لا تحسبوه شراً لكم

 

عبد العزيز الجليل

مدخل :
يواصل الكاتب (وفقه الله) وقفاته التربوية القرآنية مع بعض الآيات القرآنية، فقد سبق أن تـطــرق لوقفات مع قوله (تعالى): ((وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأََنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [ البـقـــرة: 42] ويواصل مجدداً وقفات إيمانية أخرى مع قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم)) [النور: 11].
- البيـان -
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
إن الله (عز وجل)، بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا، كتب النصر والغلبة لأهل الحق من أولـيـائــه الصالحين والمـصلحين، وكتب المهانة والذلة على أعدائه من الكافرين والمنافقين، وهذه سـنـــة لا تـتـخـلـف إلا إذا تخلفت أسبابها، حيث يديل الله (سبحانه) أعداءه الكفرة على عباده المؤمنين، ويـسـلـطـهــم عليهم ويظهرهم، فتظهر من ذلك الشرور والمصائب كما هو الحاصل في واقعنا المعاصر حـيــث الاسـتـضـعـاف والذلة لجل المسلمين، والغلبة والقهر للكافرين، وما كان لسنة الله (سبحانه) أن تـتــبــدل ولا أن تتحول، ((فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)) [فاطر: 43] ولـكـــن أسباب تحقيق سنة الله (سبحانه) في نصر عباده المؤمنين قد تخلفت؛ فحقت علينا سنة الله (سبحانه) في الـتـغـيـيــر ((إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد: 11] وسـنـة الله (سبحانه) لا تحابي أحـــداً. ومع وضوح هذه السنة وجلائها من القرآن، وبمقتضى العقل والحس، إلا أننا نجد من هو في غفلة عنها وعن مقتضى أسمائه (سبحانه) وصفاته العلا؛ حيث أدت هذه الغفلة عـنــد بعضنا إلى شيء من اليأس والإحباط، أو إلى شيء من العجلة والتسرع أمام ضغط الواقع، وتسلط الأعداء، وعند انتشار الظلم والفساد.
ولن يكون الكلام هنا عن تلك السنة، وإنما سينصب الاهتمام على سنة عظيمة تنبثق عنها السنة السابقة، والله (سبحانه) يبينها لنا من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا، حيث إن الجهل بها أو الغفلة عـنـهـــــا بعد معرفتها يسهم أيضاً في مزيد من اليأس والقنوط، أو الجزع والتسخط، أو الاندفاع والـعـجـلــة والـتـهــور، وهذه وقفات مع قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم)) [النور: 11].
هذه الآية توجيه رباني في إحسان الظن بالله (عز وجل)، والثقــة بحكمته ورحمته، وأنه (سبحانه) لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير ((يُرِيدُ اللَّهُ بـِكـُــمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ)) [البقرة: 185] وهذا بدوره يبث الأمل في النفوس إزاء المصائب، ويبث الأمل في الأمة بأن المستقبل لهذا الدين مهما تسلط أعداؤه عليه، وكادوا له كيداً ((إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً)) [الطارق: 15 17]، وهو ضروري كذلك لإدراك أن رحمة الله (عز وجل) سبقت غضبه في كل ما يقدره على عباده المؤمنين ((كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)) [الأنعام: 54] وما أجمل ما قاله الإمـــام ابن القيم (رحمه الله تعالى) حول هذا المعنى، ومما ذكره: قد شهدت الفطر والعقول بأن للـعــالـم ربّــــاً قادراً، حليماً، عليماً، رحيماً، كاملاً في ذاته وصفاته، لا يكون إلا مريداً للخير لعباده، مجـــرياً لهم على الـشـريـعـة والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم، الموافقة لما ركب في عقولهم من استحسان الحسن، واستقباح القبيح(1).
