موتوا بغيظكم يا عباد الصليب

 

عبد العزيز بن ناصر الجُلَيّل

لحمد الله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً.

فالإسلام دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه اهتدى المهتدون وإليه دعا الأنبياء والمرسلون {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83]، فلا يقبل من أحد ديناً سواه من الأولين والآخرين، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

وحكم ـ سبحانه ـ بأنه أحسن الأديان، ولا أحسن من حكمه ولا أصـدق منـه قـيلاً، فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} [النساء: 125].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه وخيرته من بريته، وأمينه على وحيه، الذي بشرت به الكتب السالفة، وأخبرت به الرسل الماضية، وجرى ذكره في الأعصار وفي القرى والأمصار والأمم الخالية، وضربت لنبوته البشائر من عهد آدم أبي البشر، إلى عهد المسيح ابن البشر.

رضي المسلمون بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، ورضي المخذولون بالصليب والوثن إلهاً، وبالتثليث والكفر ديناً، وبسبيل الضلال والغضب سبيلاً؛ أما بعد:

فإن من بعض حقوق الله على عبده: رد الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان(1).

وإن ما تفوَّه به عابد الصليب وإمام الكفر ورئيسه في (الفـاتيـكان) من الشتم والنقائض في حق رسولنا الكريم وديننا الحنيف لم يكـن هو الأول من نوعه، وليس غريباً أن يخرج من أفواههم النجسة مثل هذا الكلام؛ لأنه وأمثاله قد مُلِئوا كفراً وحـقـداً؛ وكـل إنـاء بما فيـه ينـضح. ومـثل هـذا الكفر المتجدد إنما هو زيـادة في الكـفر على كفرهم وإملاء من الله ـ عز وجل ـ لهـم حتـى يسـرعوا إلى الأجـل الذي قدره الله لهم ليقصمهم فـيه ويمـحقـهـم. قـال الله ـ عـز وجل ـ: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178].

وليس الغرض من هذه الكتابة الرد على ما تفوَّه به إمام الكفر ومرجع النصرانية الوثنية في العالم اليوم؛ فقد كفانا الرد على شبهاتهم أئمة الإسلام في القديم والحديث كشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه العظيم (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) وتلميذه الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه النفيس (هداية الحيارى). هذا لو كان ما قاله رئيس الكفر ناشئاً عن جهل بالإسلام ورسول الإسلام، أما وإنه يعرف حقيقة الإسلام وحقيقة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما يعرف أبناءه وما صده عن ذلك وجعله يقول ما قاله من تخرصاته إلا العناد والاستكبار؛ فإن مثل هذا لا يستحق الرد ولا الالتفات وإنما الله ـ عز وجل ـ هو الذي يتولى الرد على هذا وأمثاله بما يشاء: {إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍٍ} [الحج: 38]

ü المقصود من هذه المقالة:

وإنما المقصود من هذه الكتابة مخاطبة إخواني المسلمين الموحدين بتوظيف هذا الحدث في التركيز والتأكيد على بعض المسائل والأصول المهمة التي يسعى أعداء هذا الدين من الكفرة والمنافقين في توهينها والتشويش عليها لعلمهم بأنها هي التي تحفظ للمسلمين كيانهم وعقيدتهم وأخلاقهم.

ويمكن الحديث عن هذه المسائل المهمة في ظل هذه الهجمة الشرسة من أئمة الكفر على ديننا حسب الوقفات التالية:

ü الوقفة الأولى: النظر إلى هذه الأحداث في ضوء السنن الإلهية:

يقول الله ـ تعالى ـ: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137].

