|
(1-2)
الشكر هو: الاعتراف بالإحسان(1)، يقال: شكرتُ الله، وشكرتُ لله، وشكرتُ
نعمة الله... والـشـكــــر مـثــل الحمد، إلا إن الحمد أعم منه، فإنك تحمد
الإنسان على صفاته الجميلة، وتحمده على معروفه وإحسانه، لكنك لا تشكره إلا
على معروفه دون صفاته.
وأصل الاستعمال اللـغــوي للـشـكـــــر هو ظهور أثر الغذاء في جسم الحيوان،
فالشّكور من الدواب: ما يكفيه العلف القليل، أو الذي يسمن على علف قليل،
فيكون الشكر هو: ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيمـانـــاً،
وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة، ويكون القليل من النعمة
مستوجباً للشكر الكثير، فكيف بالكثير منها؟!.
الشكر شعبة من شعب الإيمان: وشعب الإيمـان هي صفاته وأخلاقه المتفرعة عنه،
مثل: الصبر، والرضا، والتوبة، والإنابة، والـخـــوف، والرجاء، والرغبة،
والرهبة، والتقوى، والورع، والخشوع، والإخبات، والإحسان، والعبادة.
هذه الشعب، وإن كانت جميعها تتفرع عن الإيمان، فهى آثاره في باطن المؤمن
وظاهره، إلا إن بينها فروقاً تميز بعضها عن بعض، وبـعـضـهــــا أعــــم من
بعض، ومن شعب الإيمان الجامعة: الشكر؛ فإن كثيراً من الشعب الأخرى تطبيق
عـمـلـي لـــه، كما إن شعباً أخرى تطبيق عملي للصبر الذي يقابله، فيكون
الإيمان نصفين: نصف شكر، ونصف صبر.
وقد اقترن الصبر والشكر في كتاب الله (تعالى) في مواضع، مثل قوله (تعالى):
((إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)) [ إبراهيم: 5].
فالشكر على النعمة يقابله الصبر على الضراء، وفي الحديث: (عجـبـاً لأمر
المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن
أصابته ضراء صـبـر فـكـــان خيراً له)(2).
ويـتـداخل الشكر والصبر في شعب عديدة، فيبدو الشكر أعم من الصبر من بعض
الوجوه، والصبر أعم من الشكر من وجوه أخرى، ومما يبدو به الشكر أعم: أنه
يكون على كل ما قضى الله (تعالى)، بما في ذلك ما يستوجب الصبر، فالمؤمن
يشكر ربه على ما نزل به من ضراء ويـصـبـر، وشـكـــره ذلك لإيمانه الراسخ
بأن الله (تعالى) حكيم رحيم، فالخير فيما اختاره، وما ظنه العبد مـصيبة هو
بعاقبته نعمة، ويكفي أن الله (تعالى) يكفِّر بها خطاياه ويكتبها له في
حسناته إلى يوم يلقاه، والمقصود: أن كل ما يستوجب صبر المؤمن فإن الشكر
يخالطه، فهو بهذا المعنى أعم من الصبر.
والشكر صفة من صفات الله (عـــــز وجل): فقبل أن يُشَرف الحق (سبحانه
وتعالى) عباده بدعوتهم إلى التخلق بالشكر أخبرهـــم أنــــه في حقه صفة من
صفات كماله، فمن أسمائه الحسنى: (الشّكُور)، لا يبخس العبادَ أعمالهـم، ولا
يظلمهم حقهم، بل يجزي بالحسنة أضعافها، ويجزي بالسيئة مثلها وقد يعفو
ويغـفـــر، يثني على عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويضاعف أجرهم
وثوابهم، قال (عز وجل): ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إن
شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً)) [النساء: 147].
وقال (سبحانه): ((إن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ
لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)) [التغابن: 17]، ويوم
القيامة: يرى الناس من هــــذه الصفة الإلهية ما لم يروه في الدنيا، وعند
ذلك يقول المؤمنون ما قال الله عنهم في كتابه: ((وَقَالُوا الحَمْدُ
لِلَّهِ الَذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
شَكُورٌ)) [ فاطر: 34].
