| |
د.
إبراهيم بن ناصر
الناصر
|
كشفت أحداث الحملة
الأمريكية على العراق عن دروس كثيرة، وذكَّرت بعبر عظيمة يحسن بنا الوقوف عندها
وتدارسها ومعرفة الرؤى الصحيحة؛ لنتخذ المواقف الشرعية المناسبة لخدمة الدعوة
وحفظ الأمة ونصرة الدين، ومن ذلك:
أولاً: عدم التسرع
والعجلة في أيام الفتن، ولزوم التؤدة في جميع الأمور، وضبط ردود الأفعال:
فالتؤدة خير كلها إلا في
أمور الآخرة، وتتأكد في أوقات الفتن والهرج والحوادث الكبيرة، ومن التؤدة
استشارة الناصحين من الدعاة والعقلاء وأهل العلم، وعدم التفرد بالرأي في اتخاذ
المواقف العلمية أو العملية، وأن يُستشار مَنْ يجمع بين العلم الشرعي وبين
البصيرة في أحوال الزمان، مع قوة الديانة ما أمكن، مع العلم أن التؤدة لا
تتعارض مع ضرورة اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب.
ومن الميادين التي يحصل
فيها التعجل:
1 - أحاديث الفتن
والملاحم فهي جزء من ميراث النبوة ـ ما صح منها ـ، ومن العلم الذي يتعبد المسلم
به ربه تعلماً وتعليماً في كل وقت، يقوي به إيمانه ويحسن به الظن بربه، ولا
يسوغ تحذير الناس من هذا العلم بسبب ردة فعل من بعض الجهلة الذين يسلكون طريقة
غير شرعية في التعامل مع هذا العلم وفهمه. وترويج مصطلح «التعلق بالغيبيات» لا
يسوغ إلا ببيان المقصود منه بياناً واضحاً؛ وهو التحذير من ترك العمـل تعلقاً
بما فـي الغيب، وبيان أنــه لا يجوز تنزيل أحاديث الفتن والملاحم على وقائع
معينة أو أشخاص بأعيانهم مثل (المهدي، القحطاني، السفياني،...)؛ قبل أن يتحقق
من العلامات والأوصاف والأحوال التي جاءت في الأحاديث ما يقطع ـ أو يغلب على
الظن ـ بأنها هي المقصودة، مع الحذر من ترويج الأحاديث الموضوعة والضعيفة في
هذا الباب إلا للتحذير منها؛ فمصنفات هذا العلم أحد أودية الوضع كما ذكر
علماؤنا.
2 - الرؤى والمنامات،
وتأثر المواقف بها، فضلاً عن انطلاقها منها، فالحذر من مكر الشيطان في هذا
الباب؛ فالرؤيا للمؤمن مبشِّرة وليست حاكمة على مواقفه.
3 - اتخاذ المواقف بناءً
على حوادث جزئية، أو مقدمات الأحداث الكبيرة، أو التهويلات الإعلامية؛ فهالة
أمريكا العسكرية والإعلامية جعلت أكثر أهل الأرض يقطعون بأن الحملة على العراق
ستنجح بالوقت والكيفية التي تروِّجها أمريكا، حيث ستحصل انتفاضة للشعب العراقي
وتحسم المعركة خلال يومين، وعندما أبدت العراق مقاومة باسلة في البداية وأعاقت
التقدم الأمريكي؛ ذهب الكثير إلى أن أمريكا ستندحر في المعركة! وهكذا.
ثانياً: وفي ظل الحوادث
الكبرى ينبغي التشديد في أخذ الحيطة والحذر من أمور:
1 - الأمن من مكر الله؛
بترك الدعوة إلى الله وعدم تربية الناس على الإيمان، وترك الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومحاربة الفساد وعدم إقامة الحجة على الناس حكاماً ومحكومين،
وترك تحذيرهم من الوقوع فيما يضاد التوحيد من مظاهرة الكفار ومناصرتهم، قال
الله ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ
وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، وقال: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ
تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25].