ويقول ـ سبحانه ـ: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

والآيات من كتاب الله ـ عز وجل ـ في الحث على النظر في السنن الربانية كثيرة جداً وبخاصة عند التقديم والتعقيب على قصص الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مع أقوامهم. إنه من الواجب على دعاة الحق والمجاهدين في سبيل الله أن يقفوا طويلاً مع كتاب الله ـ عز وجل ـ وما تضمن من الهدى والنور؛ ومن ذلك ما تضمنه من السنن الربانية المستوحاة من دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن في معرفتها والسير على هداها أخذاً بأسباب النصر والتمكين والفلاح، ونجاة مما وقع فيه الآخرون من تخبط وشقاء، وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة، وحرمان التوفيق في النظر الصحيح للأحداث والمواقف. وليس المقصود هنا التفصيل في موضوع السنن الربانية فهذا له مقام آخر، وإنما المقصود هو الاستضاءة بهذه السنن في الوصول إلى الموقف الحق الذي نحسب أنه يرضي الله عز وجل؛ وذلك في الأحداث الساخنة التي تدور رحاها اليوم في حرب الإسلام وأهله.

وأكتفي بذكر سُنَّة واحدة من سنن الله ـ تعالى ـ تتناسب وهذا الحدث الذي نحن بصدده. وبفهم هذه السُنَّة يزول الاستغراب مما يحدث ونتمكن من الفهم الصحيح لحقيقة هذه الهجمات المتتالية من أعداء الإسلام ودوافعها وحكمة الله ـ عز وجل ـ في إيجادها؛ لأن من أسمائه ـ سبحانه ـ: العليم الحكيم. ومن آثار هذين الاسمين الكريمين اليقين بأن أي شيء يحدث في خلقه ـ سبحانه ـ فإنما هو بعلم الله ـ تعالى ـ وإرادته وحكمته البالغة. وهذه السنَّة التي أعنيها هنا والتي هي مقتضى حكمته ـ سبحانه ـ وعلمه هي سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل:

يقول الله ـ عزَّ وجل ـ: {فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْـمُلْكَ وَالْـحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251].

ويقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ *} [الحج: 40].

في هاتين الآيتين أبلغ دليل على أن الصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة، والباطل وأهله من جهة أخرى؛ هذه سنــة إلهية لا تتخلف؛ ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك. وهذه المدافعة وهذا الصراع بين الحق والباطل إنْ هو إلا مقتضى علمه ـ سبحانه ـ وحكمته ورحمته ولطفه، وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين، ولذلـك خـتم الله ـ عز وجل ـ آية المدافعة في سورة البقرة، بقوله ـ سبحانه ـ: {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]، حيث لم يجعل الباطل وأهله ينفردون بالناس، بل قيض الله له الحق وأهله يدمغونه حتى يزهق؛ فالله ـ تعالى ـ يقول: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18].

إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون هذه السنَّة ـ أعني سُنَّة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد ـ إنهم يتنكَّبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ـ عزَّ وجل ـ الذي ارتضاه واختاره لهم، وإن الذين يُؤْثِرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله، إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل، وإيثار الحياة الدنيا.

والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صوراً متعددة:

فبيان الحق وإزالة الشُّبَه ورفع اللَّبْس عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة، وبيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة، والصبر والثبات على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة مدافعة، ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله ـ عز وجل ـ على رأس وذروة هذه المدافعات لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين ودينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

واليوم لم يعد خافياً على كل مسلم ما تتعرض له بلدان المسلمين قاطبة من غزو سافر وحرب شرسة على مختلف الأصعدة؛ وذلك من قِبَل أعدائها الكفرة، وأذنابهم المنافقين. فعلى الصعيد العسكري ترزح بعض بلدان المسلمين تحت الاحتلال العسكري لجيوش الكفرة المعتدين التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم كما هي الحال في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين وكشمير. وعلى صعيد الحرب على الدين والأخلاق والإعلام والتعليم والاقتصاد لم يسلم بلد من بلدان المسلمين من ذلك.

وقد تقرر عند أهل العلم أن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم، ويصبح واجباً على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن؛ فإن كان الغزو عسكرياً وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح، وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب والمجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها أقول: إذا كان الغزو من الكفار للمسلمين في عقر دارهم بهذه الوسائل والمعاول الخطيرة والتي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجباً عينياً على كل قادر من المسلمين كلٌّ بحسبه.

