|
(1)
تمهيــد :
الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله
وصحبه.. أمــا بعـد:
فإن الله عز وجل خلق الخلق من الجـــن والإنس لـغــايــة عظيمة، وهي عبادته
سـبحانـه وتوحيده والإخلاص له وحده لا شريك له، قال تعالى: ((ومــــا خلقـت
الجن والإنـس إلا ليعبدون))[الذاريات: 56]، ومن أجل ذلك أنزل سبحانه الكتب
وأرســـل الـرســل، وزود عـبـــــاده بالعقول التي تميز الخير من الشر
والحق من الباطل، وتكفل سبحانه بالعــــون والتوفيق لمن أراد الهدى والحق
فدله إليه ورزقه الانقياد له، وتخلى عمن أعرض عن الحق فلم يقبل به، ولم
يستسلم ويخضع له، وكل هذا من الابتلاء الذي خلق الله سبحانه الموت
والحـيــاة من أجله، قال تعالى: ((الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم
أحسن عملاْ وهو العزيز الغفور))[الملك: 2].
وانقسم الناس إثر ذلك إلى مؤمنين موحدين مدركين للغاية التي من أجلها خلقوا،
فـصارت دوافعهم كلها في مرضاة الله سبحانه، وسخروا كل ما آتاهم الله في هذه
الدنيا لخدمـة هذه الغاية الـشـريـفــــة لـنـيـل مرضاة الله سبحانه وتعالى،
فعملوا للآخرة والفوز برضـوان الله والجنة، ومن الناس من أمـضـى حياته في
اللهو واللعب وإيثار الحياة الدنيا، وجـعـل هذه الدنيا همه وغايته واتبع
هواه، فخسر الدنيا والآخرة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
ثم إن الفئة المؤمنة لم تسلم كذلك من الفتن، وكيف لا يكون ذلك وعدوها
الشيطان الرجـيم متربص بها لا يفتأ يضلها ويزين لها ويخدعها؟ يقول الله عز
وجل عن إبليس اللعين: ((قــال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم
لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيـمـانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم
شاكرين))[الأعراف: 16، 17]، وقال تعالى: ((قال رب بما أغويتني لأزينن
لـهــم فـي الأرض ولأغـــوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين))[الحجر:
39، 40].
أحـابيل الشـيطان:
إن من أعظم الفتن التي يفتن الشيطان بها العباد، فتنة التزيين ولبس الحق
بالباطل واتباع الهوى في ذلك، ولـقـد وقع في هذا الشَرَك الخطير كثير من
الناس وبخاصة في زماننا هذا، حيث تموج الفتن موج البحر، وحيث كثر الخداع
والنفاق والدجل والرياء.
نعم إننا في زمان اشــتـدت فـيه غـربة الإسـلام، وضُلل كثير من الناس وتمكن
الشيطان من كثير منهم تمكناً يظـنـون معه أنهم بمنأى عن عدوهم الـلــــدود
وعلى صلة بربهم سبحانه وتعالى، وما ذلك إلا بسبب الـتـبــاس الحق بالباطل
والجهل بالعلم ولتعاون شياطين الجن والإنس ((يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول
غروراْ))[الأنعام: 112]، فتعاونوا في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال
مـزخـرفــة، وألفاظ من القول خادعة، وتسمية للأشـياء بـغـير أسـمائها فَضَلّ
بسبب ذلك كثير من الـنـاس، والعاقل منهم من وقف حائراً لا يدري أيــن
وجـهـة الحق فيما يسمع ويرى من التناقضات وتبرير الـمـواقـف الـخــاطئة
المخالفة للشريعة، بسبب استيلاء الهوى على النفوس واستيلاء الشهوات على
القلوب.