2 - مكر الزنادقة
والمنافقين ومرضى القلوب في الداخل، والذين يظهرون في أوقات الفتن وينتهزون شغل
الناس بالمحن لتنفيذ مخططاتهم الفاسدة في مجتمعات المسلمين، ويتقوون بموقف
الكفرة الأمريكان الغاضب على كل ما هو إسلامي؛ فيُحَذَّر منهم، وتُفضَح
مخططاتهم بين المسلمين، وتلبيسهم على المؤمنين، فهم إخوان للعدو الصليبي. قال
الله ـ تعالى ـ: {أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ
لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ
لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإن قُوتِلْتُمْ
لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر: 11]. وقال
ـ تعالى ـ: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4].
3 - ترك مناصحة
السمَّاعين للمنافقين الذين تجري على ألسنتهم شبهاتهم، ويرددون مصطلحاتهم،
ويحسنون الظن بهم؛ باسم الوحدة الوطنية، واحترام الرأي الآخر، والمصير المشترك،
والــسِّلم الاجتماعــي، والحــوار مع الآخـر. قال الله ـ تعالى ـ: {وَفِيكُمْ
سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].
ثالثاً: دعوة العامة
وغيرهم إلى الأخذ بأسباب النجاة، ومن ذلك:
1 - الدعاء والتضرع إلى
الله برفع البأس واستنزال النصر، قال ـ تعالى ـ: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم
بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]، ويُؤكد ذلك مع الضعفاء
والشيوخ الكبار من الصالحين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا
بضعفائكم؟»(1).
2 - كثرة العبادة خاصة
في أوقات الفتن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل
المظلم»(2). الحديث.
وقال صلى الله عليه وسلم : «العبادة في
الهَرْج كهجرة إليَّ»(3)، وعند أحمد: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ»(4)،
والمعنى أن الناس زمن الفتنة يتبعون أهواءهم كأهل الجاهلية؛ فمن استمسك بدينه
وعبدَََ ربَّه كان بمنزلة من هاجـر من أهل الجاهلية إلى رســول الله صلى
الله عليه وسلم ، أو
المعنى أن الناس ينشغلون في الفتنة عن العبادة، فرغَّب النبي صلى الله
عليه وسلم في العبادة وقت
انشغال الناس وإعراضهم عنها.
رابعاً: هل كانت الحرب
حرب مصالح أم حرباً صليبية؟ وما حجم البعد الديني فيها؟
هذه الحرب يسوغ أن نطلق
عليها أنها «حرب صليبية»، وهذا المصطلح للحرب أقر به السياسيون الغربيون فضلاً
عن رجال الدين، وتحت لافتة «الحرب الصليبية» تدخل أبعاد كثيرة؛ منها البعد
الديني، والبعد الحضاري، والبعد العنصري، والبعد الاقتصادي (المصالح). صحيح
أنها ليست حرباً دينية بمفهوم الحروب الدينية التي عاشتها أوروبا في العصور
الوسطى، لكنها «حرب صليبية» بمفهوم حروبهم للمسلمين التي أطلقوا عليها «الحروب
الصليبية» في نهاية القرن الخامس الهجري، والتي دخلت فيها الأبعاد المذكورة
جميعاً؛ فالصليب لدى الغربيين اليوم يمثل انتماء وهوية حضارية أكثر من أن يمثل
التزاماً دينياً. أما البعد الديني في هذا الصراع فله خمسة مظاهر:
الأول: أحد مكونات بيئة
القرار الأمريكي الخارجي هو البعد الديني لدى الإنجيليين الصهاينة المؤثرين في
ذلك القرار.
والمظهر الثاني: الخلفية
الدينية لدى الرئيس بوش، فهو تلميذ مخلص للقسيس المتشدد بيلي جراهام، وعضو في
طائفة «الميثوديت» التي تمثل التحالف الصهيوني المسيحي، والذين يؤمنون بفكرة
هدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل، وأن المسيح لن يظهر ما دام المسجد الأقصى
قائماً، وأن إسرائيل مشروع إلهي لا بد أن يسيطر، ويرى أنه يخوض حرباً تحت شعار
«عودة المسيح»، وأن الإسلام «دجل ديني».