والشكر خلق من أخلاق الأنبياء: فهم أول من اقتبس من نور هذه الصفة الإلهية،
فشكروا الله (تعالى) فشكر الله لهم، قال (تعالى) عن نوح (عـلـيه السلام):
((إنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً)) [الإسراء: 3]، وقال عن إبراهيم (عليه
السلام): ((إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً
وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ)) [النحل: 120]، وقال عن سليمان (عليه
السلام) ـ لما رأى عرش بلقيس مستقرّاً عنده ـ: ((فَلَمَّا رَآهُ
مُسْتَقِراً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَـضْــلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي
أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)) [النمل: 40]، وكان نبينا محمد أول الشاكرين،
فقد قام بواجب الشكر على أكمل وجه، وامتثل لأمر ربه الذي قال له: ((بَلِ
اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)) [الزمر: 66]؛ أخرج الشيخان
عن عائشة (رضي الله عنها)، قالت: (كان الـنـبي -صلى الله عليه وسلم- يقوم
من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر
لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً)؛ فهو النبي
-صلى الله عليه وسلم- الذي لا يلحقه أحد في معرفة النعمة وتعظيمها وشكرها
بالقلب واللسان والجوارح.
والشكر خلق من أخلاق المؤمنين: وإنما كان الشكر من أخــلاقهم لأن الإيمان
يُعَلِّمهم أنهم وما يملكون لله، وما هم فيه من نعم محضُ فضل الله، فكيف لا
يشكرون؟، ويعلمهم أنهم إذا شكروا الله (تعالى) فإنما يشكرون لأنفسهم؛ لأن
خير هذا الشكر يعود إليهم، والله غني عنهم، قال الله (تعالى): ((يَا
أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ)) [البقرة: 172]، وقال
(سبحانه): ((وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ)) [لقمان: 12].
الشكر في الناس قليل: إذا كان الشكر من صفات الأنبياء والمؤمـنـين، فإنه
ليس كذلك عند كل الناس؛ فالانتفاع بالنعم والغفلة عن المنعم بها سمة أكثر
البشر، على الرغم من ظهورها وكثرتها وإحاطتها بهم من كل جانب، ((وَلَقَدْ
مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً
مَّا تَشْكُرُونَ)) [الأعراف: 10]، وقوله (تعالى): ((وَهُوَ الَذِي أَنشَأَ
لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا
تَشْكُرُونَ)) [المؤمنون: 78]، وقوله (تعالى): ((وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ)) [سبأ: 13].
تقصير أهل هذا الزمان في الشكر: ولو كان الناس يُحْدثون لكل نعمة شكراً،
لكان أهل هذا الزمان أَشكر لله من كل من سبقهم، لكثرة ما فتح الله عليهم من
نـعـمـــة، آثرهم بها على غيرهم، فهم يشتركون مع السابقين في نعم لا تحصى،
ويزيدون عليهم بـنـعــــم أخرى لم يعرفها المتقدمون على الرغم من وجودها في
الأرض، وإنما تمكنوا من اكتشافها فـي هــــذا العصر لتقدم علومهم، والعلوم
هبة العقل، والعقل هبة الله الأكرم الذي علم الإنسان ما لم يعلم.
لقد حصل تطور هائــل في الإنتاج الزراعي والحيواني، وفي النقل ووسائل
المواصلات، وفي الـلـبــــاس والـزيـنــة، وفي الكسب والاحتراف، وفي السكن
والفراش والأثاث، وفي الطب والعلاج، وفي الإعلام والتواصل، وفي كل مجال
تقريباً نجد تطوراً كبيراً غيّر ظروف الناس نحو الأحسن ومكّنهم في الأرض ما
لم يمكن لمن قبلهم.
ويبدو موقف هذا الجيل صعباً عندما يلقى ربه، بالنظر إلى المفارقة العجيبة
بين ازدياد النعم وتناقص الشكر، فالنعم تزيد والشكر ينقص، وصدق الله:
((إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لا يَشْكُرُونَ)) [البقرة: 243].