وحينما نربط هذه السُنَّة ومقتضى اسمائه الحسنى بهذه الأحداث التي تزامنت وتتالت وتشابهت قلوب أصحابها في الهجوم على دين الإسلام وأهله وبلدانه تتضح لنا هذه السُنَّة بجلاء؛ وحينئذ يرتفع الاستغراب مما يقوم به الكفار من هجوم وافتراء على دين الإسلام، ويشمِّر المسلم للدخول في الصراع ضد أعداء الله ـ تعالى ـ بما يستطيع من نفسه وماله ولسانه وقلمه. قال -صلى الله عليه وسلم-: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم» (رواه النسائي (3045) وصححه الألباني).

ü الوقفة الثانية: ذكر بعض الحِكَم والألطاف الإلهية المتجلية في هذه الأحداث

يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: «أسماؤه الحسنى تقتضي آثارها، وتستلزمها استلزام المقتضي المُوجب لمُوجبه ومُقتضاه، فلا بد من ظهور آثارها في الوجود؛ فإن من أسمائه: الخلاَّق المقتضي لوجود الخلق، ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق، وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو، وكذلك الرحمن الرحيم، وكذلك الحكم العدل، إلى سائر الأسماء، ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود، والوجود متضمن لخلقه وأمره، {أَلا لَهُ الْـخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره؛ فمصدر الخَلْق والأمر عن هذين الاسمين المتضمنين لهاتين الصفتين، ولهذا يقرن ـ سبحانه ـ بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر). (الصواعق المرسلة: 4/1564)

اذا تبين لنا هذا الأصل العظيم أيقنا أن ما يجري اليوم من كيد وافتراء وهجوم شرس من الكفار على دين الإسلام فإنما هو بعلم الله ـ تعالى ـ وإرادته: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنسِ وَالْـجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]، وأن له ـ سبحانه ـ الحِكَم البالغة في ذلك.

والمؤمنون يحسنون الظن بربهم ـ سبحانه ـ ويوقنون أن عاقبة هذه الأحداث التي يقدرها الله ـ عز وجل ـ هي خير ومصلحة ولطف بالموحدين إن شاء الله ـ تعالى ـ.

ومع أن المعركة مع الكفار لا زالت في بدايتها، ومع أنها موجعة وكريهة إلا أننا نلمس لطف الله ـ عز وجل ـ ورحمته في أعطافها.

وأقتصر على ثلاث من أهم هذه الألطاف والثمار العظيمة:

ü اللطيفة الأولى:

تلك اليقظة الشاملة بين المسلمين والوعي بحقيقة أعدائهم وما يكيدون به للإسلام وأهله. ومع أن هذا العداء والكيد من الكفار قد حذرنا الله ـ عز وجل ـ منه في كتابه الكريم إلا أن كثيراً من المسلمين وبحكم غفلتهم عن كـتاب ربـهم ـ سبحانه ـ تلاوة أو تدبراً لم يتعظوا بكلام ربهم ـ سبحانه ـ فنسوا حظاً مما ذُكِّروا به وغفلوا عن عدوهم. ولـذا فمن رحمته ـ سبحانه ـ أن يقدر أحداثاً مؤلمة للمسلمين لكنها تحمل في طياتها خيراً، ومن ذلك ـ كما أسلفت ـ يقظة المسلمين ورجوعهم إلى دينهم وتقوية عقيدة الولاء والبراء، وشحذ هممهم وعزائمهم لنصرة الدين والبراءة من أعدائهم وجهادهم باللسان والسنان. وهذا مكسب عظيم إذا قارناه بأحوال الأمة قبل ذلك وما كانت تعيشه من الغفلة والانخداع بما يزعمه الكفرة والمنافقون أنهم دعاة سلام وأمن وحرية.