والمظهر الثالث: احتلت
العراق مساحة كبيرة في العقل الديني للمسيحيين الإنجيليين، فكتب طائفة «الميثوديت»
حافلة بالحديث عن العراق، وأن المسيح إذا خرج لا بد أن يحيط به الذهب النقي
الخالص الذي يكون في دولة مسلمة قريبة من أورشليم، وأن هذه الخصائص تنطبق على
العراق، ويعتقدون أن جبل الذهب ما زال موجوداً داخل العراق، وإن لم يُكتشف بعد،
كما أن بابل وملكها الذي سيدمر إسرائيل مرة أخرى هي إحدى نبوءات كتبهم.
والمظهر الرابع: مطالبة
الرئيس الأمريكي للكونجرس بأن يصدر بياناً يطالب فيه الأمريكيين بتقديم الصلوات
لصالح الجيش الأمريكي في العراق، وفتاوى حاخامات اليهود في إسرائيل للجنود
اليهود الأمريكيين والبريطانيين بإقامة صلواتهم في خيامهم غرب نهر الفرات؛
بناءً على أنهم في أرض إسرائيل الكبرى.
والمظهــر الخامس: أن
أحــــد أبـرز المستهــدفين بهذه الحروب هم أهل الدعوة والجهاد، وبيئات
المسلمين الدينية والدعوية والجهادية.
صحيح أن الدول المشاركة
في الحرب هي الدول البروتستانتية (أمريكا، بريطانيا، أستراليا)، فقط لكن الدول
الكاثوليكية متعاطفة معهم، ومن خالفهم قبل الحرب بدأ يتعاطف معهم بعد الحرب، ثم
لا ننسى الدور الإسرائيلي في هذه الحرب، فإسرائيل في قلب الحدث تخطيطاً
وإعداداً ومشاركة، ولذا يمكن أن نصف هذه الحرب بوصف أدق، وهو أنها «صليبية
صهيونية».
خامساً: سنة الابتلاء
والتمحيص للمؤمنين، وسنة الإملاء والإمهال للكافرين:
فكل فتنة تقع بين المسلمين
والكافرين هي مقتضى هاتين السُّنتين، قال ـ تعالى ـ: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 141]، فمحق الكافرين
يسبقه تمحيص المؤمنين، قال ـ تعالى ـ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ
لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ()187 مَا كَانَ اللَّهُ
لِيَذَرَ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ
الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}
[آل عمران: 178 - 179].
فالمسلمون في مواجهة
الفتن يكونون تحت الابتلاء والتمحيص؛ لأن المسلمين اليوم فيهم الصادق والكاذب،
والمؤمن والمنافق؛ وفيهم دعاة الإصلاح ودعاة الفساد، وفيهم قوي الإيمان وضعيفه،
وفيهم من تعصف به الأفكار والعصبيات والانتماءات الجاهلية؛ فتأتي الأحداث
للتمييز والفرز؛ بحيث يظهر الصالح من الطالح، والأصيل من الرديء، ومريدو الآخرة
من مريدي الدنيا. والابتلاء والاختبار يقع على ما في القلوب، وعلى ما تتلفظ به
الألسنة، وما تفعله الجوارح، وما يُتخذ من مواقف؛ لتتضح مواقف الصدع بالحق من
مواقف المداهنة، ومواقف البراءة من الشرك وأهله من مواقف الركون إليهم
ومظاهرتهم.
سادساً: انكشاف أمريكا
من أهم دروس الحوادث تلك، وأبرز ما ظهر في مجالين:
1 - المجال الإعلامي:
وكيف أن أمريكا تُسَخِّر آلتها الإعلامية في التضليل، وإصرارها على ذلك على
الرغم من وعي الكثيرين به. كذلك المؤسسات الإعلامية الأمريكية ـ وهي غير حكومية
ـ تتحالف مع حكومتها في هذا التضليل، والذي يقع معظمه على الشعب الأمريكي خاصة
والشعوب الغربية عامة؛ فاحتراف الكذب والتضليل بالحجم الذي تُظهره هذه الحوادث
يكشف جانباً من أخلاقيات هذه الحضارة، والذي وصل إلى ضرب الصحفيين غير
الأمريكيين وقتلهم عندما اقتضى الأمر ذلك؛ من أجل التعتيم الإعلامي؛ ضاربة بذلك
الأعراف والأخلاقيات والمعاهدات التي تمنع ذلك.