الشكر يقابله الكفر: فشكر النعمة: ذكرها ونشرها، وكفرها: جحدها وحجبها، قال
الله (تعالى): ((وَمَن شَكَرَ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ
فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)) [النمل: 40]، وقال (عز وجل): ((إن
تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الكُفْرَ وَإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)) [الزمر: 7].
ومن أسباب كفر النعم: الغفلة عنها ونسيانها؛ أو تفسير مصدرها تفسيراً
باطلاً، فتصده شبهات أو شهوات عن رؤية النعم أو رؤية المنعم بها، وإذا
تسلطت الشبهات والشهوات على قلب ابن آدم كثرت فيه الأفكار الباطلة
والإرادات الفاسدة، ومن ذلك: ما ذكره الله (تعالى) عن قارون عندما ذكّره
قومه بأن ما أدركه من مال نعمة من الله، فليحسن كما أحسن الله إليه ((قَالَ
إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)) [القصص: 78]، وظن أن تلك الأسباب
التي أدرك بها ذلك المال نتيجة علمه ومهارته، وغاب عنه أنه وما يملك لله
وحده، وأنه لا يرد عن نفسه ولا عن ماله الهلاك إذا شاء الله (تعالى) أن
يهلكه أو يهلك ماله، وكذلك كان، لكنه لم ينتفع بآيات الله لما نزلت به،
وإنما انتفع بها من اغتر به من قومه، أما هو فقد ذهب عِبرة لمن خلفه،
والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ الغير به.
فحتى لا يكفر العبد نعمة الله يجب أن ينظر إلى ما وراء الوسائط والأسباب
حتى لا تحجبه الوسائط عن رؤية المنعِم الذي قدرها، قال (تعالى): ((وَمَا
بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ....)) [النحل: 53].
الشكر درجات: إذا كانت النعم تتفاضل، فهل يتفاضل الشكر؟، والجواب: نعم،
فالشكر أشبه بمتصل يبدأ بأسوأ درجات الكفر وينتهي بأعلى درجات الشكر، فإذا
كان الكافر محروماً من هذا الخلق ولا حظ له فيه، فإن المؤمنين بعد اشتراكهم
في أصل الصفة يتفاوتون فيها زيادة ونقصاً، بل تتفاوت أحوال الواحد منهم،
فلا يكون شكره على درجة واحدة في كل أوقاته ومراحل عمره، وحتى ينافس المسلم
على هذه الدرجات: ينبغي أن يدخل حلبة السباق متسلحاً بالعلم اللازم، وذلك
بأن يعرف مراتب الشكر الثلاث، وهي: شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح.
شكر القلب: أول الشكر: علم، ومحله: القلب، فيعلم أن الله (تعالى) هو المنعم
بكل النعم التي يتقلب فيها، فالالتفات إلى النعمة وحدها لا يجعل القلب
شاكراً حتى يفسر: هذه النعمة من أين جاءت؟، ومَنْ ساقها إلى الإنسان؟، وما
دور الأسباب التي حصلت بها؟.
وقد جاء القرآن الكريم ليدفع جميع التفسيرات التي تنسب النعم لغير الله،
قال (تعالى): ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)) [ فاطر: 3]، وقال
(عز وجل): ((أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ
يَكْفُرُونَ))[العنكبوت: 67].
إن رصد النعم، والتعرف إليها، وتسميتها.. مرحلة تمهيدية لابد منها لشكر
القلب، ولذلك أمر القرآن الكريم بإحصاء النعم ليكتشف الإنسان كثرتها وعجزه
عن الإحاطة بها، فيعتبر بما عرف منها وأحصى، ويعتبر بما عجز عن معرفته
وإحصائه، ولا يفهم من الآية الآتية عكس هذا؛ لأنها جاءت عقب مجموعة من
النعم سماها القرآن الكريم وعدها، ثم قال: ((وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ
اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [النحل:18].