ولما كان من غــير المستــطاع المجاهرة برد الشريعة ورفضها، كان لابد لهم
من لـي أعـنـاق النصوص من آيات وأحـاديــــث ليستدل بها أولئك المبطلون على
المواقف المنحرفة وليست فيها دلالة عليها، ولو أن الذي يقع في الانحراف
يعترف بذنبه وخطئه وضعفه في مخالفة الـشـــريعة، لكان الأمر أهون، وكــذلك
لو أنه استدل بدليل في غير محله ولما نُبّـهَ إلى هذا الخطأ في الاستدلال
رجع واعترف لكان هذا أيضاً أهون، ولكن المصيبة أن يصر المسلم الذي حَرّفَ
الأدلة ولواها ليجد لعمله مَخْرَجَاً وشرعية، فيكابر بعد بيان الحق له،
ويغالط نفسه والمسلمين بصنيعه هذا.
منطلق هذه الوقفات:
إننا في زماننا هذا نرى صوراً كـثــيرة من لبس الحق بالباطل، وصوراً أخرى
من المغالطات والخداع والحيل المحرمة في شـــــرع الله عز وجل، فكان لزاماً
على الدعاة والمصلحين أن يـحــــذروا مــن الوقوع في هذا المزلق، وأن
يكشفوه للناس ولا يدَعُوهم لأهل الأهواء يلبسون عليهم ديـنـهـــــم ويحرفون
الكلم عن مواضعه، ومعلوم ما ينتج من وراء ذلك من الــفــتــن والتضليل.
من أجل ذلك جاءت هذه الوقفات التربوية في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا
الموضوع المهم على ضــــوء الكتاب والسنة وما ذكره العلماء الفحول، وقد
اخترت عنواناً لها قوله تعالى: ((ولا تلبسوا الحق بالباطل))، وهو جزء من
آيتين كريمتين وردت إحداهما في سورة البقرة عند قوله تعالى: ((ولا
تلـبســـوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)) [البقرة:42] والأخرى
في ســــورة آل عمران عند قوله تعالى: ((يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق
بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون))[آل عمران:71].
العبرة بعمـوم اللفـظ لا بخـصـوص السـبب:
وهاتان الآيتان وإن كـانـتـا قد نزلتا في أهل الكتاب فالعبرة بعموم اللفظ
لابخصوص السبب كما هو مقرر عند علماء الأصول، فكل من كتم الحق وخلطه
بالباطل وهو يعلم فهو من أهل هذه الآية، ولذلك ســـــوف لا أتطرق لمحاولات
أهل الكتاب ولا أصحاب الملل الكافرة في تلبيس الحق بالباطل
ومـغـالـطـاتـهـم في ذلك، بل سينصب جل البحث على واقعنا المسلم الذي نعيش
فيه وندعو إلى الله فـيـــه، محاولاً كشف بعض الصور التي التبس فيها الحق
بـالـبـاطــل والتي يقع فيها بعض المنتسبين لهذا الدين من المنافقين وضعاف
الإيمان لتبرير الانحراف أو التهوين منه والرضى به وإقراره، بل إن بعض
الطيبين من دعاة وطلاب علم قد تأثروا بـأولـئـك الملبسين فصاروا يرددون بعض
ما يقولون بعلم أو بغير علم، وقد قسمت الموضوع إلى المباحث التالية:
* أهمية الموضوع * تعريفات
* أسباب التباس الحق بالباطل * صور من لبس الحق بالباطل
* الأسباب الواقية من لبس الحق بالباطل *خـاتـمـة.
أسأل الله عز وجل أن ينفع بـه ويحسن القصد فيه، إنه سميع مجيب.
أهمية الموضوع:
إن لدراسة التباس الحق بالباطل أهمية كبرى لما ينتج عن ذلك التلبيس من
تزييف وفتنة يكون لها الأثر السيء والضرر البالغ في تضليل الأمة وتحريف
الحقائق وتزوير الأحداث، ويمكن توضيح أهمية الموضوع في الأمور التالية:
1- القيام بالعبودية لله تعالى لا يتم إلا بالإخلاص له سبحانه وتعالى، وأن
تكون العبادة على بصيرة باتباع ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-،
والبصيرة بالدين لا تتحقق مادام أن الباطل ملتبساً بالحق، مما يلزم تنقية
الحق من الباطل قال تعالى: ((قد تبين الرشد من الغي))[البقرة: 56].