2 - المجال الأخلاقي:
حيث تختفي كثير من القيم التي تدعيها الحضارة الغربية؛ فتأييد بوش في حربه
الظالمة على العراق يزداد داخل الشعب الأمريكي بعد رؤيتهم للدمار في العراق؛
وهذه مأساة أخلاقية لدى هذا الشعب. ثم قتل المدنيين من النساء والأطفال
والاستهانة بدمائهم، وتدمير المنشآت المدنية، واحتقار الآخرين، والاستهتار بهم؛
فالأسرى العراقيون، وقبلهم أسرى جوانتانامو، يجوز إظهارهم على وسائل الإعلام
وهم في منتهى المهانة، أما الأسرى الأمريكان والبريطانيون فلا يجوز؛ لأنه يخالف
«اتفاقية جنيف» في شأن الأسرى!! موقف عنصري بغيض، فهم يرون أن الفرق بين
المسلمين وبينهم كالفرق بين 002 دولار التي دفعتها أمريكا دية لكل فرد قُتل
جراء قصف أمريكا الخاطئ لحفل زفاف إبان حملتها على أفغانستان، وبين 01 ملايين
دولار التي دفعت لكل واحد من قتلاهم في حادثة لوكربي، وهذا يدل على «سقوط
أخلاقي» مروِّع، بل هو انكشاف لحقيقة هؤلاء الأخلاقية، وانهيار في أخلاقيات هذه
الحضارة؛ مما يتيح فرصة تربوية لأجيال المسلمين في تخفيف شعور الإعجاب
والانبهار بهؤلاء القوم وحضارتهم.
سابعاً: كشفت الحوادث
وجود تباين في المواقف بين الأنظمة والشعوب وبين القادة والقواعد.
ففي الوقت الذي نرى
قطاعات من الشعوب الإسلامية تنهض مناصرة للقضية العراقية، ويتدفق المتطوعون
لدعم الشعب العراقي؛ نجد أن أغلب الأنظمة في البلاد الإسلامية والعربية مشاركة
أو متحالفة أو ساكتة عما يحدث للمسلمين في العراق؛ خاصة بعدما بانت وحشية الحرب
واستهتار الأمريكان والبريطانيين بدماء الشعب العراقي، ووضوح دور (إسرائيل) في
الحرب؛ مما يؤكد أن هذه الأنظمة تتحمل مسؤولية أكبر عن حال ضعف المسلمين، وفي
كلٍّ ضعف؛ لكن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن؛ فالكثير من أفراد الشعوب
الإسلامية والعربية يبادرون إلى الجهاد في سبيل الله عندما يوجد ميدان معركة،
وعندما تجري انتخابات حرة يصوتون لرافعي شعار الإسلام، وعندما يجري استفتاء حول
تطبيق الشريعة يفتون لصالحها؛ لكن بيئة الحكام وملئهم في البلاد الإسلامية تقف
حجر عثرة أمام هذه المبادرات الإيجابية من الشعوب، فأزمة الأمة في القيادة تظهر
في طائفتين:
1 - القيادات السياسية
الخائرة، والتي لم تعد تملك قرارها، وحسمت أمرها في الانسجام مع أمريكا، وقبول
هيمنتها على حساب دينها وسيادتها وشعوبها.
2 - القيادات الدعوية
والعلمية الحائرة، والتي لم تستطع أن تواكب تطلعات قواعدها وتلاميذها،
والمترددة في مواقفها.