وهناك طرق يمكن أن يسلكها القلب ليجمع بها في عالمه الذهني ما يوجد من
النعم في العالم الخارجي، ومنها: ردها إلى أصولها، فالنعم أصول وفروع،
فالصحة نعمة أصلية، يتفرع عنها: الحركة، والمشي، والعمل، والرياضة، والأكل،
والشرب، والنوم، والسفر، والتعلم.. ومثل الصحة: الوقت، والعلم، والمال..
فهي نعم أصلية تندرج تحت كل واحدة نعم لا تحصى.
ومن هذه الطرق: ضم النعم إلى ما يجانسها ويشابهها، ونستطيع أن نصف النعم
التي أنعم الله بها علينا في ثلاث دوائر، تضم كل واحدة عدداً لا يحصى من
النعم.
فالأولى: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مخلوقات، فهي نعم
متفرعة عن نعمة الخلق والإيجاد، والثانية: تشمل النعم التي أنعم الله بها
علينا بوصفنا آدميين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الآدمية والإنسانية،
والثالثة: تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مسلمين، فهي نعم
متفرعة عن نعمة الهداية والإيمان.
فالدائرة الأولى: تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا
على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن
هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على
الأرض مستحيلة.. وعلى سبيل المثال: لو كانت الأرض أقرب إلى الشمس مما هي
عليه الآن لكانت كالكواكب القريبة منها كوكباً ملتهباً وساخناً تصل حرارته
إلى بضع مئات، ولو كان القمر أقرب إلى الأرض منه الآن لارتفع المد في
البحار إلى الدرجة التي تغرق فيها المناطق الساحلية المأهولة، وإذا زاد
المد أزالت الأمواج أعلى قمم الجبال في أيام، ولو لم يكن للأرض غلاف هوائي
لم يمكن وجود حياة، ولو لم يكن فيها ماء لم يظهر كائن حي واحد، ولو لم تكن
تدور على نفسها وحول الشمس لم يمكن بقاؤها في مدارها، بل إن وقوفوها للحظة
واحدة يعني اجتذاب الشمس لها وفناءها السريع بالاندماج مع هذا النجم
المشتعل الذي يزود الأرض بحاجتها من الضوء وهو على بعد مئة وخمسين مليوناً
من الكيلومترات.. والأمثلة لا تحصى.
والدائرة الثانية: تجمع النعم التي خص الله بها الإنسان من دون سائر
الحيوانات التي تشاركه الحياة على الأرض، ومنها: أنه (سبحانه) خلقه بيده،
ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله عاقلاً ناطقاً، وسخر له ما في
السموات والأرض، وأنزل إليه الكتب، وبعث إليه الرسل، ووعده على الإيمان
والطاعة بالجنة.
فهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه النجوم، والجبال، والبحار، والأنهار
والأشجار، والـدواب، والأنـعــــــــام، والأسماك، والمعادن، والثمار..كلها
سخرة له، يأكل، ويلبس، ويفترش، ويدخر، ويتـنـزه.. فتمت نعمة الله عليه بما
أعطاه من قدرة على التسخير، وبما جعل في هذا الكون من استعداد للتسخير.
((أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لـَـكُــــم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً))
[لقمان:20]، ((اللَّهُ الَذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ
وَسَخَّرَ لَكـُــمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وسَخَّرَ
لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُم مِّن
كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا
تُحْصُوهَـــــا إنَّ الإنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)) [ابراهيم: 32،34]،
((وَهُوَ الَذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَاًكُلُوا مِنْهُ لَحْـمـــاً طَرِياً
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ
مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
(14) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً
وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا
تَذَكَّرُونَ (17) وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إنَّ
اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [النحل: 14 18]، ((وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم
مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً
وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم
بَاًسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْلِمُونَ (81) فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ
(82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ
الكَافِرُونَ)) [النحل: 81 83].
والدائرة الثالثة: تشمل النعم التي خص الله بها المؤمنين دون سائر الناس،
وأعظمها في الدنيا هي: نعمة الإيمان نفسه، وأعظمها في الآخرة: رضوان الله
(تعالى)، ورؤيته، وجواره في جنته، وصحبة الأنبياء والصديقين والشهداء
والصالحين من عباده.
((يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ
إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إن
كُنتُمْ صَادِقِينَ)) [الحجرات: 17]،((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ
دِيناً)) [المائدة: 3].
وتتفرع عن نعمة الهداية والإيمان نعم كثيرة، منها: الأمن، والسكينة،
والمغفرة،والرحمة، والتيسير، والرزق الواسع، والبركة في المال والعمل
والأهل.. وغيرها كثير.
هذه دوائر ثلاث تصنف النعم حسب أنواعها وأجناسها.
أما اكتشاف النعم والتعرف عليها تفصيلاً فله طريقان، هما: الوحي، والعقل،
فالكتاب والسنة ذكرا نِعماً كثيرة، وأرشدا إلى وجوه المنافع الكامنة فيها،
وبيّنا طريق شكرها.. والعلوم البشرية ـ طبيعية، وإنسانية ـ اكتشفت نعماً
أخرى، ولا زالت تكشف نعماً جديدة أو منافع جديدة لنعم معروفة.
كثير من النعم لا يحتاج الإنسان إلى العلوم المتخصصة ليعرف منافعها
وفوائدها، لكن هـذه العلوم تُوسِّعُ معارف الإنسان، فيعرف منها ما لا
يعرفـه بالـنـظـر الـعـــــادي أو بالتجربة العادية، فالحواس الخمس،
واللسان والفم، واليدان والرجلان، والماء والهـواء، والطـعـام واللباس،
والشمس والقمر، والليل والنهار.. نِعَم يستطيع كل إنسان أن يعد منافعها،
ولكن العلوم التي درست هذه النعم تعرف عنها أكثر مما يعرفه الشخص العادي،
فهذه العلوم في مسيرتها الطويلة كشفت ـ بقصد أو بغير قصد ـ من وجوه المنافع
في الشيء الواحد ما يجعل نعمة واحدة من نِعَم الله نعم لا تـحـصى، وهذا وجه
آخر في معنى قول الله (تعالى): ((وَإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا
تُحْصـُـوهَــا)) [النحل: 18]؛ لأن إحصاءها لا يمكن إلا وهي محصورة، فكيف
وهي تتجدد، وتزيد، ويظهر فـي نـعـم مـعــروفة ما لم يكن معروفاً؟، فكيف
يحصي الإنسان شيئاً لا ينحصر؟.
يقول الله (تعالى): ((فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)) [الطارق: 5].
ويقول (سبحانه): ((فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إلَى طَعَامِه)) [ عبس: 24].
فلو قام الإنسان برحلة عقلية مع الجنين في أطوار خلقه حـتــى يـصـير
إنساناً سويّاً، وقام برحلة مماثلة مع الطعام خارج الجسم ثم داخل الجسم حتى
يصير غـائـطــــــاً وبولاً.. ما استطاع أن يحصي نعم الله عليه في هاتين
الرحلتين اللتين يمر بالأولى مرّاً، أو يمر بالثانية آلاف المرات، فيكف إذا
استعان بما قاله علم الأجنّة عن الرحلة الأولى وما قــالــــه عـلـم
الفـسـيولوجيا عن الثانية؟، ومع كل نعمة احتمالات عقلية أخرى لِما كان
سيحدث مــــن أنواع الاختلالات والأعراض والإصابات لو لم تسر الأمور سيراً
طبيعيّاً، فالنعم تعرف بما يقابلها من المحن، وكثيراً ما نجد في القرآن
الكريم التذكير بالنعمة وبالاحتمالات العقلية المقابلة، كقوله (تعالى):
((أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ
أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ
جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ)) [الواقعة: 68 70].
أي: لو نشاء جعلناه مالحاً، ولو تبخرت مياه البحر مرة واحدة بأملاحها لسقطت
الأمطار مالحة، فأفسدت الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية لكنها تتبخر
دون أن تحمل معها الأملاح فتسقط ماءً عذباً.
شكر القلب وفتنة الشيطان: لا يمكن أن يـسـلـك الإنـســان طريق الشكر دون أن
يعرض له الشيطان بفتنته، بل سيقعد له بكل وجه، ويأتيه من كــل طريق، ليُغفل
قلبه عن ذكر الله وشكره، قال (تعالى): ((ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ
أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) [الأعراف: 17].