وسيأتي ـ إن شاء الله ـ فـي ثـنـايــا البحث من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواقف العملية التي تظهر لنا منـهـا ثمار هذه السنة الكريمة، وبخاصة في واقعنا المعاصر المليء بالشبهات، والشهوات، والمتناقضات، والمكائد، والمؤامرات.. ما يزيد الموضوع بياناً.
أهمية الموضوع:
تتضح أهمية الموضوع في الأمور التالية:
أولاً: علاقة هذه السنة بالعقيدة قوة وضعفاً؛ فكلما قوي الإيمان بالله (سبحانه) في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته: كلما قوي الفهم لهذه السنة، وأثمرت في القلب ثمارها الطيبة. والإيمان بهذه السنة والاصطباغ بها هو مقتضى الرضا بالله ربّاً ومعبوداً، ومقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلا؛ حيث إن هذه السنة من ثمرات أسمائه (سبحانه) الحسنى، التي منها: الحكيم، والعليم، والكريم، واللطيف، والبر الرحيم.. وغيرها من الأسماء والصفات التي يجب التعبد لله (سبحانه) بها. كما يظهر الارتباط بين هذه السنة وبين التوحيد في: أثرها على صدق التوكل على الله (عز وجل)، وتفويض الأمور إليه، واليقين والثقة بوعده، وإحـســــان الـظــــن بــــه (جل وعلا)، وأنه (سبحانه) لا يريد بعباده المؤمنين إلا الخير والإصلاح، فمهما ظهر مـــن الشرور والمصائب، فله (سبحانه) الحكمة البالغة((وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [آل عمران: 66] وأما ارتباطها بالأصل الخامس من أصول الإيمان ـ ألا وهو الإيمان باليوم الآخر ـ فهذا واضح؛ لأن اليقين باليوم الآخر ورجاء الأجر من الله (عز وجل) يقويان الارتباط بهذه السنة في أن الآخرة خير وأبقى، مهما فات من هذه الدنيا. وأما علاقتها بالأصل الـســادس من أصول الإيمان ـ وهو الإيمان بالقدر خيره وشره ـ فهذا ظاهر لا يحتاج إلى تعليق.
ثانياً: ما نراه اليوم في واقعنا المعاصر من الضغوط الشديدة والحرب الشرسة من أعداء هذا الدين من اليهود والنصارى والمنافقين والمفسدين، وما يكيدون به لهذا الدين وأهله من المكر والتشويه والابتلاء؛ مما أدى ويؤدي إلى ظهور حالات اليأس والإحباط من تغير الحال، أو الشـعـور بالهزيمة النفسية والهوان والاستكانة، فكان لابد من التذكير بهذه السنة العظيمة التي تـقــــوي اليقين بوعد الله (سبحانه)، والثقة بنصره، والاطمئنان إلى قضائه وتدبيره، وأنه (سـبـحـانه) الحكيم العليم فيما يقضي ويقدر، ولابد أن يأتي الخير بعد الشر عندما يأذن الله (سبحانه) في ذلك وفق علمه الشامل، وحكمته البالغة، وسننه التي لا تتبدل ولا تتحول.
ثالثاً: الـجـهـــل الحاصل عند بعض المسلمين بسنن الله (سبحانه) في التغيير، أو التغافل عنها بعد معرفتها، لا سيما وأن في فهم قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم)) [النور: 11] خير معين لتفهم سنن الله (عز وجل) الأخرى: كما في قوله (تعالى): ((إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد: 11] وفي هذه المعرفة فتح باب للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله (سـبـحـانــه)، كـمــا أن فـيـهــــا وقاية من التخبط والاضطراب في المنهاج والاجتهادات، كما أن في دراسة هذه السنة وربط الأحداث والوقائع بها أكبر ضمانة للعقل المسلم من أن يتأثر بالتصورات الجاهلية، والـتـفـسـيــرات المادية للتاريخ والأحداث التي سيطرت اليوم على كثير من عقول المسلمين المتأثرين بوســائــل الإعلام المادية وبالثقافات التي لا تؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقدر خيره وشره.