2- كثرة التلبيس والتضليل في عـصـــرنا بوسائل إعلامية ماكرة مضللة تلبس
على الناس دينهم وتخلط الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق
وإظهار الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق، وذلك لطمس الحق أو
تشويهه وتشويه حملته والداعين إليه، فكان لابد من إزالة هذا اللبس لإحقاق
الحق وإبطال الباطل بقدر المستطاع ((ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره
المجرمون))[الأنفال: 8].
3- السكوت المزعج لكثير من العلماء وطلبة العلم في ديار الإسلام أمام كثير
من المستجدات والنوازل التي تبحث فيها الأمة عن الـموقف الشرعي إزاء تلك
النوازل، مما حدا بذوي القلوب المريضة في غيبة العلماء أن يلبســـوا على
الأمة أمرها، وتكلمت الرويبضة في أمر العامة، والأدهى والأمر أن من أهل
العلم من يساهم في هذا التلبيس فتراه يسمي الأمور بغير أسمائها، وينزل
النوازل في غير مناطاتها، بـل قـــد يـثـنــي على المبطلين ويغض من قدر
المصلحين، فإلى الله المشتكى.
4- أهمية تعرية الباطل وأهله، فمادام أن الحق مختلط بالباطل، وسبيل
المجرمين لم يتميز عن سبيل المؤمنين، فإن الدين سيبقى مشوهاً عند الناس،
وسيبقى التلبيس فيه قائماً، (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) .
5- ضرورة بيان تلبيس الطواغيت ودعاة العلمنة في كثير من بلدان الإسلام وما
يضفونه على مخططاتهم الظـالمـة من تبريرات لظلمهم وادعاءاتهم التي قال الله
تعالى في مثلها: ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون
ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون))[البقرة: 11، 12].
6- ظهور بعض المغالطات من كثير من الناس واستخدامها فـي تـبــرير المواقف
الخاطئة والمخالفات الشرعية، سواء أكانت فردية أو جماعية فينبثق عنها
مــواقــــف وممارسات خاطئة تلبس على الناس أمرهم، ومنشأ هذه المغالطات في
الغالب شهوة مـــزجت بشبهة فتولد عنها مغالطة، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد.
مصطلحات في الموضوع:
يحسن بنا قبل الدخول في ثنايا الموضوع الإلمام بتعريفات كثر إيرادها، من
أهمها (اللبس والتلبيس) و(الأغاليط والمغالطات):
أولاً- اللبس والتلبيس:
قال في لسان العرب: »اللّبْس واللّبَس: اختلاط الأمر، لبس عليه الأمر يلبسه
لبْساً فالتبس، إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته، والتبس عليه الأمر أي
اختلط واشتبه، والتلبيس: كالتدليس والتخليط، شدد للمبالغة، وربما شدد
للتكثير، يقال: لَبَستُ الأمر على القوم ألبْسُه إذا شبهته عليهم وجعلته
مشكلاً«أ.هـ، وقال ابن الجوزي - رحمه الله - في تلبيس إبليس: »التلبيس
إظهار الباطل في صورة الحق«أ.هـ، ومن ذلك قوله تعالى: ((ولا تلبسوا الحق
بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون))[البقرة:42]، قال شيخ الإسلام ابن
تيمية - رحمه الله - عند هذه الآية: »فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به
فغلط به لزم أن يكتم الحق الذي تبين أنه باطل إذ لو بينه زال الباطل الذي
لبس به الحق«.
ثانياً- الأغاليط والمغالطات:
قال في لسان العرب: »المغْلطَة والأغلوطة: ما يغالط به من المسائل والجمع:
الأغاليط، وفي الـحـديـــث أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الأغلوطات، قال
الهروي: وأراد بها المسائل التي يغالط بها العلماء ليزلوا فيهيج بذلك شر
وفتنة، وإنما نهي عنها لأنها غير نافعة في الدين ولا تكاد تكون إلا بما لا
يقع، ومثله قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: (أنذرتكم صعاب المنطق) يريد
المسائل الدقيقة الغامضة«.