ثامناً: التاريخ يعيد
نفسه، ويجسد سننه ودروسه، والغافلون يكررون المأساة ولا يلتفتون للعظات
والآيات:
وذلك بتكرار ما حدث في
التاريخ الماضي وكثر في التاريخ المعاصر؛ وهو وقوف بعض المسلمين في خندق واحد
مع الكفرة الأعداء ضد مسلمين آخرين، حدث هذا أيام الصليبيين في بلاد الشام،
وحدث مع ملوك الطوائف بالأندلس، وحدث أيام الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين
في العصر الحديث، وحدث أثناء الحملة الأمريكية الأخيرة على أفغانستان، ويتكرر
المشهد اليوم فيما يجري من أحداث على الساحة العراقية بوقوف بعض دول الجوار
للعراق في خندق واحد مع الأمريكان المعتدين، والتاريخ ينبئ عن نهاية غير كريمة
للذين يضعون أنفسهم مطية للكافر، فضلاً عن سبَّة التاريخ، ومذمة الأجيال،
وعقوبات الله العاجلة والآجلة.
تاسعاً: {وَكَذَلِكَ
نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:
129]:
ومعنى الآية أن الله ـ
سبحانه وتعالى ـ يُسَلِّط بعض الظالمين على بعض، ويهلك بعضهم ببعض، وينتقم من
بعضهم ببعض جزاءً على ظلمهم وبغيهم؛ فطغاة بغداد ظلموا وبغوا على شعوبهم
المسلمة، وعلى جيرانهم من المسلمين؛ فسلَّط الله عليهم من هو أقوى وأظلم، وفي
الأثر: «عقوبتان معجلتان: العقوق والبغي»، والله ـ تعالى ـ ينتصر للمظلوم من
الظالم بتسليط بعض عباده على ذلك الظالم ولو كانوا كفاراً، وقد قيل:
وما من يد إلا يد الله
فوقها
ولا ظالم إلا سيُبلى
بأظلم
وهذا درس أشبه بالسُّنة
الثابتة، ونوجهه إلى طائفتين:
1 - إلى الحكام الظالمين
لشعوبهم؛ أن الله لهم بالمرصاد، وأن الظلم عاقبته وخيمة، وعقوبته معجلة، وأن
الذي يعين الظالم على ظلمه ظالم مثله ومستحق للعقوبة.
2- ثم نوجهه درساً
للشعوب المسلمة عامة وشعب العراق خاصة؛ للعودة إلى الله وترك الذنوب والمعاصي،
ونبذ الانتماءات والولاءات غير الشرعية؛ فما نزلت عقوبة إلا بذنب، ولا رُفعت
إلا بتوبة، وأن الشعب العراقي ـ الذي كان موضعاً لظلم حكامه، ثم ضحية لعدوان
الأمريكان الظالم في مرات عديدة ـ يجب عليه أن يتذكر قول الله ـ تعالى ـ: {أَوَ
لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، إن هذا الشعب جدير
بالنصر إذا صدق مع الله؛ فتاريخه مجيد في بناء حضارة الإسلام، وحاضره مشرف في
مقاومة المحتلين.
عاشراً: هذه الحرب إذا
حققت أهدافها العــاجلة؛ فسوف ننتظر أهدافاً آجلة تسعى إليها القوى المنتصرة
خاصة أمريكا وإسرائيل:
وأخطرها هدفان رئيسان:
- التغريب الذي ستقوم
عليه الولايات المتحدة الأمريكية.
- والتطبيع الذي ستقوم
عليه إسرائيل.
ولن يتحقق هذان الهدفان
إلا بمحاولة إزالة العوائق من طريقهما، والعائق الرئيس هم أهل العلم والديانة،
أو هو الدين بذاته، وإزالته تكون بعلمنة المجتمع وتغريبه، وتحريف ثوابت الدين،
ومراجعة المواقف، لطرح نموذج محرف للإسلام يتواءم مع رياح التغريب والتطبيع بما
يسمى لدى الغرب بـ (الإسلام المعتدل)، ويسميه البعض بـ (الإسلام الأمريكي).
وسوف ينشط تيار النفاق في توطين هذا النموذج من خلال الاستقواء بالموقف الغربي
واليهودي، ومن خلال تمكين الحكام لهم من وسائل التوجيه والإعلام، ومن خلال
استثمار مواقف بعض مرضى القلوب ممن كان ينتمي إلى الدعوة والعلم في يوم من
الأيام، ومن خلال كلام رخو لبعض الدعاة في هذا الزمان.
