانت النتائج سيئة أحياناً، ومسيئة للإسلام أحايين، ومدمِّرة تارات أخرى، فانقلبت النتيجة إلى ضدها، وانعكس القصـد، وضـاعت الجهـود، وانحصـرت الدعـوة فـي متـاهات لا يعلم مداها إلا الله عز وجل؛ فكم من حق أسيء استخدامُه، فأصبح في نظر الناس غُولاً يُتقى ويحارَب؛ فمن المسؤول عن هذه الوضعية المزرية؟ إنه من يتصدى للدعوة، وهو خالٍ من علم الدعوة، ومن انتصب لنشرها، وهو لا يملك من أساليبها وحكمـتها شيـئاً، ولا يعـلم عنهما قطمـيراً ولا نقـيراً؛ ولا ريب أن من كان هكذا، فهو آثم شرعاً، متحمل وزر من تنكروا للحق وجـحدوه؛ لأنـه هـو الذي قـدمه لهم فـي صـورة البـاطل، فنفروا منه، وكل من كان كذلك، فهو مشمول بقوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله ـ تعالى ـ: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْـحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، وقـوله -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرة: «ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»(1).

فهذه الأدلة مفيدة أن المتسبِّب في الشيء، يؤخذ بمسبَّبه، ويُسأل عنه، وإن كانت نيته صالحة مع الجهل؛ لأن النية الصالحة لا تشفع للجاهل، ولا ترفع عنه حكم ما تسبب فيه، وإنما تخفف عنه الحكم أحياناً، ولكنها لا تدفعه بالكلية. وهذه الحقـيقة لا يعيـها كثيـر مـن الدعـاة إلـى الإسـلام بـدون علم ولا حكـمة، وإنمـا يدفـعـهم الحمـاسُ الزائـد للدعـوة، بحـجة أن العـلمـاء المكـوَّنـين ليـسـوا بمـوجـوديــن الآن، وإذا وُجـدوا لا يتحركون ولا يعملون، فيجب أن نعمل نحن، وننشر ما نعلم، وغاب عن أصحاب هذه المقالة أن المشروط يفقد بفقدان شرطه، فما داموا يعترفون بأنهم ليسوا من أهل العلم؛ فالواجب عليهم أن يتركوا الدعوة لأهل العلم إذا وجدوا، ويحمِّلوهم مسؤوليتهم أمام الله عز وجل، وإذا لم يوجَدوا فعليهم أن يسعوا في إيجادهم وتكوينهم من منطلق فقه: توقُّف المشروط على وجود شرطه.

ثم هم ليسوا كلهم صادقين في أنهم يدعون لما يعلمون فحسب، فجلُّهم يتجاوز ما علمه إلى ما لا يعلمه؛ فكم من واحد نعرفه يدغدغ العواطف في بداية اتصاله بالدعوة بأنه واقف عند ما علمه، ثم لا يلبث أن يتصدر ويُستفتَى، فيستنكف أن يقول: لا أعلم، فيفتي ويقضي فيما أحجــم أهل بدر أن يقضوا فيه، وينصب نفسه مصدراً في كل علم، فيَضل بذلك ويُضل، ويدخل في عداد من قال فيهم المعصوم -صلى الله عليه وسلم- من حديث عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبـض العلم بقـبض العلـماء، حتـى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا»(2).

والجدير بالذكر أن غربة الدين، يكون هذا السبب أحدَ أسبابها؛ لأنه يتضمن أن يتكلم في علوم الوحي من لا يحسنها، فيقدمها بذلك في حلة باهتة، لا تجلب رغبة، ولا تثير حماساً، ولا تـشـحذ عـزيـمة، ولا تنـبـه الغـافـلـين، ولا تـؤُزُّ المعـاديـن ولا تزعجهم، فينشأ عن ذلك الإعراض الكلي، الذي تنشأ عنه غربةُ الإسلام وأهله المتمسكين به، ويسبب لهم وحشة بين أقوامهم. صحيح أن الإسلام ليس حكراًً على أحد، وليس بمحرم على من لم يتخصص في علومه أن يتكلم فيه؛ لأنه رسالة الله للعالمين مـن الجـن والإنـس، ولكـن مـا ليس بصحيح، هو أن يتكلم الإنسان فيما لا يعلمه من دقائق هذا الدين وعلومه؛ والكلام فيه لا بد أن يكون بعلم؛ فمن تكلم في حدود ما يعلمه، وأحال على غيره فيما لا يعلمه، فلا أحد يلومه؛ فلو كان بعض الناس قد التزم بهذا المبدأ لأراح واستراح، ولم يكن سبباً في ضلال أحد؛ ولا في تحريف فهم أحد؛ فهذا القياس لا اعتراض على أحد أن يتكلم وأن يناقش فيه؛ لأن ضروريات هذا الدين لازمة لكل أحد، مفروض عليه علمها والسؤال عنها، فهي مِلك مشاع لجميع البشر؛ ولهذا لا يفترض أن يوجد في ديار المسلمين من يجهل ضرورياته، ولكن يفترض أن عامة الناس ليسوا في مستوى التنظير والاجتهاد والاستنباط؛ فإذا تكلم هؤلاء في هذه الدقائق، فقد ضلوا وأضلوا، والإسلام لا يرغب في ضلالهم ولا إضلالهم؛ فكما لا يوجد عندنا في الواقع طبيب يتكلم في غوامض الطب دون أن يتخصص في ذلك حتى عُرِف تأهلُه فيه، واشتهر فيه علمُه ومعرفته، فكذلك علوم الدين الدقيقة، لا بد أن يكون من يتكلم فيها عالماً بها، متخصصاً فيـها؛ فكـما ينـكر النـاس تلقـائـياً عـلـى الأول ويتـنـكرون لـه ولا يتطببـون عنده؛ فكذلك ينبغي أن يفـعلوه مع هـذا الثاني، بأن لا يثـقوا في علـمه، ولا يعتمدوا فتواه، ولا يُكْبِروا أمره، لكن الذي وقع، هو أن الناس منسجمون مع فطرهم وواقعهم في الأول دون الثـاني؛ فـلن تجـد أحداً يأتي غير الطبيب الحقيقي إلا نادراً، ولكن تجد الناس بالآلاف يستفتون من لم يتأهل للفتوى، ويعتبرون العالم من عَطِلَ عن حلية العلم؛ فنشأ عن ذلك ما نلاحظه من رقة التدين، وقلة الحماس لعلوم الدين.