وقد أخرج أبو داود - رحمه الله - في سننه عن معاوية - رضي الله عنه- أن
النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الأغلوطات(1)، وروى كل من البخاري ومسلم
حديث حذيفة المشهور في الفتن، وفيه قول حذيفة: »إني حدثته حديثاً ليس
بالأغاليط«(2) قال في الشرح: الأغـالـيــط جـمــع أغلوطة وهي المسائل التي
يغلط فيها والأحاديث التي تذكر للتكذيب، ونقل الحافظ بــن رجب - رحمه الله
- في جامع العلوم والحكم عند شرحه للحديث التاسع من أحاديث الأربعين
النووية قوله: وقال الحسن البصري: »شرار عباد الله الذين يتبعون شرار
المسائل يعمون بها عباد الله« وقال الأوزاعي: »إن الله إذا أراد أن يحرم
عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علماً«.
والحاصل مما ذكر أن المغاليط هي التي يثيرها المغالطون من صعاب المسائل أو
المسائل التي لم تقع، وذلك ليغالطوا بها الـعـلـمــاء ليزلوا فيعمون بها
العباد ويهيج من ذلك شر وفتنة وتلبيس على الناس، نسأل الله السلامة..
وللحديث بقية إن شاء الله.
الهوامش:
(1) أبو داود. كتاب العلم ح/8.
(2) البخاري. كتاب المواقيت ح/4، مسلم. كتاب الإيمان.
((ولا تلبسوا الحق بالباطل..))
(2)
في الحلقة الأولى تطرق الكاتب لبيان منطـلــق هذه الوقـفـات من قـوله تعالى:
((ولا تلبسوا الحق بالباطل)) وأهمية الموضوع وبيان معنى اللبس والتلـبـيـس
ويواصـل الكاتب المزيد من الإيضاح حول تلك القضية.
-البيــان-
إن الانحراف عن الحق والوقوع في الخطأ لا تعدوا أسبابه الفتن التالية:
1- فتنة الشبهات.
2- فتنة الشهوات.
3- فتنة الجمع بين الشبهة والشهوة لبس الحق بالباطل وكل انحراف أو ضلال أو
خطأ سواء أكان صغيراً أو كبيراً لا يخرج في دوافعه عن الأسباب الثلاثة
السابقة:
فإذا وقع العبد في مخالفة شرعية، فإما أن يكون السبب في هذه المخالفة هو
الجهل بها وعدم العلم بحرمتها، أو اشتبه الأمـــــر عليه فحسبها مكروهة فقط،
فهذا الخطأ سبب الشبهة الناتجة من قلة العلم وضعف البصيرة.
وأما إذا كان لدى من وقع في المخالفة علم وبصيرة في دين الله بأنها محرمة
ومخالفة للشرع ومع ذلك وقع فيها عمداً، فإن الدافــع لـهـــذه المخالفة
إنما هو الشهوة، وضعف النفس، ومثل هذا يقر ويعترف بمخالفته ومجانبته للصواب
كما يعترف بذنبه وتقصيره.
أما إذا وقع في المخالفة عن شهوة وضعف ثم لم يعترف بذنبه وتقصيره، وإنما
راح يبحث عن شبهة شرعية أو تفسير خاطئ أو تأويل مـتـعـســف للأدلة ليبرر
بها خطأه ويبرر بها ضعفه وشهوته مع علمه بخطأ تصرفه هذا في قرارة نفسه فهذا
هو الهوى وهذه هي المغالطة وهذا هو لبس الحق بالباطل، وهو أشنع أنواع
الانحراف لأنه مكر وتحايل على شرع الله وخداع للناس.
إن أشد وأشر هذه الفتن من جمع بين الشبهة والشهوة وتحايل على شرع الله بأن
غطى مخالفته وانحرافه بشبهة شرعية، وهو يعلم أنه متحايل ومخادع، ومثل هؤلاء
الملبسين عقوبتهم عند الله عز وجل أشد من الذين يقعون في المخالفات الشرعية
ولكنهم يعترفون بتقصيرهم وذنوبهم، ولا يكابرون، ولا يبررون ولهذا حذر النبي
-صلى الله عليه وسلم- أمته من ارتكاب الحيل فقال ولا تركبوا ما رتكب اليهود
فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل(1).