حادي عشر: غياب معاني
القرآن الكريم عند الحوادث:
فحكم تولي الكفار
ومظاهرتهم ومناصرتهم على المسلمين من أوضح المسائل وأجلاها في القرآن، وقد أجمع
أهل العلم على حرمتها، وهي من الوضوح لدرجة أن تجد من صبيان المسلمين مَنْ
يحفظها، ولأهميتها كانت هذه المسألة إحدى أهم المسائل التي قامت عليها الدعوة
الإصلاحية في الجزيرة العربية، وقد اعتبرها إمام هذه الدعوة إحدى المكفرات؛ ومع
هذا كله عند الحوادث تغيب هذه المعاني حتى عن بعض أهل العلم؛ وصدق شيخ الإسلام
ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عندما قال: «الناس تغيب عنهم معاني القرآن عند
الحوادث»(1).
عايشنا هذا الموقف من
بعض المسلمين والمفتين في أحداث أفغانستان الأخيرة، ونشاهده الآن في أحــداث
العـراق كما قال ـ تعالى ـ: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ
عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}
[التوبة: 126]. إن الذهول عن هذه المعاني يحتاج إلى تعريف بها، وبعض الناس يعرف
إذا عُرِّف، لكن بعضهم يقع تحت تأثير الأهواء السياسية والمطامع الشخصية؛
فيحرِّف معاني كتاب الله عند حلــول الحــوادث، وغلبة الأهــواء، وتحكُّم
الســياسة بالـدين.
ثاني عشر: ليس بين الله
وبين أحد من خلقه نسب، ولا بينه وبين أحد معين من خلقه عهد:
فالمسلمون الذين يقفون
مع الظالم المجرم ويعينونه على الظلم والإجرام؛ ماذا ينتظرون؟ أليسوا ظالمين
مثله.. والله توعد الظالم بالأخذ الشديد؟ قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله ليملي للظالم حتى إذا
أخذه لم يفلته»(2)، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إذَا أَخَذَ الْقُرَى
وَهِيَ ظَالِـمَةٌ إنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، عندما يعان
المجرم (أمريكا) على تدمير بلد مسلم، وتقتيل وتشريد شعب مسلم في أفغانستان، ثم
يتكرر الموقف مع هذا المجرم، فيعان على تدمير بلد آخر وتقتيل شعب مسلم آخر في
العراق؛ ماذا ينتظر هؤلاء الراكنون إلى الظالمين؟ هل اتخذوا عند الله عهداً أن
يحفظ لهم أمنهم ورغد عيشهم من أجل أن يعينوا بها الكفرة على قتل المسلمين
وتدميرهم؟ حاشا الله الحَـكَم العدل من ذلك؛ فليحذر أولئك العقوبات الأخروية
الآجلة، والابتلاءات الدنيوية العاجلة؛ فالظلم عاقبته وخيمة، وليحذر أهل العلم
والدعوة والرأي في الأمة من السكوت على ذلك وعدم الإنكار؛ فالله ـ تعالى ـ
يقول: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ
خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].
ثالث عشر: (إسرائيل) في
قلب الحدث:
فالمعلومات المثيرة التي
تنشر عن دور غلاة اليهود في أمريكا في إعداد مشروع الحرب وصياغة أهدافه، ودور
إسرائيل في الإعداد لها وفي المشاركة فيها بأساليب مختلفة، فضلاً عما بقي طي
الكتمان ولم يُنشر؛ يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك علاقة الحرب باليهود
وبمشروعاتهم في المنطقة، والتي لُخصت بثلاثة أهداف:
الأول: رئيس أركان
المؤسسة العسكرية الإسرائيلية (موشيه يعلون) يعلن بأن الانتصار يسرب الشعور
بالعجز والهزيمة لدى العرب عامة والفلسطينيين خاصة؛ ممـــا يجعــل مـن العام
الحالي عام الحسم ضد الانتفاضة.
والثاني: أورده (شفتاي
شفيط) رئيس الموساد الأسبق الذي توقع أن يسود العالم العربي بعد الحرب مناخ
ثقافي مغاير يعطي للجناح الداعي إلى التطبيع مع (إسرائيل) قوة دفع جديدة.
