نظرات تربوية في خلق الصدق

 

عبد العزيز الجليل

(1)

منزلة الصدق منزلة عظيمة ليس في دين الإسلام فقط بل في جميع الأديان، لا لأنه خُلق من الأخلاق الحميدة فحسب، بل لأنــــه أصـل الإيمان المقبول عند الله عز وجل، وهو أساس النجاة من عذاب الله عز وجل ، وبه يتميز أهل الإيمان الحق من المنافقين الكاذبين، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة الصدق: »وهو منزل القوم الأعظم الذي مـنـه تنشأ جميع منازل السالكين،والطريق الأقوم،الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين«... إلى أن يقول: »فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهـوال، والباب الذي دخــل منه الواصــلون إلى حضرة ذي الجلال،وهو أساس بناء الدين، وعمود فسطاط اليقين ، ودرجته تالية لدرجة (النبوة) التي هي أرفع درجات العالمين«.
ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السـلــف في فضل الصدق وخطورة أمره وعلو شأنه.
ولقد اخترت هذه الوقفات التربوية لخلق الصدق في ضوء القرآن الكريم لمعالجة هذا الموضوع الذي يهم كل مسلم بصفة عامة ، ويهم الدعاة إلى الله عــز وجل بصفة خاصة ، لاسيما في واقعنا المعاصر ، وتتجلى أهميته في الأمور التالية:
الأمـر الأول:
لأنه أساس الإيمان ، وركنه الركين ، وأساس قبول الطاعات والقربات عند الله عز وجل، وعليه يترتب الأجر والثواب يوم القيامة،قال تعالى:((ليجزي الله الصادقين بصدقهم))(1) وقال تعالى:((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ تجري من تحتها الأنهار...))(2) ولأنه أساس الطاعات وجماعها ، فقد أصبح الصفة الفارقة بين المؤمن والمنافق.
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: »الصدق أساس الحسنات وجماعها، والكذب أساس السيئات ونظامها ، ويظهر ذلك من وجوه منها:
*أن الصدق هو المميز بين المؤمن والمنافق ، ففي الصحيحين عن أنس عن النبي: »آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان«(3) ، وفي حديث آخر: »على كل خلق يطبع المؤمن ليس الخيانة«(4)وقد وصف الله المنافقين في القرآن بالكذب في مواضع عدة ومعلوم أن المؤمنين هم أهل الجنة ، وأن المنافقين هم أهل النار في الدرك الأسفل منها.
*أن الصدق هو أصل البر، والكذب هو أصل الفجور، كما جاء في الصحيحين عن النبي: »عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر...«(5).
*أن الصادق تنزل عليه الملائكة،والكاذب تنزل عليه الشياطين كما قال تعالى: ((هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفَّاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون))(6)(7).
الأمر الثاني:
أن الصدق في كل الأمور يوصل صاحبه إلى مرتبة»الصديقية« ، التي هي المرتبة التالية لمرتبة النبوة، وعندما أقول في كل الأمــور أريد من ذلك عدم حصر الصدق في اللسان فقط، وإنما الصدق في النيات والأقوال والأعمال والأصل تحري الصدق في ذلك كله.
إن مجاهدة النفس على تحري الصــــدق في جميع الأمور يوصلها إلى هذه المرتبة العظيمة مرتبة»الصديقية« كما جاء في الحديث الـســـابق الذكر: »... ولايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا«(8).
وهنيئاً لمن وصل إلى هذه المرتبة ، فيا لها من رتــبـة ، وما أشـرف قدرها وأعظم فضلها ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في وصــــف أهل هذه الطبقة: »الطبقة الرابعة ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم ، وهم القائمون بما بعثوا به علماً وعملاً ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم ، وهذه أفضل مراتب الخلــق بعد الرسالة والنبوة ، وهي مرتبة الصديقية ، ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء فـقـــال تعالى: ((ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاْ))(9).
الأمر الثالث:
ثمرات الصدق العظيمة التي تحصل منه في الدنيا والآخرة من البركة والقبول والإصلاح في الدنيا ، والأجر العظيم والثواب الجزيل في الآخرة وسيأتي تفصيل كل ذلك إن شاء الله تعالى في (ثمرات الصدق).