وهذه هي حقيقة لبس الحق بالباطل وحقيقة المغالطة، إذ أن الدافع الحقيقي
للانحراف هو الهوى والشهوة وحب الدنيا، ولكن عوضاً عن أن يـعـتـرف
بضـعـفـــه هذا وشهوته، ويعترف بذنوبه في مخالفته للشريعة فإنه يستدل
لشهوته هذه بشبهة شرعية يعلم هو في قرارة نفسه أنها لا تصلح للاستدلال، لكن
لابد من غطاء يغطى به هذا الضعف والهوى، وإذا ذهبنا لنتعرف على وسائل
التلبيس والطرق التي ينطلق منها الملبس فـي أغلوطاته نجدها لا تخرج في
الغالب عن الأمور التالية:
1- التأويل الفاسد واتباع المتشابه.
2- كتمان الحق وإخفاؤه.
3- تحريف الأدلة عن مواضعها، وعدم إنزالها في مناطاتها، وتفصيل ذلك فيما
يلي:
1- التأويل واتباع المتشابه:
التأويل الفاسد الذي لم يدل عليه دليل يصرفه عن المعنى الظاهر الذي هو أشبه
بتحريف الكلم، والغالب أن الذي يدفع إليه هو الجهـل والهـوى وفي ذلك يقول
الإمام ابن القيم رحمه الله: فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو التأويل الذي
لم يرده الله رسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على
أنبيائها إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا
بالتأويل؟ فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا
بالتأويل؟(2).
وعند قول الله عز وجل في اليهود: ((وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب
لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند
الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون))[ال عمران: 78] يقول سيد قطب رحمه
الله تعالى عن هذه الآية: وآفة رجال الدين حين يفسدون أن يصبحوا أداة طيعة
لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا
الفريق من أهل الكتاب نعرفها نحن جيداً في زماننا هذا فهم كانوا يؤولون
نصوص كتابهم، ويلوونها لياً، ليصلوا منها إلى مقررات معينة، يزعمون أنها
مدلول هذه النصوص، وأنها تمثل ما أراده الله منها، بينما هـــذه المقررات
تصادم حقيقة دين الله في أساسها، معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع
التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقررات
المفتعلة المكذوبة التي يُلجئون إليها النصوص إلجاء (3).
2- كتمان الحق وإخفاؤه:
وهو تحريف الأدلة عن مواضعها وتغطية الحق بالباطل، وقد ورد في كتاب الله عز
وجل وسـنــــة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من النصوص المحذرة من كتمان الحق
وإخفائه والمتوعده لفاعليه بالوعيد الشديد من ذلك: قوله تعالى: ((إن الذين
يكتمون ما أنزلنا من البينات والـهــــدى مـــــن بـعــد مـا بيناه للناس
في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون))[البقرة: 159] وقوله: ((إن
الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما
يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم
عذاب أليم))[البقرة: 174].
يقول الشيخ رشيد رضا في تفسيرها: هــذه الآية جارية على الرؤساء الذين
يحرمون على الناس ما لم يحرمه الله، ويشرعون لهم ما لم يشرعه من حيث يكتمون
ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومــــــن حذا حذوهم
في شرع مالم يأذن به الله وإظهارخلافه سواء أكان ذلك في أمر العقائد ككتمان
اليهود أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو الأكل والتقشف وغير ذلك من
الأحكام التي كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك، كما قال تعالى: ((تجعلونه
قراطيس تبدونـهـــا وتخفون كثيراْ))[الانعام: 91] وفي حكمهم كل من يبدي بعض
العلم، ويكتم بعضه لمنفعة لا لإظهار الحق وتأييده(4).