فلا بد من كسب هذه الجــولـــة والـتـصــدي لهذه الفتنة ودفع وساوسه عن
القلب، وهي شبهات تفسر النعمة بالباطل أو شهوات تصرف القلب عن الالتفات إلى
النعمة عند الانتفاع بها، فإذا تحرر القلب من هذه الوسوسة فاللسان والجوارح
تبع له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده.
الهوامش :
1) انظر: لسان العرب، مادة (ش ك ر).
2) رواه مسلم في الزهد.
(2-2)
تطرق الكاتب في الحلقة السابقة إلـى تـوضـيـح حقـيـقـة الشكر، فبيّن أنه
شعبة من شعب الإيمان، وصفة من صفات الله، وخلق من أخلاق الأنبياء والمؤمنين،
ثم بيّن قلة الشاكرين. وبعد أن ذكر كفر النعمة الذي يقابل الشكر وضح درجـات
الشكر ودوائره... وفي هذه الحلقة يتابع بيان جوانب أخرى من الموضوع.
ـ البيان ـ
شكر اللسان:
ولسان الـمـرء يعرب عما في قلبه، فالكلام اللفظي يترجم ما في النفس ويظهره؛
فإذا امتلأ القلب شكراً لله (تعالـى) لـهــج اللسان بذلك، وقد جاء الإسلام
ليعلم الناس كيف يشكرون ربهم بألسنتهم كما يشكرونه بقلوبهم، جاء يعلمهم
ماذا يقولون.
وهذه أمثلة لأذكار وأدعية تتـضـمـن الحمد والثناء على الله (تعالى) وشكره
على نعمه وآلائه:
أولاً: إذا أفـــاق من نومه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا
وإليه النشور) (1).
ويقول: (الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد عليّ روحي وأذن لي بذكره)(2).
ثانياً: وإذا أوى إلى فراشه لينام يقول: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا
وآوانا؛ فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)(3).
ثالثاً: ومن أذكـــار الصباح والمساء يقول: (اللهم ما أصبح بي من نعمة أو
بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شــريـــك لك فلك الحمد ولك الشكر، من قاله حين
يصبح فقد أدى شكر يومه، ومن قاله حين يمسي فقد أدى شكر ليلته)(4).
رابعاً: وإذا أراد أن يسـتـغـفـر فسيد الاستغفار أن يقول: (اللهم أنت ربي
لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا علـى عـهـدك ووعدك ما استطعت، أعوذ
بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا
يغفر الذنوب إلا أنت، من قاله حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة،ومن قاله
حين يصبح فمات من يومه دخل الجنة)(5)، والاعتراف بالنعمة والاعتراف
بالتقـصـيـر في شكرها، في قوله: أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي.
خامساً: وإذا أراد أن يدعو أي دعاء افتتح بالحمد لله أولاً والثناء عليه
بما هو أهله، ثم الصلاة على نبيه، ويذكر بعد ذلك حاجته.
سادساً: وإذا أراد أن يخطب في جمعة أو نكاح أو أي أمر ذي بال افتتح بالحمد
لله كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل، وتسمى خطبته الافتتاحية
بخطبة الحاجة.
ســابعاً: وإذا صلى فالحمد في دعاء الاستفتاح وفي سورة الفاتحة وفي الرفع
من الركوع وفي أذكار ما بعد السلام.
فمن أذكار الاستفتاح: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله
بكرة وأصيلاً (6).
ومن أذكار الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً
طيباً مباركاً فيه (7).
أو (ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد. أهل
الثناء والمجد. أحق ما قال العبد. وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت
ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)(8).
ومن الذكر عقب الصلوات المفروضة أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً
وثلاثين، ويكبره ثلاثاً وثلاثين، ويقول تمام المئة: لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، من قال ذلك غفر ذنوبه
وإن كانت مثل زبد البحر (9).