الأمر الرابع:
خطورة الكذب والنفاق وأثرهما على الفرد والمجتمع والأمة وبخاصة في مجتمعاتنا اليوم التي كثر فيها الكذب والدجل والمداهنة ، وقل الصدق فيها والصادقون ، ولا أعلم والعلم عند الله عصراً ظهر فيه الكذب والنفاق بوسائله الماكرة المتطورة كما ظهر في عصرنا اليوم، حتى أصبح الكذب له مدارسه وأساليبه التي تعلم الناس كيف يكذبون ، وكيف ينافقون وكيف يدلسون... الخ ، ولا أبالغ إذا قلت إن وسائل الإعلام اليوم المقروءة منها والمسموعة والمنظورة قد قامت في أغلب برامجها على الكذب ، وقـلـب الحقائق وتسمية الأمور بغير أسمائها، وقد تجاوز الأمر حده حتى أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وظهر الحق في صورة الباطل ، والباطل في صورة الحق ، وأصبحنا نسمع من يقول عن المسلم الصادق الذي يتحرى الصدق بأنه ساذج وبسيط وسطحي... الخ ، في الوقت الذي يوصف الكاذب المنافق بأنه السياسي الحكيم المحنك ، إن مجتمعاً كهذا حري بالسقوط والدمار، ولا نجاة ولا فلاح إلا بالصـدق، والأمـة الصـادقـة مع ربهــا سبحـانــه ومــع رسولها-صلى الله عليه وسلم-لا تهزم أبداً.
الأمر الخامس:
ظهور بعض علامات ضعف الصدق في صفوفنا معشر الدعاة إلى الله عز وجل، وذلك بوجود بعض التصرفات والممارسات التي تتنافى مع الصدق في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله، فقلّ الصادقون الربانيون الذين يصدقون في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، ويضحون في سبيل الله عز وجل بكل ما يملكون لنيل مرضاته وحـبه، نعم إنه بمحاسبة عجلى لنفوسنا يتبين لنا هذا الضعف، وأننا في أمس الحاجة إلى تقوية هـــذا الخُلق، ونبذ كل ما يتنافى معه من صور الكذب والنفاق ووهن العزيمة، وضعف الهمة، وإلا فـمـا مـعـنـى وجود هذه الجهود الضخمة المبذولة اليوم في طرق الدعوة إلى الله عز وجل ، ثم لا نرى لـهـا إلا أثراً ضعيفاً لا يكافئ تلك الجهود المبذولة؟!
الأمر السادس:
إن الـصــراع الذي نشاهده اليوم بين الحق والباطل ، بين دعاة الشر والكفر ودعاة الخير والإصلاح ، ليحتم على أهل الخير حرصهم الشديد على الصدق مع الله سبحانه واليقين بنصره وثوابـــه ، حتى لا تزل الأقدام ، وتضعف العزائم إزاء هذا البلاء العظيم والمعركة الشرسة بين الحـــق والباطل ، وهذه المواطن هي التي يتميز فيها الصادقون عمن سواهم ، قال تعالى: ((الم * أحـســـب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))(10).
وكذلك أيام الفتن لا يثبت فيها إلا الصادقون العالمون العاملون ، وهم الذين يشرفهم الله عز وجل بنصره ، ويمكن لهم في الأرض ، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين.
حقيقة الصدق:
إن حقيقة الصدق أوسع من كونها الصدق في الحديث فقط ، وإنما حقيقة الصدق شاملة لصدق النية والعزيمة ، وصدق اللسان ، وصدق الأعمال ، يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى : »ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفي الأعمال كقول النبي-صلى الله عليه وسلم-في الحديث الصحيح: »كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مـــدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزناهما النظر ، والأذنان تزنيان وزناهما السمع، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان تزنيان وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه«(11).
ويفصّل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى القول في هذا المعنى فيقول: »والإيمان أساسه الصدق ، والنفاق أساسه الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر«.