رابعاً: التنبيه إلى طلب الخِيَرة من الله (سبحانه) في كل الأمور، وتفويض الأمور إلى حسن تدبـيـره (عـز وجل) واختياره؛ لأنه (سبحانه) يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علام الـغـيوب الذي يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أين يكون الخير، وأين يكمن الشر؛ ولذلك جاء التوجيه إلى دعاء الاستخارة في الأمور كلها.
خامساً: كـثـرة المشاكل والمصائب في زماننا هذا، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات، التي أدت إلـى ظهور كثير من الأمراض النفسية المعقدة: كالقلق، والاكتئاب، والفصام.. وغيرها، حـتـى أصـبـحـت سمة لواقعنا المعاصر، ومعرفة الله (سبحانه) بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته التي تـــزرع في القلب الاطمئنان والرضا، وتفويض الأمور إليه (سبحانه)، وحسن الظن به (عــز وجــل)، وأن اختيار الله لعبده أحسن من اختيار العبد لنفسه، ولو ظهر ما يكرهه العبد ويؤذيـــه: إن في تفـهم قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم)) [النور: 11] أحسن علاج لهذه الأمراض وغيرها.
سادساً: إن في هذه السنة وفهمها طريقاً موصلاً إلى الفقه بقاعدة الشرع العظيمة، التي بنيت عليها أحكام الشرع؛ ألا وهـي: الـيـسـر ورفع الحرج والمشقة، وأن الله (عز وجل) لا يريد بعباده إلا اليسر والرحمة، سواء أكان فـي أحكامه الكونية القدرية، أو الدينية الشرعية.
الهوامش:
(1) مفتاح دار السعادة: ص326.


(2)

في الحلقة الماضية:أوضح الكاتب أهمية فهم قوله (تعالى):((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ))، وبيّن ارتباط هذا الفهم بسنن الله (سبحانه) في التغيير، ثم نوّه بأهمية هذا الموضوع، فكان مما تناوله: علاقة هذه السنة بالعقيدة، ودورها في عـــلاج اليأس والإحباط، والرضى بقضاء الله...
وفي هذه الحلقة يوضح الكاتب هذه السنة.
- البيـان -
من ثمرات هذه السنة:
إن لـتَـفَهّم هذه السنة الكريمة وتذكرها دائماً أثراً كبيراً في القلب، يظهر جليّاً في المواقف، وبالذات في مواقف الشدة والبلاء؛ فكان لزاماً على المسلم، وبخاصة الداعية المجاهد، ألا يغفل عن هذه الثمرات المنبثقة من قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ))، وثمار الإيمان بهذه السنة واليقين بها كثيرة، أذكر منها ما يلي:
1- حقيق العبودية لله (عز وجل) بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا:
إن الله (عـز وجـــــل) لم يعرفنا على أسمائه وصفاته لنحفظها ونعدها فقط، وإنما المقصود الأسنى من معرفة أسمـائــــه (عز وجل) وصفاته: أن ندعوه بها، وأن نتعبد له (سبحانه) بها؛ قال الله (تعالى): ((وَلِلَّــهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)) [الأعراف: 180] إن في كل اسم من أسمائه (سبحانه) عـبـوديـة عـلـى العبد، يجب أن تظهر آثارها في القلب، وعلى الجوارح، وفي المواقف.
فمن الأسماء الحسنى التي يتعبد لله (عز وجل) بها من خلال معرفة هذه السنة: الحكيم، العليم، البر، الرحيم، الودود، اللطيف.. وغيرها. فعندما يؤمن العبد المسلم بهذه الأسماء فإنها تثمر الإيمان بحكمة الله (عز وجل) في كل أحكامه الكونية والشرعية، وتضفي على القلب الأنس، وإحسان الظن بالله (عز وجـــل)، والرضا بقضائه، وأنه بر رحيم، لا يريد بعباده إلا الخير والتيسير والرحمة، وأن من لطفه (سبحانه) أن يأتي بالخير لعبده المؤمن من حيث يظن أنه شر ومكروه، وهذا من معاني اسمه سبحانه (اللطيف).
