|
إنَّ هذه النصيحة الغالية، والحكمة الـبالغة التي أطلقها الإمام الصَيْمَري(1)
ـ عليه رحمة الله ـ تأسفاً على فوات كثير من العلم والاستفادة من عَلَمٍ من
أعلام الحديث، لتمثل لنا سِراجاً نستنير به في ظلمات الهجر غير المنضبط
الذي خيَّم في سماء صحوتنا، والذي يمثل عقبة في طريق العلم والاستفادة.
إنَّ مَنْ تفقه في هذه العبارة، وتأملها كل التأمل، انـتفع بها غاية
الانتفاع؛ لأنها تعالج لنا واقعاً من الانحراف في حياتنا التعليمية ومنهجاً
معوجاً في التعامل مع اجتهاد العلماء، وأخطائهم، وتتضح لنا خطورة هذا
المسلك حين تأتي الثمار السيئة من تفويت الخير الكثير في ترك جهود العلماء
المشهود لهم بالعلم الراسخ والقدَمَ الثابت.
من أجل هذا وغيره أضحت هذه المشكلة جديرة بالوقوف أمامها وصرف النظر إليها،
إنها مشكلة الازورار عن الـعـلـم (دروساً وكتباً وأشرطة...) بسبب بعض
الاجتهادات والأخطاء، فما هو خبر الصَيْمَري؟
لنستمع إليه يحدثنا عن خبره.
قال الخطيب: قـال لـي الصَـيْمَري: "سمعتُ مـن الدارقطني(2) أجزاءاً من
سننه، وانقطعتُ لكونه ليَّن أبا يوسف، وليتني لم أفعل، إيش ضرَّ أبا الحسن
انصرافي؟"(3).
تشخيص الظاهرة:
إنه يشخِّص الظاهرةَ (الانقطاع عن دروس الدارقطني) ولقد انتشرت هذه الظاهرة
في عصرنا وفشت، فكم من مجالسَ للعلماء تُهجَرُ، وكم من كتب تحرق، وكم من
أشرطة ترمى! بل وصل الأمر ذروته وبلغ السيل الزبى حين يُهْجَرُ مَنْ لَمْ
يَهْجُرْ تلك الأمور، وهذه ـ لعمري ـ قاصمةُ الظهر، فلم يقطعوا دروسَ
الدارقطني فحسبْ، بل قطعوا من لم ينقطع من دروسه، وهذه من فرائِد عصرِنا
وهذا مخالف لميزان الإنصاف ((قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا
عنده إنا إذا لظالمون))}. [يوسف: 79].
أسباب الظاهرة:
إن سبب الانقطاع (لـكـونـه لـيَّـن أبــا يوسف)(4) صاحب أبي حنيفة وأحد
أئمة الأحناف وأركان المذهب، فالصَيْمَري لم يتحملْ كلام الدارقطني فيه
فترك مجلسه؛ وهذا نَعدُّه تعصباً منه ـ رحمه الله ـ وانتصاراً لإمامه.
داء التعصب:
فالتعصب إذن مَزَلةُ أقدام، ومَظنّة أفـهـام، وآفة من آفات العلم، "وهـو
انتحـالُ مجمـوعةٍ مـن الناسِ مذهباً أو انتخابُ آراء بحيثُ لا يـبـغـون
عـنـهـا حولاً ولا يريدون بها بدلاً".
إن الدارقطني أدَّاه اجتهادُه ـ وهو إمــامُ الحـديـث ورجاله ـ إلى تليين
أبي يوسف؛ فعلامَ يُـترك الأخــذ عــن مجتهدٍ قد يكون رأيه هو الحق،
ومذهبُه هو الصواب؟ ولكنه التعصب الذي يَحْرِم صاحبَه التعلم! قال
حُسَيْنَكُ بنُ علي: أول ما سألني ابنُ خزيمة فقال: كتبت عن محـمـد بـن
جـعـفـر الطـبـري؟ قـلـت: لا. قال: ولِمَ؟ قلت: لأنه كان لا يَظْهرُ وكانت
الحنابلة تمنع من الدخول عليه(5). قال: "بـئـسَ مـا فـعـلـت. ليتَكَ لم
تكتبْ عن كلِّ ما كتبتَ عنهم، وسمعتَ من أبي جعفر"(6).
فالواجب على طالب العلم ألا يتحيَّزَ لمذهبٍ معينٍ، ولا لآراء خـاصــــة،
وإنَّما ينتخب من الأقوال ما وافق الحق، ويجتنبُ ما خالفه.
التسرع في الحكم وعدم التثبت:
وتزداد الزاوية انفراجاً عند ترك التثبت، والتسرع في الحكم؛ فإن اجتهاد
الدارقطني يُنظرُ إليه، فقد سبقه إلى ذلك نفرٌ من علماءِ الجرح والتعديل
منهم شيخ المحدثين ـ البخاري ـ فقبلَ هجره يُتبَيَّنُ قوله، كما قال الحسنُ
البصري ـ رحمه الله ـ: "المؤمــنُ وقَّــــاف حـتى يتبين"(7).