وبقيت كلمة أخيرة في موضوع كتمان الحق، ألا وهي أن بعض الطيبين قد يقول:
ألا يجوز كتمان العلم بل قد يجب أحياناً عند خوف الفتنة من الجهر به سواء
أكان على النفس أو على الناس؟ والجواب أن في ذلك تفصيل كما يلي:
بادئ ذي بدء فإن حديثنا ليس عن كتمان العلم وإنما هو عن كتمان الحق الذي
يجب أن يقال، وفي نظري والله أعلم أن بينهما اختلاف، وذلك أن العلم أنواع
فمنه ما هو واجب القول به وتعليمه الناس كفروض العين ونحوها ومنه ما هو
مستحب ومنه ما يجوز قوله لأناس دون أناس حسب عقولهم وأفهاهم، أما قول
الحـــق الواجب فأرى أنه من العلم الواجب إيصاله للناس، ولا يجوز كتمه لأن
في كتمه مـفـســـدة تنافي مقاصد الشــرع أو بعضـهــا، وفي إخفائه فتنة
للناس وليس العكس، فإذا جاز كتمان العلم أو وجب في ضوء قواعد الشريـعـة
المـعـتـبـرة فإنا والحالة هذه نقول: إن الحق في هذا هو كتمان العلم، وإن
الجهر بالعلم مع معرفـتـنـا بالـمـفـسدة المترتبة عليه هو الباطل والفتنة
وهذا والله أعلم هو الذي عناه الشاطبي رحمه الله تعـالى في الموافقات حيث
قال : ومن هذا يعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره وإن كان من علم
الشريعة، وممـا يفـيــد علماً بالأحكام بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو مطلوب
النشر وهو غالب علم الشريعة، ومنه مـا لا يطـلـب نشره بإطلاق، أولا يطلب
نشره بالنسبة إلى حال، أو وقت أو شخص، ومن ذلك تعـيـيـن هـــذه الفرق فإنه
وإن كان حقاً فقد يثير فتنة كما تبين تقريره فيكون من تلك الجـهـة
ممـنـوعـــاً بثه، ومن ذلك علم المتشابهات والكلام فيها، فإن الله ذم من
اتبعها فإذا ذكرت وعـرضت للكلام فيها فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى
عنه(5).
3- تحريف الأدلة عن مواضعها:
وهذه الطريقة من طرق التلبيس هي ثمرة من ثمرات الطريقتين السابقتين، إذ
لابد لمحرف الأدلة من كتمان الحق، ولابد لمتبع المتشابه من تأويل كلام الله
سبحانه وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- من التأويل الفاسد الذي يؤدي إلى
صرف الأدلة عن ما أراد الله بها وأراده رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن ثم
وضعها في غير موضعها، وهذا هو نوع من أنواع التحريف للأدلة عن مواضعها، إذ
لايلزم من التحريف أن يكون لفظياً كما فعلت اليهود في التوراة بل إن تحريف
المعنى المراد إلى غير المراد هو تحــريـف للنـصـوص عــن مواضعها أيضاً
وهذا ما أشار إليه الشاطبي رحمه الله تعالى: وهو يـسـتـعــرض مـآخذ أهل
البدع في الاستدلال: ومنها تحريف الأدلة عن مواضعها بأن يرد الدلـيــل
عـلـــى مـنــاط فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر موهماً أن المناطين واحد،
وهو من خـفـيــات تحـريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله، ويغلب على الظن أن
من أقر بالإسلام وبأنه يذم تحريـف الكلم عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحاً،
إلا مع اشتباه يعرض له، أو جهل يـصــده عـــن الحق مع هوى يعميه عن أخذ
الدليل مأخذه، فيكون بذلك السبب مبتدعاً وبيان ذلك أن الدليل الشرعي إذا
اقتضى أمراً في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلاً فأتى به الـمـكـلف في
الجملة أيضاً، كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها ممــا
يـعـلــم من الشارع فيها التوسعة، كان الدليل عاضداً لعلمه من جهتين: من
جهة معناه، ومن جـهــة عـمـل السلف الصالح به.
فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو
مقارنٍ لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أن الكيفية أو الزمان
أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه، كان الدليل بمعزل عن ذلك
المعنى المستدل عليه (6).
الهوامش:
(1) تفسير بن كثير، طبعة الشعب جـ3 ص492، وجود ابن كثير إسناد هذا احديث.