يقول الشيخ السعدي (رحمه الله): (ومن معاني اللطيف: أنّه الذي يلطف بعبده ووليه، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقّيه إلى أعلى المراتب، بأسباب لا تكون من العبد على بال، حتى إنّه يذيقه المكاره، ليوصله إلى المحاب الجليلة، والمطالب النبيلة)(1).
إن اليقين بلطف الله (تعالى) ينفي الشعور بالـيــــأس والقنوط من مجــيء فرج الله ونصره، وينشيء مكانه الأمل والثقة بوعد الله ونصره، كـمـا أنه ينشيء في الـقـلب الافتقار إلى الله (عز وجل) وتفويض الأمور إليه، وسؤاله (عز وجل) دائماً حُسْنَ العاقبة والاختيار.
وبقيت كلمة أخيرة في هذه الثمرة أنصح بها نفسي وإخــوانــــي طــلاب العلم؛ وذلك بأن نحرص أشد الحرص ـ ونحن ندْرس أو نُدَرّس أبواب التوحيد الـمختلفة ـ على ألا نكتفي بالدراسة العلمية الذهنية المجردة فقط، وإنما نسعى جاهدين فـي ربطها بأعمال القلوب، وما تثمره فيها من أنواع العبوديات المختلفة التي يجب أن يظهر أثرها في المواقف والسلوك وجميع التصرفات، والله المستعان.
2- الصبر على البلايا والمصائب وقوة الاحتمال:
وهذه الثمرة لها علاقة بما قبلها؛ فعندما يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته ويتعبده بها، فإنها تثمر في القلب ثباتاً، ورباطة جأش، وصبراً أمام الابتلاءات والمصائب؛ فلا يضعف ولايـخـــور وهو يعلم أن ربه الرحيم الحكيم، اللطيف الخبير، الودود الغفور: هو الذي قدرها عليه، وأنه لم يقدرها ليعذبه ويشقيه، ولكن ليرحمه ويرده إليه.. عند ذلك يفوض أمره إلى ربـــــه، ويرضى بما يختار له مولاه (سبحانه)، ويعلم أنه هو الذي يمده بالقوة والعزيمة، والـصـبــر وحسن العاقبة. إن هذا الشعور يملأ القلب قوة وصبراً واحتمالاً أمام الشدائد؛ لقوة الرجاء في الله (عز وجل)، واليقين بفرجه ونصره، واليقين بحسن العاقبة من الله (عز وجل) فيما أعده للصابرين؛ قال (تعالى):((إن تَكُونُوا تَاًلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَاًلَمُونَ كَمَا تَاًلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)) [النساء: 104].
وإن مما يقوي الصبر على الشدائد يقين العبد أن ما أصابه إما أن يكون تكفيراً لذنوبه، أو سبباً لنعمة لا تنال إلا بذلك المكروه.
فإذا أيقن العبد المبتلى أن العاقبة الحميدة من النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة لا يوصل إليهما إلا على جسر التعب والمشقة: فإنه بذلك يقوى صبره، واحتماله، وبذله وتضحيته في سبيل الله (عز وجل)، مع تفقد النفس من الذنوب، وتنقية الصف من المنافقين، فذلك من أسباب النصر.