ومن أدعية التهجد: اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك
الحمد أنت قَيّام السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت رب السموات
والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك حق
والجنة حق والنار حق ومحمد حق والساعة حق (10)... إلى آخر الدعاء.
ثامناً: وإذا أكل أو شرب أو أفطر أو سافر أو سئل عن حاله أو عطس يقول:
الحمد لله.
تاسعاً: وإذا أراد أن يحمد ربه في أي ساعة من ليل أو نهار حمده؛ لأنه من
الأذكار المطلقة: (كل تحميدة صدقة)(11).
ولو مكث العبد يومه كله يلهج بالحمد لله (تعالى) ما وفّى شكر نعمة واحدة من
النعم الإلهية عليه، فكيف وهي نعم كثيرة لا تحصى؟ وما أهدف الدعاء النبوي
الذي رواه مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: افتقدت النبي -صلى الله
عليه وسلم- ذات ليلة، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد
وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).
لا يستطيع أحد أن يحصي الثناء على ربه؛ لأنه لا يستطيع أن يحصي نعمه عليه،
فليسأل العون من ربه، وليقل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (يا
معاذُ! إني أحبك؛ فلا تَدع أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك
وحسن عبادتك)(12).
شكر الجوارح :
والقلب واللسان معدودان في الجوارح والمقصود ما سواهما من بقية أعضاء
الإنسان وحواسه التي يكسب بها أعماله، والحقيقة: أنه ما من عمل يعمله ابن
آدم إلا وهو فيه شاكر لنعم الله أو كافر لها، ويتصور شكر الأعمال باستعمال
النعم فيما يرضي الله (تعالى) وهذا يحتاج إلى فقه في دين الله (تعالى)؛ لأن
العمل الصالح الذي يرضاه الله (تعالى) يعرف من طريق الوحي قال (تعالى): ((حَتَّى
إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى
وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ)) [الأحقاف: 15]، فسأل
العمل الصالح الذي يرضاه الله عقب سؤاله التوفيق إلى شكر النعمة؛ وهذا دليل
أن الشكر باللسان وحده لا يكفي.
وقد جاء في السنة النبوية أن كل آدمي يصبح معافى في بدنه؛ فهو مطالب
بثلاثمئة وستين صدقة يتصدق بها في ذلك اليوم بعدد مفاصل جسمه؛ وتكون هذه
الصدقات هي الشكر اليومي الذي يفك به رقبته من النار.
وعند النظر في روايات الحديث الوارد في ذلك نجد أنه وَسّع معنى الصدقات فلم
يحصرها في الصدقة المالية، بل جعلها أنواعاً من الأعمال الصالحة فيها أذكار
وعبادات، وفيها أعمال اجتماعية، وفيها أعمال مهنية، وفيها أعمال دعوية..
يجمعها وصف البر والخير أو العمل الصالح، فصارت هذه الأعمال الصالحة
المتنوعة فداءً يفدي به العبد نفسه من النار كل يوم.
أخرج مسلم من حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خُلق ابن آدم
على ستين وثلاثمئة مفصل، فمن ذكر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله،
وعزل حجراً عن طريق المسلمين، أو عزل شوكة، أو عزل عظماً، أو أمر بمعروف،
أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمئة السلامى أمسى يومه وقد زحزح نفسه
عن النار)(13).
وقد تتبع ابن رجب الحنبلي (رحمه الله تعالى) روايات هذا الحديث وألفاظه في
شرحه للحديث السادس والعشرين من الأربعين النووية واستخرج منها أنواعاً
كثيرة من الأعمال سماها النبي -صلى الله عليه وسلم- صدقات، كما تتبعها
النووي (رحمه الله تعالى) في الباب الثالث عشر من رياض الصالحين وجعل
عنوانه: باب في بيان كثرة طرق الخير.
واللافت للنظر في هذه الأحاديث هو التصريح بأن تلك الصدقات (أو الأعمال)
تؤدي عن صاحبها شكر يومه، وقد قسّم ابن رجب في شرحه للحديث السادس والعشرين
المشار إليه آنفاً الشكر إلى: واجب ومستحب، فحمل ما ذكر من الفرائض واج |