وأخبر سبحانه: أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى: ((هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جناتِ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداْ رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوزٍ العظيم))(12) وقال تعالى: ((والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون))(13) ، فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله ، والصدق إنما يكون في هذه الثلاثة:
فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها ، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد ، والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الأخلاق ، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة ، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق ، وبحسب كمال هذه الأمور فيه ، وقيامها به تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية فسمي (الصدّيق) على الإطلاق، و(الصدّيق) أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول-صلى الله عليه وسلم-مع كمال الإخلاص للمُرْسل«(14).
الفرق بين الصدق والإخلاص:
الـصـــــدق والإخلاص عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب ، وأهم أصول الإيمان ، فأما الصدق فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق ، وأما الإخلاص فهو الفرقان بين التوحيد والشرك في قول القلب واعتقاده أو في إرادته ونيته والأعـمـال التي رأسها وأعظمها»شهادة أن لا إله إلا الله« لا تقبل إلا بتحقيق الصدق والإخلاص.
ومن هنا كان الصدق والإخلاص شرطين من شروطها ، ولذلك كذّب الله المنافقين في دعوى الإيمان، وقول الشهادة لانتفاء الصدق، فقال:((إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لـكـاذبون))(15) ، وقال: ((فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين))(16).
كـما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء الإخلاص فقال: ((لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة))(17)، إلى أن يقول:((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلـصـيـن لــه الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة))(18).
والصدق والإخلاص مع تقاربهما ترادفهما أحياناً يميز بينهما بتعريف ضد كل منهما: فالصدق ضده انتفاء إرادة الله بالعمل أصلاً،كمن آمن وصلى كاذباً ولم يرد الإيمان والصلاة، وإنما فعل ذلك لسبب آخر، كما فعله المنافقون حفظاً لأنفسهم وأموالهم من السيف، وجبناً عن تحمل أعباء المواجهة الصريحة للإيمان.
والإخــلاص ضده انتفاء إفراد الله بالإرادة والتوجه كمن آمن أو صلى صارفاً ذلك لأحد مع الله، وهذا هو الشرك الذي وقع فيه أكثر العالمين،وعلى قدر ما يحقق العبد الإخلاص لربه يكون ترقيه في»المخلصين« الذين صرف الله عنهم غـوايــــة الشـيـاطـيـن وأثنى عليهم في كل أمة»(19).
وللحديث بقية..
الهـوامـش:
(1)الأحزاب ، آية 24.
(2)المائدة ، آية 119.
(3)البخاري، كتاب الإيمان،ج24 الطبعة الأولى، ص14، مسلم كـتـاب الإيـمــان، الطبعة الأولى، طبعة دار الكتب العلمية.
(4)رواه الإمام الحاكم وضعفه الألباني.
(5)البخاري، كتاب الأدب، ج3 ص59، طبعة إستانبول؛ مسلم كتاب البر، ج2 ص438، طبعة الكتب العلمية.
(6)الشعراء:221-222
(7)مجموع الفتاوى ، 20/74.
(8)سبق تخريجه في رقم (5).
(9)النساء ، آية 69.
(10)سورة العنكبوت:1.
(11)البخاري ، 10/22 كتاب الاستئذان.
(12)سبق تخريجها في رقم (2).
(13)مدارج السالكين ، 2/269.
(14)الزمر:33.
(15)المنافقون:1.
(16)العنكبوت:3.
(17)البينة:1.
(18)البينة:5.
(19)ظاهرة الإرجاء في الفكر المعاصر ص 438.


(2)

في الحلقة الأولى، تطرق الكاتب إلى منزلة الـصـدق العظيمة، ومبررات تناول هذا الموضوع، وحقيقة الصدق والفرق بين الصدق والإخلاص، ونـواصـــل مــع الكاتب نظرات أخرى في الموضوع.
-الـبـيـان-
وعلى ضوء ما سبق يتضح للقارىء الكريم أن الصدق أنواع ومراتب تتجلى فيما يلي:
1- صـدق الـنـيـة:
وذلك بأن تكون النية خالصة لله عز وجل وابتغاء مرضاته ، وأن لا يكون هناك باعث في الحركات والسكنات إلا مرضاة الله عز وجل ، فإن شاب النية شيء من حظوظها لم تكن صادقة ، وإن تكلم العبد بلسانه خلاف ما في قلبه فهذا أيضاً دليل على عدم الصــدق في النية ، والأدلة في ذلك كثيرة منها قوله تعالى في وصف المنافقين: ((يقولون بألسنتهـم ما ليس في قلوبهم))[الفتح:1] وقوله تعالى:((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون))[ هود:15،16].