3- سعادة القلب وطمأنينته وسكينته:
عـنـدما يعلم العبد المؤمن أن كل ما يقضيه الله (عز وجل) هو عين الحكمة والرحـمـــــة، والخيـر، ســـواء في العاجل أو الآجل، فإن هذه المعرفة تضفي على القلب شعوراً بالأنس والسعادة والطـمـأنـيـنـة والسكينة، مهما اشتدت المصائب، وتوالت المحن؛ وبذلك يسلم صاحب هذا القلب من تلك الأمراض والوساوس التي تفتك بكثير من الناس الذين حرموا مثل هذه المعرفة العظـيـمــــة بربهم، نعم سوف لا يخيم على نفسه ما يخيم على النفوس اليائسة، من الشعور بالقلق والاكتئاب وانكساف البال، تلك الأشياء التي تجر وراءها من مصائب الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله (عز وجل). وسوف يريحه هذا الشعور من الأفكار المتعبة التي تنشأ من كثرة الاختيارات والترددات، التي هي منشأ القلق والهم والغم.
إن التسخط وعدم الرضى بما قضاه الله (عز وجل) باب إلى الهم، والغم، والحزن، وشتات القلب، وسوء الحال، والـظــــن بالله ظن السوء، ولا يدفع ذلك كله إلا معرفة الرب (عز وجل) بأسمائه الحسنى، وصـفـاتــه العلا، والتعبد له (سبحانه) بها، والعمل بمقتضاها، والذي يولد في النفس الرضى بما يخـتــــاره الله (عز وجل)، وأنه أرحم بعبده من نفسه ((وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [ آل عمران: 66].
4- سلامة القلب:
عندما يمتلئ القلب بتوحيد الله (عز وجل) ومعرفته (سبحانه) بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ويمتلئ باليقين بوعده، والثقة بحكمته، وانتظار رحمته؛ فإن كل ذلك يضفي على القلب صفاءً ونوراً وطهارة تُسل بها من القلب أمراض كثيرة؛ فيصبح القلب بعدها سليماً صحيحاً، وينعم به صاحبه في الدنيا والآخرة؛ قال (تعالى) في وصف إمام الحنفاء (عليه الصلاة والسلام): ((إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) [الصافات: 84] وقال (تعالى) حكاية لدعاء إبراهيم (عليه الصلاة والسلام): ((وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) [الشعراء: 87 89].
ومن أهم مظاهر سلامة القلب التي تحصل بهذه المعرفة ما يلي:
أ- السلامة من أمراض الحقد والحسد والشحناء:
وذلك لأن الذي يوقـــن بحكمة الله (عز وجل) ورحمته في كل ما يقضيه من أقضية كونية وشرعية: يعلم علم اليـقـين أن لله (عز وجل) الحكمة البالغة في إعطاء من يشاء، ومنع من يشاء، وإعزاز من يشاء، وإذلال مـــن يشاء. وهذا العلم لابد أن يثمر الرضى بما يقدره الله (عز وجل) ويقضيه على الناس؛ وبذلك تزول الشحناء والأحقاد المتولدة عن الحسد المتولد أصلاً من معارضة أقدار الله (عز وجل) والتسخط لها.
ب- لسلامة من أمراض الخوف والطمع:
إن المؤمن الراضي بربه والموقن بحـكـمـتــه وبره ولطفه لا تجده إلا قانعاً بما آتاه الله (عز وجل)، مطمئناً إلى اختيار الله (سبحانه) لــــه؛ لأنه (عز وجل) أعلم بما يصلح للعبد من نفسه، وهذه الثمرة تقضي على هذا الداء الخـطـيـــر (داء الطمع والحرص والتهالك على الدنيا وزينتها)؛ لأن القلب الراضي المفوض أمره إلى الله (عز وجل) قد امتلأ غنى وقناعة ومحبة وتوكلاً على الله (سبحانه)؛ فحري بقلب هذه صفته ألا يكون فيه محل لمحبة غير الله، وهذه الثمرة يتولد عنها ثمار طيبة، منها: عدم الأسى على ما فات، وعدم الفرح بما هو آت؛ قال (تعالى): ((مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِـي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَاًسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)) [الحديد: 22،23]، والـعـبــد المؤمن لا يدري أين يكون الخير، أهو في الفائت أم الآتي؟ ولكن الله وحده هو الذي يعلم، وهو علام الغيوب.