(2) إعلام الموقعين 4/353
(3) في ظلال القرآن.
(4) تفسير المنار 2/101.
(5) الموافقات جـ4 ص109.
(6) الاعتصام جـ1 318.
صور من لبس الحق بالباطل
(3)
مدخــل:
بعد بيان معنى اللبس والتلبيس وأنه إلباس الهوى والشهوة لبوساً شرعياً
بتحريف الأدلة أو كتا، ثم بيان الأسباب التي تؤدي إلـى لبس الحق بالباطل
والمؤدية بدورها إلى الضلال والإضلال، نذكر هنا بعضاً من صور اللبس
والـتـضـلـيـل، وذلك لـنـحـذر من الوقوع فيها بأنفسنا، ونحذر إخواننا
المسلمين من الوقوع فيها والانخداع بها، ولم أراع فـي ترتـيـبـها
الأهـمـيـــة، لـكـن حـســب ما عنّ في الخاطر، أسأله (سبحانه) التوفيق
والسداد في القول والعمل، ومن هذه الصور ما يلي:
1- الاحتجاج على شرعـيــة الأنظـمــة المـبدلة لشرع الله والمستحلة لما حرم
الله بآثار عن السلف (رضي الله عنهم) أنه: كفر دون كـفـر: وهذا، والله
تحريف للأدلة عن مواضعها، وإنزال الحكم في غير محله، وافتراء وتجن على
سلفنا الصالح وخير القرون في هذه الأمة، فما كانوا عن عصرنا يتحدثون ولا
أنظمته المبـدلة لشرع الله يقصدون، فالله المستعان، ومن أحسن ما رأيت من
الردود على هذا التلبيس ما كتبه الشيخ أحمد شاكر (رحمه الله)، ومما قاله:
وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره مما يلعب به المضللون في عصرنا من المنتسبين
للعلم ومن غيرهم من الجرآء على الدين، يجعلونها عـــــذراً أو إباحـة
للقوانين الوثنية الوضعية التي ضربت على بلاد المسلمين(1).
فاللهم إنا نبرأ من هذا اللبس ونبرئ صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
والتابـعين لهم بإحـســـان من هذا التلبيس وهذه المغالطات، وإنه لا أحد
ينزل قول ابن عباس (رضي الله عنه) أو غـيــــره من السلف على المبدلين لشرع
الله في زماننا هذا إلا رجل سيطر عليه الجهل بالواقع فلا يـعـلم مــــا
يـدور مــــن حوله، أو رجل منافق ملبس يعلم واقعه وعدم مشابهته للواقع الذي
كان يتحدث عنه ابـن عـباس (رضي الله عنه)، ولكنه يغالط ويخلط الحق بالباطل
اتباعاً للهوى وطمعاً في دنيا يصيبها؛ فإنه لم يحدث قط في تاريخ الإسلام أن
سن حاكم حكماً وجعله شريعة يتحاكم إليها الناس.
2- الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، والرضــى بالذل والمهانة: وهذه الصورة
من صور اللبس والمغالطة ليس القصد من إيرادها هنا الرد عـلـى المـحـتـجـيـن
بالـقـدر على ضلالهم ومعاصيهم، وإنما المقصود التنبيه على أن من يحتج
بالقضاء والقدر ليبرر بـــــــه انحرافه وكسله وضعفه إنما هو مغالط وملبس
ومدلس، وموضوع الرد على المحتجين بالقدر موجود في مظانّه من كتب العقيدة
الصحيحة لدى سلفنا (أهل السنة والجماعة)، مثل: الـعـقـيـدة الـواسطـيـة،
ومعارج القبول، والعقيدة الطحاوية..إلخ، والمراد هنا: كشف اللبس الحاصل بين
الحــــق والباطل في هذه المسألة، حيث إن المحتج بالقدر على فعل المعاصي
والإصرار عليها قد وقــع في لبس عظيم، ويعلم هو بنفسه أن احتجاجه ليس في
محله، وإنما أورده لتبرير شهوته وضعفه بدليل أنه في أمور الدنيا وكسبها لا
نجده يقعد محتجاً بالقدر، وأن الله (سبحانه) كـتـب عـلـيــه الفـقـر أو
الجوع أو عدم الزواج، بل إنا نجده يسعى ويفعل الأسباب الممكنة لدفع كل ذلك،
فـلـمــــاذا لا يوجد هذا الدفع أيضاً في أمور الدين وأمور الآخرة فيسعى
للآخرة سعيها، ويأخذ بأسـبـاب الـهـدايـة وأسباب النجاة من النار، وهي
ميسرة لمن أرادها؟!، لماذا هو جبري في أمور الدين والآخـــرة، وقدري في
أمور الدنيا؟.