الحِلْم: ومع العلم والحكمة، فلا بد من الحلم؛ فموقع الحلم من الدعوة، موقع العضد من الكتف. والحِلْم يعني ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب(3)، وهو صفة كمال، وليس بصفة نقص، ولذا سمى الله ـ تعالى ـ نفسه حليماً، فقال: {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. وحِـلمُه ـ تعالى ـ أنـه يعفو عن عبـاده ويصفـح عنهم، ويتجاوز عـن عصيانهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وجعَل لكل شيء نهاية وقدراً ينتهي إليه.

والداعيـةُ في حـاجة لخـلُق الحـلم والأناة؛ فبالحـلم يقبل من الجاهل، ويعذر المخطئ، ويتحمل الإساءة، وهذا يجعل الخلق مقبـلين عليه، راغبـين في دعوـته، لما يرونه في سلوكه من الأناة، وكظم الغيظ، والصبر على الأذى؛ فالحلم للدعوة، كالإدام للطعـام؛ فـكمـا لا يستـسـاغ الطعام إلا بتأديـمه، فكـذلك الدعوة لا تستـساغ إلا بحِـلم، ولا ينبـغـي أن يغـفل الداعــية أن الحلم لا ينبغي أن يزداد عن حده، ولا أن ينقص عنـه؛ لأنـه خصـلة حمـيدة بين رذيـلتين: رذيلـةِ الغـضب بسـرعـة والانـفـعالِ الانـدفـاعي الـذي يسـتجيـب للنزغـات بـلا تبصر ولا روية، ورذيلةِ الذلة والبلادة والرضا بالظلم وهضم الحقوق.

والحِـلمُ هـو العفو عمـن يستحق مع المقدرة، والصبر مع من يعترف به، وليس عجزاً ولا غفلة، ولا غباء كما يعتقد بعض، والأناةُ واجهة من واجهات الحلم، وهو تدبرُ الأمور، والنظرُ في مآلاتها وعواقبها، ثم التحركُ لعلاجها وفق ما تتطلبه عواقبها، من حسم، أو إغضاء. ولو كان الحلم إنساناً يمشي على قدميه، ما كان إلا محبوباً عند الناس كلهم، مرغوباً في مجالسته ومعاشرته؛ فلو لم يكن في الحلم إلا عواقبُه الحميدة، لكان محل إجماع على احتياج الناس إليه؛ فما بالك إذا كانت نتائجه وخصاله عديدة.

وأحق من يحتاج إلى الحِلم، الداعية في دعوته، فلا شك أنه يواجه المشكلات وتواجهه، ويصادف التحديات وتعترضه، فلا أمل في أن يتغلب عليها في جل أحواله إلا بالحلم والأناة؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشجّ عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»(1).

وكثيرٌ من المواقع التي يمارَس فيها التشنج، والغلظة، وعدمُ الأناة، وقلةُ الصبر، تراجعت فيها الدعوة، وهانت فيها كلمة الحق؛ لأن النفوس التي تحملها لم تَتربَّ على هذا الخلق الرفيع، وقد لا تعرف إلا التشدد مسلكاً، والتيئيس شعاراً، والتعنت أسلوباً، والإعجابَ برأيها منهجاً متبعاً، لذلك ترى مثل هذه النفوس الهزائمَ انتصاراً، والانتكاسات تقدماً، فانقلبت حقيقة الدعوة إلى سوق من البغضاء، والفرقة، والجدال حول أمور ما وُضعت مواضعهاالحقة لتظهر نصاعتها وأحقيتها، مع العلم أن الرفق، من أعظم الأعمدة التي بنى عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته، ووصل به إلى الانتصارات الباهرة في فتح مغاليق النفوس، قبل الانتصار على أعداء هذا الدين. قال ـ تعالى ـ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

فانظر إلى تقرير القرآن أن خُلُق اللِّين والحِلم، هبة ورحمة من الله لعباده، وأن خلق الفظاظة والغلظة، ينفِّر الناس، ويبعدهم عن الداعية، ويفرقهم من حوله. فما أحوجنا أن نحذو حذو المواقف النبوية في تطبيقات هذا الخُلُق الفريد. عن أنس بن مالك قال: «كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظـرت صفحة عاتـق النـبي -صلى الله عليه وسلم- قـد أثـرت بـه حـاشية الرداء مـن شـدة جبـذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عنـدك! فالتـفت إليـه رسـول الله -صلى الله عليه &#