ومن الصدق في الـنـيـة: الصدق في العزيمة على الفعل إذا تمكن منه، لأن النية قد تكون صادقة، لكن العزيمة على الفعل ضعيفة وصاحبها متردد،وقد تكون العزيمة صادقة،لكن إذا جــد الـجـــــد، وعزم الأمر، وهاجت الشهوات خارت وضعفت، ولم يحصل الوفاء بالعزيمة، وقد لا تضعف في البداية لكن إذا باشرت الفعل وذاقت مرارته ضعفت وخارت، والموفق من وفقه الله تعالى وأمده بعونه ورحمته، ولو وكل العبد إلى نفسه ضاع وهلك، فيا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبداً.
2- الصـدق في الأقـوال:
وذلك لا يكون إلا في الأخبار ، أو مـــا يتضمن الإخبار ، والخبر إما أن يتعلق بالماضي فلا يخبر عن الأشياء على خلاف ما هي عليه ، أو بالمستقبل كالوفاء بالوعد والعهد(1).
وهذه المرتبة من الصدق هي التي يحصر كثير من الناس الصدق فيها ، ولا يتجاوزونها إلى غيرها ، ولا شك أنها مرتبة عظيمة وتكميلها من أعز الأمور وأشقها على النفس ، ولكنها يسيرة على من يسرها الله عليه ، وجاهد نفسه في تحقيقها.
صور من الصدق في الأقوال:
والصدق في الأقوال له صور عديدة منها:
أ- الصدق في نقل الأخبار:
فلا ينقل المسلم إلا الأخبار الصادقة ، وهذا بدوره يتطلب مــن الناقل التثبت فيما يقال ، واجتناب الظنون والأوهام والحذر من التحدث بكــل مــــا يُسْمَعُ ، فمن حفظ لسانه من الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه ، فهو صادق في خبره وهذا يقتضي الابتعاد عن الظنون والإشاعات. قال -صلى الله عليه وسلم-: »إياكم والـظـن فـــــإن الظن أكذب الحديث«(2) ، وقال: »كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع« (3).
ب- الصدق في الوعد:
لأن إعطاء الوعد غالباً ما يكون بالقول ، فالوفاء بالوعد من الصدق في الأقوال ، وإخلافه يعد كذباً ، إلا إذا كانت النية عند إعطاء الوعد صادقة ثم حال بينه وبين تنفيذ الوعد أمر خارج عن إرادته ، فإن هذا لا يعد إخلافاً للوعد وبالتالي لا يعتبر كذباً ، والوعد قد يكون على مكان معين أو في زمن معين أو على أعطية أو زواج أو أي أمر آخـــر يعـد به الرجل أخاه ، فإن الإخلاف في هذه الأمور وأمثالها بدون مبرر شرعي يعتبر كذباً لقوله تعالى: ((واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاْ نبياْ))[مريم:54].
ج -الوفاء بالعقود والعهود:
وهذا أيضاً من الصدق في الأقوال ، فإخلاف العهد والغدر فيه من أشد أنواع الكذب. قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود))[المائدة:1] وقال تعالى: ((والموفون بعهدهم إذا عاهدوا))[البقرة:177]. ومن الوفاء بالعهد حفظ الأسرار وكتمانها ، ولعل قوله -صلى الله عليه وسلم- في التحذير من صفات المنافقين خير شاهد لما سبق ذكره ، يـقـــول صلى الله عليه وسلم: »أربع من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهـن كان فيه خصلة من النفاق: إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر«(4).
