|
تضافـرت الأدلـة مـن الكتـاب والسنة علــى أهمية الدعـوة وفضلها؛ فلن
أستطرد في ذلك، وما دامت هذه الطاعة قد انتسبت إلـى الإيـمــــــان فإنها
معرضة لما يتعرض له الإيمان من الزيادة والنقص؛ فالإيمان يزيد وينقص كما هو
مـعـلــوم، وأصبحت الدعوة ـ باعتبارها من الإيمان ـ ككل عمل إيماني يعلو
فيصل الأوج والذروة أحـيـانـاً، اعتقاداً وحماساً، وينحدر
متضائلاً تارة أخرى، والفائز الذي لا يغالي عند التعالي، ولا يـســــرف عند
الهبوط، وذلك بأن يلزم هدي السنة النبوية الشريفة، كما قال النبي صلى الله
عليه وسـلـم: "لـكــل عمل شِرَّة ولكل شرة فترة؛ فمن كانت فترته إلى
سُنَّتي فقد اهتدى"(1)، وفي لفظ آخر: "ومـــــن كانت شرته إلى سنتي فقد
اهتدى"(2).
ولعلنا نختصر أكثر فنقول: إن ما نريد طرحه نستطيع أن نسميه بـ "التساقط"،
ويجب أن نفـرق بـيـن عــــدة مصطلحات قد يحصل الخلط بينها (الردة ثم
الانحراف والانتكاسة ثم الفتور ثم ضعف الإيمان ثم القعود عن الدعوة)
والأخير هو الذي نسميه: (التساقط في طريق الشاب).
الأسباب:
1- عدم إخلاص النية لله، قال تعالى:((ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا
اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)).
[البينة: 5].
2- تخويف أعداء الله للعبد بقطع المعاش أو الفصل من الوظيفة ونحوها.
قال ـ تعالى ـ: ((إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ
فَلا تَخَافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) [آل عمران: 175].
3- خذلان أهل الحق والخير ممن كان يُؤمَّل فيهم نصرة الدعوة. قال الشاعر ـ
وما أحسن ما قال ـ:
وظلــم ذوي القــــربى أشد مضاضة علــى المرء مــن وقــع الحسام المهند
4- قراءة الواقع قراءة سلبية تؤدي بالداعية للإحباط واليأس، فيترك طريق
الدعوة.
5- عدم القناعة الكافية بطريق الدعوة.
6- تعلق قلب الداعية بالدنيا وكراهية الموت.
7- الانفتاح على الأعمال التجارية والدنيوية دون الالتزام بوسائلها
الشرعية.
8- الأمراض النفسية كالعجب والغرور والحسد وغيرها.
9- الحيل النفسية وهي كـثـيـرة، مـنهـا: احتقار الداعية لنفسه، أو الخوف
الموهوم، أو الخجل المذموم أو غيرها.
10- فـقـدان الـتربية الذاتية الجادة؛ فمجرد الابتعاد عن وسط من الأوساط قد
يكون كفيلاً بأن يرجع الداعية الضعيف عما كان عليه من العمل الدعوي.
11- غـيـاب الأهــــــداف الرئيسة للدعوة الإسلامية في هذا الوقت عن ذهن
الشاب المسلم كالرجوع بالأمة الإسلامـيـة إلى عزها ومكانتها، وإعادة حكم
الله في الأرض، ونشر العقيدة الصحيحة، إضافة إلى الحرص على هداية الناس.
12 - تسرب فكرة (طلب العلم أولاً ولفـترة معينة، ثم الانتقال إلى الدعوة
إلى الله) ولم يبيِّن لنا أصحاب هذه الفكرة: إلـى مـتى يـطـلبون العلم؟ وما
هو الحد الذي إذا وصلوه سينتقلون منه إلى الدعوة إلى الله؟ وأصحاب هذه
الـفـكـرة ـ بـلا شـك ـ لم يستوعبوا طبيعة هذا الدين
منذ أن نـزل علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس. يقول صلى الله عليه
وآله وسلم: "بلِّغوا عني ولو آية"(3).
وقد ثـبـت أنــه صلى الله عليه وسلم استعاذ من علم لا ينفع؛ فقد ورد ذلك في
حديث زيد بن أرقم وأنس وعـبـــد الله بن عمرو بــن العاص وأبي هريــرة ـ
رضي الله عنهم ـ: "اللهم أعـوذ بك مــن علم لا ينفع"(4)
وعن جابر ـ رضي الله عــنـه ـ أنه صلى الله عليه وسلم قال: "سـلوا علمـاً
نافعاً، وتعـوَّذوا بالله مــن علم لا ينفع"(5)، وعن سلمان ـ رضي الله عنه
ـ قال: "علــم لا يُقَالُ به ككنز لا ينفق منه"(6)، وحيـن سأل أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ما بال الهلال يبدو صـغـيـراً ثـم يكـبــر؟ نزل
قول الله ـ تعالى ـ: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِـأَن تَـأْتُـــوا
الـبُـيُـوتَ مِن ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وأْتُوا
البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا)) [البقرة: 189]، وحين سأل رجل النبي صلى الله
عليه وسلم: متى الساعة؟ قال له: "ماذا أعددتَ لها؟"(7).