كما أنها تثمر أيضاً: الزهد في الدنيا، والحذر منها، فكم فرح بالدنيا أناس فكانت سبب هلاكهم وشقوتهم؛ قال (تعالى): ((وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)) [الشورى: 27].
وكيف يسكن الخوف والهلع في قلب من اطمأن إلى حكم ربه، وأحـســـن الظن به، وفوض أموره إليه. إن الخوف والهلع سواءً أكان على الرزق أو الأجل لا يكونـــان إلا عند من لم يعرف ربه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أما لو عرف ربه (عز وجل)، وأنــه رحـيـــم ودود، وأنّه حكيم عليم، وأنه لطيف خبير.. معرفة حقيقية يتعبد لربه بها: فإن الاطمئنان والسكينة تعمران القلب، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا يمـلـكـون لأنفسـهم نفعاً ولا ضرّاً فضلاً عن أن يملكوا شيئاً من ذلك لغيرهم. ويبقى صاحب هذا القـلـب مطمئناً إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظـهــر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر، فمن يدري؟! فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة.
ج- السلامة من أمراض الكبر والخيلاء:
إن القـلــب لا يصدق عليه أن يوصف بكونه سليماً صحيحاً حتى ينضم إلى ما ذكر سابقاً سلامته من أمراض الكبر والفخر والخيلاء؛ فإن العبد المؤمن متى ما عرف ربه (عز وجل) وتعبد له بأسمائه وصفاته فإن المسكنة والمحبة لله (عز وجل) سوف تملأ القلب؛ وينتج عن ذلك: التواضع للحق وإيثاره، والتواضع للخلق، وعدم غمطهم وظلمهم، بل لا ترى مَن هذه صفــته إلا محبّاً للخير والإحسان للناس، ولا تراه إلا محقراً لنفسه، منشغلاً بعيوبها عن عيوب الناس؛ لأنه يشهد حكمة الله (عز وجل) في ابتلائه لعبده بالخير والشر. ولأن أسباب الكبر والتعالي على الناس لا تخرج عن كونها اغتراراً بنعمة دينية أو دنيوية، وأنه إذا أيقن الـعـبـــــد الـمؤمن أن هذه النعم إنما أعطاها الله لعبده ليبلوه أيشكر أم يكفر؛ فإن الخوف على النفس مـن هــــذا الابتلاء سيشغله عن التعالي على الناس، أو الفخر عليهم، وكيف يكون ذلك وهو لا يدري أيــن يكـمن الخير أو الشر؟! ولعل هذه النعمة التي يفتخر بها فتنة له ومتاع إلى حين، أو أن الذي يـفـخــر عليه ممن هو دونه يكون في خير ورحمة مفتوحة من الله (عز وجل) عليه، والناس يحسبون أنه في ضيق وشر!.
5- محاسبة النفوس والانتباه إلى خطر المعاصي وشؤمها على الفرد والمجتمع:
إن من ثمار هذه السنة الكريمة أن ينتبه العبد الـمـؤمــن إلى نفسه ويحاسبها على تفريطها وذنوبها. وهذا بعض الخير الذي يجعله الله فيما يراه الــنــــاس شرّاً ومصيبة؛ حيث إن المصائب والشرور المقدرة على العبد المؤمن غالباً ما تكون تكـفـيــراً للذنوب، وإيقاظاً له من الغفلة، ومجالاً لتطهير النفس من أدران المعاصي والسيئات. ومتـى ما حصلت هذه الثمرة العظيمة في القلب فإن المصيبة والنقمة تصبح في حقيقة الأمر خيراً ونعمة لصاحبها؛ وصدق الله العظيم: ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)).