3- الصـدق في الأعـمال:
وهو استواء الأفعال على الأمر والمتابعة ، وأن يجاهد العبد نفسه في أن تكــون سـريـرتـه وعلانتيه واحدة ، وأن لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصـف بـه حـقيقة: كمن يتظاهر بالخشـوع في الظاهر والقلـب ليس كذلك أو يتظاهر بالحرقة على الدين والغيرة على المحــارم وهو في الباطن ليس كذلك والصور كثيرة جداً فمنها صور الرياء المختلفة، والـقـول باللسان ما ليس في القلب ، وهذا لا يعني أن يترك المرء الأعمال الصالحة حتى يصلح باطنه، كلا ولكن يجاهد نفسه في أن يستحيل باطنه إلى تصديق ظاهره، يـقــــول صـاحـب الإحياء: »إن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص ، وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق« ، وقال يزيد بن الحارث: »إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النّصَفُ ، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل ، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور« ، وقال معاوية بن مرة: »من يدلني على بكّاء في الليل بسّام في النهار؟« أ.هـ.
4- الصـدق في مقامات الدين:
وهو أعلــى الـدرجـــات وأعزها ، الصدق في مقامات الدين كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور فإن هذه الأمور مباديء ينطلق الاسم بظهورها ، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها ، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقاً فيه ، كما يقال: فلان صدق القتال ، ويقال: هذا هو الخوف الصادق وهذه هي الشهوة الصادقة... وقال الله تعالى: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثـم لـم يـرتـابــوا)) إلى قوله ((أولئك هم الصادقون)) [الحجرات:15] وقال:((ولـكـن البـر مـن آمـن باللـه والـيـوم الآخـر)) إلـى قـولـــــه:((أولـئــك الـذيــن صدقوا))[البقرة:177].
من علامات الصدق:
إن للصدق علامات ومظاهر تنفي ضدها ، وإذا لم توجد أو كانت ضعيفة فإن ذلك دليل على ضعف الصدق ، وتسلط العوائق عليه ، ومن هذه العلامات ما يلي:
1- طمأنينة القلب واستقراره:
إن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في القلب ، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك وضعف الصدق أو عدمه ، يقول صلى الله عليه وسلم: »دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة« (5).
2- الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله عز وجل:
ومن علامة طمأنينة القلب النابعة من الصدق انشراحه وزهده في الدنيا والتأهب للآخرة ، قال تعالى: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاْ كأنما يصعد في السماء))[الأنعام:125] ، لما نزلت هذه الآية سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن شرح الصدر فقال: »نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح«،قيل فهل لذلك أمارة؟ قال: نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور،والاستعداد للموت قبل نزول الموت« (6).
فالصادق مع الله عز وجل لا تراه إلا متأهباً للقاء ربه ، مستعداً لذلك بالأعمال الصالحة ، والقيام بأوامر الله عز وجل والانتهاء عن نواهيه ، يريد بذلك وجه الله عز وجل متبعاً في ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم .
3- سـلامة القلـب:
إن من علامة الصدق سلامة القلب ، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين ، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلاً للمؤمنين ولا شراً، بل إن حـب الـخـيـــر والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته ، وهذه الحالة القلبية تظهر علاماتها على الأعمال ، وذلك بتجنب الظلم والعدوان والاستطالة على الأعراض ، والحرص على العدل والقسط مع الناس ، والانطلاق بما في الوسع لقضاء حاجات المسلمين وإغاثة ملهوفهم ودفع الظلم عنهم والحزن على مصابهم والفرح لفرحهم. إن كل هذه الخلال تفرزها سلامة القلب الذي يترتـب عليه أيضاً مظهر من مظاهر الصدق ألا وهو محبة الناس لمن هذه حاله ، فيصبح مألوفــاً لهم لأنه صدق معهم ؛ فألفهم وألفوه ، وتواضع لهم فأحبوه ، وهذا مصداق قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: »المؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف«(7).
4- حفظ الوقت وتدارك العمر:
إن الصادق في إيمانه لا تجده إلا محافظاً على وقته شحيحاً به ، لا ينفقه إلا فيما يرجو نفعه في الآخرة ، ينظر إلى العمر كله كأنه ساعة من نهار وإلى الدنيا كأنها ظل شجرة نزل تحتها ، ثم قام وتركها ، فبادر بالأعمار الصالحة فراغه وصحته ، وشبابه ، وحياته ، وابتعد عن كل آفة تقطع عليه طريقه ، وتضيع عليه وقته ، وتبدد عليه عمره القصير بما لا ينفع.
5- الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك:
ويتبع ذلك الزهد فيما عند الناس ، والقناعة بما كتب الله عز وجل ، وهذه الصفة إذا وجدت فهي علامة على الصدق والإخلاص ، وهي تنبع أصلاً من صحة المعتقد ، وكمال التوحيد لله عز وجل ، وحول هذه الصفة والوصول إليها يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : »لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار«.
6- إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور:
إن من عـلامــة صدق العبد فيما يعمله لله عز وجل حرصه على إخفاء عمله وكراهة اطلاع الناس عليه ، كما أن كراهة الشهرة والظهور علامة من علامات الصدق الذي يبعد صاحبه عن الرياء والـسـمـعة والتصنع للخلق ، فكلما كان العبد صادقاً مع ربه عز وجل كلما كان حريصاً على إخـفــــاء أعماله حيث لا يطلع عليها إلا الله عز وجل ، الذي يسمع ويرى ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها ، وإن حياة سلفنا الصالح مليئة بهذه النماذج الوضيئة نذكر منها ما يلي:
* عن أبي حمزة الثمالي قال: كان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به ويقول: »إن صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل« (8).
* وقال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس ، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به.
7- الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين:
إن من أخطر ما على النفوس أن ينشغل العبد بغيره بالنقد والتقويم وينسى نفسه والتفتيش عن عيوبها ، وهذا للأســـف كثير عندنا في زماننا هذا ، وإن من علامات صدق العبد مع ربه ومع نفسه أن ينشغل بنفسه وإصلاحها وتقويمها أكثر مما يعطيه لغيرها ، وإذا وجدت هذه الصفة نتج عنها المحاسـبـة للنفس والتربية والتزكية لها ، كما ينتج عن ذلك أيضاً احتقار النفس في ذات الله عز وجل والنظر إليها بالتقصير في جنب الله ، وبالتالي تنتفي صفات العجب والغرور والاعتداد بالنفس ، وعلى هذا فلا يجتمع الصدق والعجب في قلب مؤمن أبداً ، كما إن هذه الصفة تطـهـر القلب من الحقد على المسلمين ، وتصيّد أخطائهم وعثراتهم والتفكه بذلك في المجالس بحجة الدعوة وبيان الأخطاء والتحذير منها.
8- الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله عز وجل:
إن الصدق في محبة الله عز وجل ومحـبـة ديـنـه تقتضي أن يكون أمر هذا الدين هو شغل المؤمن الشاغل ، حيث لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال وهو يرى دين الله عز وجل ينتهك ويقصى من الحياة ، وبالتالي يرى الفساد المستطير يدب في أديان الناس ودمائهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم. إن المؤمن الصادق لا يقدّم علـى هــــذا الهم الأكبر أي اهتمام من أمور الدنيا الفانية ، ولكن إلى الله نشكو حالنا ، وضعف إيماننا وركوننا إلى دنيانا حيث إننا إذا رجعنا إلى قلوبنا وما هي الاهتمامات التي تملؤها ، لم نجد عند أكثرنا وياللأسف إلا اهتمامات دنيوية بحتة هي التي تحتل الأرقام الأولِى فـي تفكـيرنا ، فمنا من همه الأول منصب يحصل عليه ، أو شهادة يستلمها ليعيش بها ، ومنا مــن همه زوجته وأولاده أو تجارته وأمواله... الخ. هذه الاهتمامات الفانية ، ثم إن كان هناك فضول تفكير واهتمامات جاء أمر هذا الدين والدعوة إليه بعد الاهتمامات السابقة ، وهـــذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الصدق عندنا في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى »وأي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يرغب عنها، وهو بارد القلب، سـاكت اللسـان ، شيطان أخرس كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق«.