والمتدبرون لكتاب الله ـ تعالى ـ وتاريخ الصراع بين الحق والباطل لم يكونوا بحاجة إلى إقناعهم بعداوة الكفار وكيدهم من خلال هذه الهجمات الأخيرة، بل إن هذه الهجمات زادتهم إيماناً ويقيناً لما حذرهم الله ـ عزَّ وجل ـ منه في كتابه الكريم. ومن هذه التحذيرات قوله ـ تعالى ـ: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقوله ـ عز وجل ـ: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

وقوله ـ سبحانه ـ: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْـمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105].

وقوله ـ سبحانه ـ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْـحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109].

وقال ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِـمِينَ} [المائدة: 51].

إذن فـلا غـرابـة إذا هـاجـمـوا دين الإسلام ورسول الإسلام -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا شأنهم وشنشنتهم في قديم الزمان وحديثه، وأعظم من ذلك وأشنع سبهم لله ـ عز وجل ـ وطعنهم في ربوبيته وألوهيته بنسبة الولد إليه وجعله شريكاً مع الله ـ عز وجل ـ في ربوبيته وألوهيته؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ولكن الملفت في هذه الهجمات المتأخرة تزامنها وتتابعها وتوزيع الأدوار بين رموز الكفر عندهم بمختلف توجهاتهم، السياسية، والدينية، والثقافية، والعسكرية.

والتصريح الذي صدر من رئيس الفاتيكان يأتي في سياق حملة عالمية وراءها اليهود والنصارى وأذنابهم من المنافقين على الإسلام والمسلمين بدأت في دوائر الثقافة والفكر والإعلام فيما سمي بصراع الحضارات، وما سمي بنهاية التاريخ، وعبر عنه المحافظون الجدد في أمريكا والأحزاب والأنظمة والشخصيات المتناغمة معهم في أوروبا وأستراليا، وأيضاً عبر عنه الإنجيليون وعبرت عنه التجمعات الماسونية المختلفة في العالم، ثم تحولت هذه الحملة المحمومة المسمومة الحاقدة إلى فعل سياسي واحتلال عسكري يمارس من خلال الجيوش الغربية، حين أعلن الطاغوت الأول «بوش» أنها حرب صليبية، واحتلت العراق وأفغانستان، وتهدد وتحاصر البلدان الإسلامية الأخرى وتمارس عليها الضغوط، ومن ذلك كلام بوش الأخير ووصفه للمسلمين بالفاشيين، وقبله كلام رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارة والإسلام، وبعده الرسوم المسيئة في الصحف الدانماركية؛ ثم ها نحن نرى الآن رئيس الفاتيكان يبارك هذه الجهود، ويعلن من كرسي البابوية انسياقه في هذه الحملة، وهذا يذكِّرنا بدور الباباوات في الحروب الصليبية السيئة الذكر، التي حفل بها تاريخ الغربيين.

إذن فإن يقظة المسلمين ووقوفهم على حقيقة أعدائهم وما يخططون من حروب صليبية بدأت طلائعها في بعض بلدان المسلمين. إن هذا من فوائد هذه الأحداث المرة والتي يجب على دعاة هذه الأمة وعلمائها توظيفها في شحن الهمم وتقوية عقيدة الولاء والبراء ودعوة كل قادر في هذه الأمة إلى مواجهة هذا الغزو الخطير على بلدان المسلمين عقدياً وعسكرياً، واستنفار المسلمين في جهاد الأعداء الغزاة باللسان والبيان والسنان.

ü اللطيفة الثانية:

فضح الدعوات التي يرفعها رموز المنافقين وبعض المهزومين من المسلمين التي تدعو إلى التعايش مع الآخر وترك تسميته بالكافر والقضاء على مشاعر الكراهية نحوه، بل الدعوة إلى محبته وموالاته!!