أمـا إذا حصـل العكـس مـن ذلك ـ والعياذ بالله ـ وذلك بأن كانت المصيبة سبباً في مزيد من الـغـفـلــــة أو التسخط على أقدار الله (تعالى)؛ فإن المصيبة والحالة هذه لا تعتبر خيراً لمن وقعت عليه، لكنها قد تكون خيراً لغيره عندما يحصل الاتعاظ والعبرة بحال من وقعت له المصيبة.
6- التعرف على سنن الله (عز وجل) في التغيير، والسير على هداها:
إن إدراك معاني أسماء الله (عز وجل) وآثارها ومقتضياتها يفتح في قلب المؤمن منافذ عديدة على سـنـنـه (عـــز وجل) التي لا تتبدل ولا تتحول، وبخاصة إدراك آثار حكمة الله (عز وجل) ورحمته ولطفه وإحسانه، ولقد مرّ بنا كيف أن فقه قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)) يطبع في القلب شعوراً برحمة الله (عز وجل) وخيره وبره، وأن كل ما يقضيه (عز وجل) هو عين الخير والمصلحة والحكمة، وهذا الشعور يؤدي بدوره إلى فتح القلب والفكر على سـنــن الله (عز وجل) التي تنبثق من هذه المعرفة، وعندما تحصل هذه المعرفة لسنن الله (عز وجـــل) في التغيير: فإن الفكر البشري ينضبط ويستقيم ولا تتقاذفه الثقافات المادية ذات اليمين وذات الشمال، وبذلك يسلم من التفسيرات المادية للأحداث، والتي تربط كل المتغيرات بأسباب مادية بحتة؛ كتلك التي تربط النصر والهزيمة بأسباب مادية، أو تلك التي تفسر العـقــوبـــات الربانية كالزلازل والأعاصير بكونها ظواهر فلكية بحتة، متجاهلين قدر الله وحكمته.
كـمــــا أن هذه الـمعرفة تثمر أيضاً: معرفة الموازين المنضبطة الثابتة التي توزن بها الأمور والأحــــوال والأشـيــــاء، وحُقّ لها أن تكون بهذه المثابة؛ لأنها من عند الله (عز وجل) الحكيم، العليم، الرحـيـم، الـــــودود، الذي يعلم ما كان وما سيكون، والذي له الكمال المطلق، وهو الغني الحميد. وهو (سـبـحانه) يقول الحق، ويقصّ على عبيده ـ رحمة منه وفضلاً ـ جانباً من أسرار سنته وقدره ليأخذ الناس حذرهم وليعتبروا ويتعظوا، وليدركوا الرحمة والخير والحكمة الكامنة وراء هذه السنن الربانية والموازين الإلهية، والتي بدورها تؤدي إلى معرفة المنهج الصحيح للـتـغـيـيــر، كما تؤدي إلى المنهج الصحيح لتقويم الأمور ووزنها بالميزان الحق.
ولـقـــــد مر بنا في الثمرات السابقة بعض السنن الربانية التي يهتدي إليها القلب العامر بمعرفة الله (عز وجل) وتوحيده، ولكن نخص هنا بعض السنن بشيء من التفصيل، وذلك فيما يلي:
أ- العاقــبــة للمتقين: إن وعد الله (عز وجل) لا يتخلف، وكلمته لا تتبدل، ولقد قال ـ وقوله الحـــق ـ: ((وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ (171) إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ (172) وَإنَّ جُندَنَا لـَـهُــمُ الغَالِبُونَ)) [الصافات: 171- 173] هذا وعد الله (سبحانه)، ولو تأخر وأبطأ على عباده فإن من وراء ذلك التأخير حكمة وخير.
ب- ويتعلق بـهــــذه السنة سنة أخرى في معناها، وهي قوله (تعالى): ((وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)) [النساء: 141] يقول ابن القيم (رحمه الله تعالى) في معنى الآية: (قيل: بالحجة والبرهان، فإن حجتهم داحضة عند ربهم، وقيل: هذا في الآخرة وأما في الدنيا فقد يتسلطون عليهم بالضرر لهم والأذى، وقيل: لا يجعل لهم عليهم سبيلاً مستقرة، بل وإن نـصـــروا عليهم في وقت فإن الدائرة تكون عليهم، ويستقر النصر لأتباع الرسول.