9- الـتـمـيـز:
إن التميز في حياة المؤمن أمر ضروري جداً خاصة في عصور الغربة ، وإن المسلم الصـــادق يُعرف بتميزه وإصراره على دينه بين الناس، فيعرف بصحة معتقده عند فساد المعتقدات، وبالتزامه بالسنة عند فشوا المبتدعات، وبصدق إيمانه إذا فشا الكذب والنفاق، وبعبادته إذا الناس يلهون ويلعبون ، وبأخلاقه إذا هدرت الأخلاق وضيعت.
هذه بعض صفات الغرباء الذين قال فيهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-: »طوبى للغرباء أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم« (9).
10- قبول الحق والتسليم له:
إن من علامات الصـدق لدى المسلم إذعانه للحق وقبوله من أي أحد كان فالصادق لا تراه إلا باحثاً عن الحق الذي يتعبد به لربه عز وجل ويقربه إلى مولاه ، وإذا بان له الدليل ولا ح له الحق فرح به ووجد فيه بغيته ، ولا يرده إبداً سواء أكان قائله صغيراً أو كبيراً، أكان عدواً أو صديقاً ، وإذا وجدت هذه الصفة الكريمة عند المسلم ، وصارت من عاداته وأخــــلاقه فإنها تنفي كثيراً من الصفات الذميمة مثل الكبر والاستعلاء والتعصب للآراء والتحزب للأشخاص والهيئات ، كما أنها تورث المحبة والألفة بين أهل العلم والدين ، وتورث الاجتماع والائتلاف وتنفي الفرقة والاختلاف ، كما أن قبول الحق والتمسك به يقتضي القول به والدعوة إليه دون لبس أو تردد ، فالصادق لا تراه إلا صادعاً بالحق لا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يجامل ولا يداهن.
هذه بعــض صـفـــات الصادقين.. والله نسأل أن يجعلنا من الصادقين قولاً وفعلاً.. والله المستعان.
هـوامـش:
(1)إحياء علوم الدين 4/533.
(2)البخاري 9/171.
(3)صحيح مسلم ، المقدمة.
(4)متفق عليه.
(5)رواه أحمد 1/201 ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح1/637.
(6)هذا الحديث قواه ابن كثير لتعدد طرقه 2/176.
(7)رواه الإمام أحمد ، ج2 9187.
(8)صفة الصفوة 3/61.
(9)رواه الإمام أحمد ، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 3921.


(3)

نشــرت الحلقتان الأولى والثانية من هذه الدراسة في العددين (75) و(76) من هذه المجلة، ولـظـــــروف فـنـية تأجلت هذه الحلقة الأخيرة حيث يضع الكاتب بين يدي القارئ هذه الهموم والأشجان في صورة رسائل إلى من يهمه الأمر.
- الـبـيـان -
الرسالة الأولى إلى علماء الأمة وطلاب العلم فيها:
أوصي نفسي وإياكم بما أوصى به ربنا عز وجل عباده المؤمنين ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين))[التوبة: 119].
يا علماءنا الأجلاء: يا من تعقد عليهم الأمة أملها بعد الله سبحانه في إنقاذها مما هي فيه من جهل ومـحــــن وبلاء ((اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)) وإن من لوازم الصدق مع الله سبحانه وتعالى ومع عباده المؤمنين ، الحذر الشديد من الدنيا وزينتها وزخرفها ، فلا أضر على العالم منها ، ولـــذا كان سلفنا الصالح يحذرونها أشد الحذر ، فبارك الله في علمهم وعملهم ، وأصلح الله بهم ما فسد.
أيها العلماء الأجلاء: إن أمـتـنـــا الإســـلامية تمر في هذا الزمان بمحن شديدة وهي تنتظر كلمتكم ، فإذا سكتم فمن لعقيدة الأمة التي يسعى الأعداء لإفسادها ومن لدماء الأمة التي تسفك وتستباح يوماً بعد يوم ، ومن لأعـــراض الأمة وأخلاقها التي تنتهك باسم الحرية والتقدم والتحضر ، ومن لأموال الأمة واقــتـصـــــادها الذي تسري فيه نار الربا والبيوع المحرمة؟!
ودعـــاؤنا إلى الله عز وجل أن تلتحم صفوف المصلحين في هذه الأمة من علمائها ودعاتها ومجاهـديـهـــا وقادتها ليكونوا يداً واحدة في الإصلاح والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، راجياً أن &