فها هو حقد الآخر وكيده وحربه؛ فماذا يقول دعاة (نحن والآخر)؟ وماذا يقوله رموز السلام الذين يريدون نزع الكراهية والبراءة من الكفار من صدور المسلمين؟ يقول كلينتون ـ الرئيس الأمريكي الأسبق ـ في تصريحات لشبكة (سي. إن. إن) الإخبارية: إن البابا ساهم من خلال هذه التصريحات في إضعاف تأثير رجال الدين الإسلامي المعتدلين الذين يحاولون «استعادة» راية دينهم من الإسلاميين المتعصبين، وقال أيضاً في برنامج (لاري كينج لايف) الحواري الشهير على الشبكة الأمريكية: «إن كل شخص منا يدلي بهذه التصريحات وخاصة إذا كان في منصب مرموق مثل البابا، يزيد من صعوبة مهمة المعتدلين في العالم الإسلامي».

إنهم يفتضحون وتتهاوى دعواتهم وبرامجهم، هذا عن المنافقين منهم. أما من انخدع بهذه الدعوات من جهلة المسلمين ومهزوميهم فأحسب أن الغفلة والتلبيس قد زالت عنهم وحل مكانهما الشعور بكراهية الكافر والبراءة منه ومن كفره، والاستعداد لجهاده ورد كيده وكفره. وهذه ثمرة عظيمة أفرزها هذا الهجوم السافر الظالم من رموز الكفار المحاربين لله ولرسوله: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}. [النساء: 19]

ü اللطيفة الثالثة:

السقوط الذريع لما يسمى بالدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها. ومع أن هذه الدعوة الخطيرة متهافتة وباطلة من أصلها بما تعرفه من استحالة اجتماع التوحيد مع الشرك حيث علَّمنا الله ـ عز وجل ـ أن لا وحدة ولا تقارب ولا تفاهم بين الإيمان والكفر وذلك في كتابه ـ سبحانه ـ حيث قال: {فَمَاذَا بَعْدَ الْـحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ} [يونس: 32] ويبين لنا ـ سبحانه ـ موقف الكفار مع انبيائهم الذين يدعونهم إلى التوحيد بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِـمِينَ} [إبراهيم: 13].

وقال ـ سبحانه ـ عن نبيه هود عليه ـ السلام ـ وهو يتحدى قومه الكفار: {إن نَّقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنظِرُونِ} [هود: 54 - 55].

ومع وضوح هذه الأدلة الدامغة إلا أنه وجد من المسلمين من انخدع بمثل هذه الدعوات، فراح يضيع عمره في اللهث وراءها. ولكن من رحمة الله ـ تعالى ـ ولطفه أن يقدر مثل هذه الأحداث التي تبين خبث القوم وكيدهم وغطرستهم مما كان له الأثر الكبير في استيقاظ المخدوعين من المسلمين على استحالة هذا التقارب وبطلانه من أصله.

ومن باب الفائدة في هذا المقام أحيل القارئ الكريم إلى فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في حكم الدعوة إلي وحدة الأديان وتقاربها وتحمل هذه الفتوى رقم (19042):

ü الوقفة الثالثة: {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} وفيها بيان أسباب تلك الحملة:

يعجب بعض المتابعين من الحملة المتزايدة على الإسلام من بعض الزعماء الدينيين والسياسيين النصارى في السنوات الأخيرة، ويتساءل بعضهم عن سر التوقيت والتزامن؛ فمن كلام بوش عن المسلمين الفاشيين، إلى كلام بابا الفاتيكان بندكت السادس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقبلها كلام رئيس الوزراء الإيطالي عن الحضارة الإسلامية، وبعده الرسوم المسيئة، وغير ذلك من حملات التشويه. ويتساءل البعض عن الأسباب الكامنة في هذه الحملات ولماذا في هذا الوقت بالذات؟ ولا شك أن هناك أسباباً لهذه الحملات في هذا الوقت بالذات من أهمها ما يلي:

السبب الأول: الانتشار الواسع لدين الإسلام في معاقل النصرانية:

والذي أقض مضاجعهم وملأ قلوبهم غيظاً وحقداً وحسداً على أهل الاسلام والتوحيد، ويمثل هذا الانتشار الواسع لدين الإسلام وكثرة المعتنقين له في المظاهر التالية:

أ ـ زيادة أعداد المساجد في دول الغرب والشرق:

ففي قلب أوروبا بدأت أعداد المساجد فيها تنافس أعداد الكنائس في باريس ولندن ومدريد وروما ونيويورك، وصوت الأذان الذي يُرفع كل يوم في تلك البلاد خمس مرات، خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة وأتباعاً جدداً. فقد أصبح للأذان من يلبيه في كل أنحاء الأرض، من طوكيو حتى نيويورك. وعند نيويورك ومساجدها نتوقف؛ ففي أوقات الأذان الخمسة ينطلق الأذان في نيويورك وحدها في مائة مسجد، وبلغ عدد المساجـد فـي الـولايـات المتحـدة الأمريكيـة ما يقرب (2000) مسجد والحمد الله، وترتفع في بريطانيا مآذن نحو (1000) مسجد، وتعلو سماء فرنسا وحدها مآذن (1554) مسجداً ولا تتسع للمصلين، وأما ألمانيا فتقدر المساجد وأماكن الصلاة فيها بـ (2200) مسجد ومصلى، وأما بلجيكا فيوجد فيها نحو (300) مسجد ومصلى، ووصل عدد المساجد والمصليات في هولندا إلى ما يزيد عن (400) مسجد، كما ترتفع في إيطاليا وحدها مآذن (130) مسجداً، أبرزها مسجد روما الكبير، وأما النمسا فيبلغ عدد المساجد فيها حــوالي (76) مسجداً. هذه فقط بعض الدول في أوروبا الغربية، عدا عن أوروبا الشرقية، والإقبال يزداد يوماً بعد يوم، ومن هذه المساجد يتحرك الإسلام وينطلق.

ب ـ تحذير الصحف الغربية من انتشار الإسلام:

فقد بدأت الصحف الغربية تطلق صيحات تحذير من انتشار واسع لدين الإسلام بين النصارى، ومن ذلك ما جاء في مقال نشر في مجلة (التايم) الأمريكية «وستشرق شمس الإسلام من جديد، ولكنها هذه المرة تعكـس كـل حقـائـق الجغـرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب».

مجلة (لودينا) الفرنسية قالت بعد دراسة قام بها متخصصون: «إن مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيعود النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي؛ لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة».

ج ـ انتشار بيع نسخ القرآن الكريم والكتب الإسلامية:

وذلك بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، التي كان لها آثار سيئة واسعة على النشاطات الإسلامية في الغرب وعلى دول الإسلام، إلا أنه مع ذلك ازداد في العالم الغربي الإقبال على التعرف على الإسلام بصورة غير متوقعة، وأصبحت نسخ القرآن الكريم المترجمة من أكثر الكتب مبيعاً في الأسواق الأمريكية والأوروبية حتى نفدت من المكتبات، لكثرة الإقبال على اقتنائها، وتسبب ذلك في دخول الكثير منهم في الإسلام، وفي ألمانيا وحدها بيعت خلال سنة واحد (40) ألف نسخة من كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية. كما أعادت دار نشر (لاروس) الفرنسية الشهيرة طباعة ترجمة معاني القرآن الكريم بعد نفادها من الأسواق.

د ـ تزايد أعداد الداخلين في الإسلام:

ففي عام 2001م نشرت صحيفة (نيويورك تايمز) مقالاً ذكرت فيه أن بعض الخبراء الأمريكيين يقدرون الذين يعتنقون الإسلام سنوياً بـ (25) ألف شخص، وأن عدد الذين يدخلون دين الله يومياً تضاعف أربع مرات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حسب تقديرات أوساط دينية. والمدهش أن أحد التقارير الأمريكية الذي نُشر قبل أربع سنوات ذكر أن عدد الداخلين في الإسلام بعد تلك الواقعة قد بلغ أكثر من ثلاثين ألف مسلم ومسلمة، وهذا ما أكده رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكي؛ إذ قال: «إن أكثر من (24) ألف أمريكي قد اعتنقوا الإسلام؛ وهو أعلى مستوى تحقق في الولايات المتحدة منذ أن دخلها الإسلام».