وقيل: بل الآية على ظاهرها وعمومها، لا إشكال فيها ـ بحمد الله ـ؛ فإن الله (سبحانه) ضمن أن لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً، فحيث كانت لهم سبيلٌ ما عليهم فهم الذين جعلوها بتسببهم ترك بعض ما أقروا به، أو ارتكاب بعض ما نُهوا عنه؛ فهم جعلوا لهم السبيل عليهم بخروجهم عن طاعة الله ورسوله فيما أوجب تسلط عدوهم عليهم في هذه الثغرة التي أدخلوها، كما أخلى الصحابة يوم أُحد الثغرة التي أمرهم رسول الله بلزومها وحفظها؛ فوجد العدو منها طريقاً إليهم، فدخلوا منها)(2).
والحاصل مما سبق: أن معرفة السنة السابقة لا تفهم حق الفهم إلا بمعرفة الله (عز وجل) وتوحيده؛ فإنه (سبحانه) لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة، ولو تسلط الأعداء في وقت ما فإن عاقبة هذا التسلط هي الخير والتمكين؛ وذلك أن المؤمنين عندما يتسلط عليهم أعداؤهم وينالونهم بالأذى يدركون من واقع قوله (تعالى): ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)) أن مــــا أصابهم إنما هو بذنوبهم؛ فيكون الخير في تسلط الأعداء هو تغيير ما بالنفوس من خلل، وإحداث التوبة والاستغفار، وترك ما أوجب حلول المصيبة، وهذا خير في حد ذاته لم يكن لـيـظـهــــر لو استمر النصر والتمكين مع وجود المعاصي، وضعف الإيمان؛ لأنه ـ والحالة هذه ـ يستمر الفساد بدون إصلاح.
وهذا هو معنى السنة الثابتة التي لا تتغير، ألا وهي قوله (تعالى):
ج- ((إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد: 11].
ومثلها قـولــه (تعالـى): ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [الأعراف: 96]. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّاً.
د- قـولـــه (تعالى): ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)) [آل عمران: 178].
هذه الآية ترسم ميزاناً قويماً ثابتاً في أن إغداق النعم على العبد ليس علامة على كرامة الله له ومحبته إياه، ولا يدل على أنه في خير وسعادة، بل الغالب أن وراء الإملاء والنعم شرّاً وعذاباً، وفـي هــــــذا الميزان توجـيه للناس إلى حقيقة الابتلاء بالخير والشر، وألا تكون موازينهم في السعادة والـتـعـاسـة هي النظر إلى كثرة النعم أو قلتها؛ فكم كان الرخاء سبباً للعذاب ـ دنياً وأخرى ـ، وكم من أنــاس صـالـحـيــن حرموا في هذه الدنيا من نعمة المال والأولاد، ولكنهـم فـي خيـر وسـعـادة ـ دنياً وأخــــرى ـ. وهذه المعاني العظيمة لا يمكن إدراكها إلا في ضوء التوحيد وأنواره، وصدق الله العظيم: ((لا تَحْسَبُوهُ شَراً لَّكُم)) والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً، أذكر منها قوله (تعالى): ((فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)) [التوبة: 55].
7- التؤدة والأناة وعدم الاستعجال:
وهذه هي الثمرة السابعة من ثمار قوله (تعالى): ((لا تَـحْـسَـبُــوهُ شَراً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)) فإذا كان العبد لا يعلم أين يكون الخير والشر فيما يقضيه الله (سـبـحـانــه) إلا في ضوء ما أعلمه الله (عز وجل) عباده من السنن والثواب، ف