فماذا تعني ـ بالله عليكم ـ الاستعاذة من علم لا ينفع، والتوجيه إلى السؤال
العملي الجاد؟ ألـيـس يعني أن العلم ما لم يَقُدْ صاحبه إلى نتيجة عملية
يعتبر من العبث، بل مما يُستعاذ منه؟ فـحــــــري بطلبة العلم أن يتربوا
ويُرَبُّوا على أن لا يكون شحذ الذهن بالمعلومات هو الهدف الـنـهـائي
والـغـايـة القصوى، بل يكون التعلم للعمل والدعوة إليه، وأن يدركوا أن مجرد
التعلم والانشغال بــــه لا يغني عن تصحيح النية وإخلاصها لله وحده، إذاً
فلا علم بلا دعوة، ولا دعوة بلا علـم، وهـــذا هو دين الله، وعلى من يعترض
علينا أن يأتي ببينة سليمة من سيرة السلف تشهد لكلامه.
13 - جـهــل الواقع والبعد عن فقهه ومعرفته فلا يستطيع التعرف على مشكلات
مجتمعه وواقعه ويؤدي ذلك به إلى ترك الدعوة أو الضعف عنها.
14 - تأثير التفرق والاختلاف بين الدعاة والجماعات الإسلامية على الداعية،
فيؤدي به ذلك إلـى اجـتـنـاب طـريـق الدعوة قال ـ تعالى ـ: (($ولا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)) [الأنفال: 46].
15- قـلـة الـعـلـم وقلة التأصيل الشرعي للقضايا والمسائل الحادثة
والنوازل؛ فهذا بدوره يُضعف الداعية عن المضي قدماً في دعوته.
16 - الإغراق فـي الـجـدل مع أصحاب الأهواء وإضاعة الوقت في ذلك، فهذا مما
يضعف الهمة ويغفل عن جوانب أخرى كثيرة، وقد يتأثر بهم ويسقط معهم.
17 - عدم فقه المصالح والـمـفـاســـــد وإدراك ظروف المرحلة التي تعيشها
الدعوة، فيقدم المفضول على الفاضل، وهكذا.
18 - عدم الصبر عند وقوع الابتلاء والأذى في سبيل الله.
19 - عدم التعود على إنكار المنكر والـنـفــــرة منه ومجابهته، فيألف
المنكر مما يسبب له التساقط والنكوص.
20- الـتـنـازل عـــن أمــــور لا يجوز شرعاً التنازل عنها من الدعوة،
فتقوده السلسلة من التنازلات إلى النكوص والتراجع.
21 -عدم التدرج في الدعــــــوة؛ فيبدأ بأعمال غير مؤهَّل لها، فيصاب بشيء
من الضعف نتيجةً لذلك.
22 - عدم الانضباط مع الـصـحـبـــة الصالحة التي هي الزاد للداعية في
طريقه، وانعدام الاستشارة في الأعمال الدعوية أو قلتها.
23 - الارتباط بصحبة بطَّالة أو مثبِّطة ذات اهتمامات دنيئة مما يضعف عزم
الداعية.
24 - استعجال الثمرة واعتقاد قربها.
25 - ضعف اليقين بنصر الله لعباده الـمـؤمـنـين قال ـ تعالى ـ: ((إنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ويَوْمَ
يَقُومُ الأَشْهَادُ)) [ غافر: 51].
26 - عدم الاعتراف بالأخطاء، وعدم تقبل النصيحة.
27 - ارتكاب المعاصي والاستهانة بالصغائر من الذنوب.
28 - قلة الاهتمام بالجانب العبادي لدى الداعية كقيام الليل والأذكار
اليومية.
29 - ترك الدعاء الذي هو سلاح المؤمن.
30 - ضعف شخصية الداعية فيسهل التأثير عليها بأي شيء.
31 - عدم التنظيم للعمل الدعوي، وقلة التخطيط السليم.
32 - التحريش بين الدعاة، وتحريض بعضهم على بعض.
33 - تغير المجتمع أو الوسط الذي يعيش فيه وقد كان زاداً على الاستمرار في
الدعوة.
34 - العاطفة الزائدة والحماس المفرط الذي قد يؤدي للغلو في أمور كثيرة،
وبعد فترة يجد نفسه متراجعاً عن كل عمل دعوي.
كانت تلك أبرز أسباب التساقط اجتهدت فـيـهـا بالاخـتـصــار والدمج بين
سببين في سبب واحد، وعدم التكرار في الصيغة النهائية لها.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق في الدارين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الهوامش:
(1) مسند الإمام أحمد، ح/ 6473.
(2) المصدر السابق.
(3) رواه البخاري، ح/ 3202.
(4) رواه مسلم، ح/ 4899.
(5) رواه ابن ماجة، ح/ 3833.
(6) رواه الدارمي، ح/ 554.
(7) رواه البخاري، ح/ 3412.
مجلة البيان، العدد (147)، ذو
القعدة 1420،مارس 2000 |