وقريب من الذين يحتجون بالقدر على فعل المعاصي والرضى بالواقع أولئك الذين
يتجرؤون على فعل المعاصي اعتماداً على رحمة الله (سبحانه)، نعم إن الله
غفور رحيم، ولكن ليس مقتضى هذه الرحمة أن يتجرأ هذا الملبس على المعصية،
وإنمـا الـمـقـصود منها: فتح باب التوبة والرحمة لمن وقع فيها وانتهى وندم،
فيقال له: لا تيأس؛ فإن الله غفور رحيم.
3- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله خــوف
الابتلاء وتعريض النفس للفتن: هناك من يترك الأمر والنهي عجزاً وكسلاً
وجبناً وبخـــلاً، لكن لا يريد أن يعترف بهذه الصفات الذميمة، فبدلاً من
الاعتراف بها والسعي للتخلص منها فإنه يحاول جاهداً في تغطية ضعفه هذا
بمبررات شرعية، منها: الخوف من الفتن واعـتــزال كـل مـا يعـرض النفس
للابتلاء والفتنة والهلكة ودرء المفاسد، معتمداً على قاعدة درء المفاسد
مقدم علـى جـلـب الـمـصـالح والضوابط الشرعية في ذلك، فمقصودنا هو كشف
اللبس والتدليس والمغالطة على النـفـس وعلى الناس في أن النكول عن الأمر
والنهي قد تم من منطلق شرعي وضوابط شرعية، والأمـر في حقيقته ليس كذلك،
وإنما هو الخوف والجبن وإيثار السلامة وعدم تحمل أي أذى أو مـكـــروه في
سبيل الله (عز وجل)؛ يقول الإمام ابن تيمية (رحمه الله): ولما كان في الأمر
بالـمـعـــروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن
ما يعرض به المرء للفـتـنـة: صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من
ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كـمـا قال [تعالى] عن المنافقين: ((ومنهم
من يقول: ائذن لي ولا تفتني، ألا في الفتنة سقطوا))[التوبة: 49] (2).
فلا يصح لقائل أن يقول أنه يجب الابتعاد في الدعوة إلى الله (سبحانه) عن كل
ما من شأنه أن يجر على الداعية الأذى والمحـن!، إن صاحب هذا القول قد نسي
أو تناسى سنة الله (عز وجل) في الصراع بين الحق والـبـاطـل، وسنته (سبحانه)
في الابتلاء والتمحيص؛ قال (تعالى): ((ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا
أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولـئـن جـــاء نـصـر من ربك
ليقولن إنا كنا معكم، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين* وليعلمن الله
الذين آمنوا وليعلمن المنافقين))[العنكبوت:10،11].
نعم إن من بيننا من يريد المغنم من الدعوة ولا يريد المغرم، بدليل عدم
الإعداد والاستعداد لأي أذى يعترضه فـي الطريق ـ ولو كان قليلاً ـ، وإنما
مادام الأمن والسلامة والراحة فهو نشيط ومتحرك، فـــإذا ظهرت المحن وبدايات
الابتلاء والتمحيص آثر السلامة والراحة، وعلل ذلك بالابتعاد عن الفتن ودرء
المفاسد.
ولا يعني ما سبق مــن الكلام أن يبحث الداعية عن الأذى والابتلاء، كلا،
فالمطلوب سؤال الله العافية وعدم تمني البلاء، كما لا ي |