والثالث: صرح به (داني
جيلرمان) رئيس اتحاد الغرف التجارية في (إسرائيل) بأن النصر سيجلب العديد من
الفوائد الاقتصادية لـ (إسرائيل)، وهي حصولها على نفط رخيص من العراق، وتراجع
المخاطر الأمنية التي تهدد (إسرائيل)؛ مما سيؤدي إلى تقليص النفقات الأمنية، ثم
فتح السوق العراقي للبضائع الإسرائيلية.
ونحن المسلمين إزاء هذه
الحقائق المذهلة نؤكد أمرين:
1 - أن هذه حرب أوقد
نارها اليهود والمسيحيون المتهودون في أمريكا، والصهاينة في (إسرائيل)، ووعدوا
شعوبهم بالنصر فيها، والله ـ سبحانه وتعالى ـ توعدهم بقوله: {كُلَّمَا
أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْـحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64]؛ لذا يجب
أن نحسن الظن بربنا، ونثق بوعده لنا، وأن نارهم سيطفئها الله؛ بالحيلولة دون
تحقيق أهداف الانتصار بعد الحرب، أو دفع ثمن باهظ لا يكافئ الأهداف، أو بأي
صورة أخرى قد لا ندركها الآن، والمهم أن نستيقن أن وعد الله محقق في الحال أو
في المآل.
2 - أن مآل اليهود
القريب بين تهديدَيْن: فإما أن ينتصر اليهود في هذه المعركة نصراً يمكنهم من
تحقيق أهدافهم؛ ومن هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل؛ ومن ثم تحقيق العلو الثاني
الكبير لهم والإفساد الثاني في الأرض، قال الله ـ تعالى ـ: {وَقَضَيْنَا إلَى
بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ
وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4]، وإذا تحقق هذا الأمر لهم فسيقع
عليهم قضاء الله الموعود لهم: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا
وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْـمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 7]. وإما أن لا يتحقق لهم
ذلك فتُدخل آثار الحرب ونتائجها الولايات المتحدة في وضع يشجع الشعب الأمريكي
على فتح ملف اليهود ودورهم في توريط أمريكا في مشكلات دولية وأزمات عالمية؛ مما
يؤدي إلى موقف مستقبلي رافض لليهود ولدورهم في أمريكا والعالم، وهناك إرهاصات
مبشرة في هذا الاتجاه.
رابع عشر: حال الأمة
المسلمة وسبيل النهوض بها:
قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : «يوشك
الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن
يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل»(1).
فحال الحكومات العربية
في مؤتمر القمة العربي، ومؤتمر وزراء الخارجية العرب، وحال الحكومات الإسلامية
في مؤتمر القمة للدول الإسلامية، والتي انعقدت لمناقشة الأزمة العراقية؛ يُجسد
حالة الغثاء تلك، وحال التشرذم والخداع والهوان، وهذه حال مرت على الأمة في
تاريخها السابق، ودفعت ثمنه غالياً، ولعل من أحلك فترات ذلك التاريخ الذي ينبغي
أن يعتبر به هو غزو التتار للعالم الإسلامي، وتدمير بغداد؛ فما أشبه الليلة
بالبارحة؛ إلا أن تتار اليوم قدموا من الغرب وليس الشرق، وحكام بغداد طغاة
وليسوا خلفاء.
والعبرة من هذه الحادثة
التاريخية هو الاعتبار بالأسباب، فأسباب سقوط بغداد سابقاً هي الأسباب نفسها
لاحقاً، ففي الحالين هناك أعداء كفرة متربصون في الخارج، ومنافقون خائنون في
الداخل، وفي سدة الحكم رؤساء غير جديرين بالقيادة مع الفارق بين خلفاء الأمس
وطغاة اليوم، ثم كيف احتوت الأمة آثار هذه الكارثة، ويظهر هذا في ثلاثة أمور:
1 - أن الإعصار التتري
المدمر لم يوقفه إلا الجهاد في سبيل الله، والذي نهضت به الأمة معتبرة بما حصل
في بغداد؛ ح& |