فــإن أصــاب فـنـعـمَّا هو، وإن أخطأ فالكمال عزيز، وإنما يمدحُ العالمُ
بكــثرة مــا له مــن الفضائل؛ فلا تدفنُ المحاسنُ لورطة ربمـا رجع عنها
وقد يَغْفِرُ الله له باستفراغه الوُسعَ في طلب الحق فيه، ولمن ثــبــت
عـنده ذلك الخـطـأ أن يجادل بالتي هي أحسن، ويرشده إلى الحق مع حفظ الأخوة،
وبقاء الاستفادة؛ فكم من علمٍ فاتَ بسبب التسرع وعدم التثبت.
قال قيسُ بن الربيع: "قدم علينا قـتـادة الكوفة فأردنا أن نأتيه فقيل: إنه
يُبغِض علياً، ثم قيل: إنه أبعدُ الناس من هذا؛ فأخذْنا عن رجل عنه"(8).
كم فاتهم من الخير، وأي خسارة خـسـروا حين نـزل سندهم فأخذوا العلم نازلاً
بعد إمكان أخذه عالياً، وانظر إلى السند والإحالة تجدها عن مجهول "قيل: إنه
يبغض علياً". وقيل: "إنه أبعد من هذا"، فأين تعاليم القرآن؟ (({يا أيُّهـا
الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا
على ما فعلتم نادمين)) [ الحجرات: 6].
التعصب وسوء الظن:
وتـزداد زاويــة الانــفــراج للـتـعـصـب أكـثـر حين يُولِّدُ ظنوناً سيئةً
ألا "وإن الظن أكذب الحديث"(9) ويؤدي إلى تتبع العثرات، وترصُّــد الزلات،
ويبدأ الخلاف في فرعية صغيرة فيرقى إلى الاتهام في أصول الإسلام وقواعد
الديانة. قال الذهبي: "قرأت بخط الموفَّقِ قال: سمعنا درسه ـ أي ابن
عُصْرُون ـ مع أخي أبي عمر وانقطعنا. فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ،
فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن نـاسـاً يقولون: إنك أشعري. فقال: "والله
ما أنا بأشعري"(10) هذا معنى الحكاية.
وهذه الصورة من التعصب تظهر في عصرنا في أكمل مبانيها، وفي أوضح معانيها؛
فمن تكلم بنصوصٍ في الحاكمية من وجوب الـحـكـم بـما أنزل الله، والتحذير من
القوانين الوضعية، والأحكام الدولية، يُهْجَرُ أولاً ويعدُّ خارجياً
ثانياً، كما أن مَن لم يرَ إقحامَ الأمةِ في ظلماتِ الخروج غير المنضبط
بالضوابط الشرعية يعد مُرْجئاً جَهْمياً.
إن الظنَّ السيئَ، والاتهام بالبدعة، والتسرع في ذلك، رُوِّع بها شيوخ(11)
وظلم بها علمـاء وهُجِرَ بها دعاةٌ لا يرون مسوِّغات ذلك، كـمـا قـال
الأول: (وأرى العداوة لا أرى أسبابها) وكـل ذلك بسـبـب أســانـيـد مـنقـطعة
(يقولون) ويرد ابن عصرون هذه الفرية مؤكداً كلامه بالقسم: (والله ما أنا
بأشعري)، وكان حاله كحال القائل(12):
ولكنـي ظلمت فكـدت أبكــي مـــن الظلــم المبــيَّن أو بكــيت
الكذب وكيد الشيطان:
انظر كيف يُكذَبُ على العلماءِ بسندٍ مبهمٍ لا يُعرفُ قائله أجنيٌ أم إنسي؟
ومن يدري؟ لعل الشيطان هو الذي نقله! وما ذلك ببعيد، فقد قال أبو عمر بن
عبد البر: (روينا أن جارية لصفية أتت عـمـر بن الخـطاب فقالت: إن صفية
تحبُّ السبت وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها فقالت: أما السبت فلم أحبه منذ
أن أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهـــود فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها،
ثم قالت: يا جاريـة ما حملك على ما صنعتِ؟ قالت: الشيطان. قالت: فاذهبي
فأنت حرة"(13).
ولكن إنْ مَرَّ كيدُ الشيطان على بعض العلماء فإنه لا يمرُّ على عمر ـ رضي
الله عنه ـ الذي كان الـشـيـطـان يَـفْــرَقُ منه. وهكذا نجدُ أن الشيطان
قد نَصَب أحابيله وأقامَ شِراكه ودبَّر مكائده حتى يصطاد العلماء وطلبة
العلم فيها. فلا يُغْفَلُ عملهُ؛ إنه دورُ: "ولكن بالتحريش بينهم"(14).
مراعاة التخصصص:
والحاصل أن الدارقـطـنـي ـ رحمه الله ـ حـيـن تـكـلـم فـيما تكلم لم يجاوز
فنه، ولم يتعد تخصصه، فقد كان إمام الجرحِ والتعديل، والحديث عن الرجال،
فلا يعنَّفُ ولا يُهْجَر. فإذا كان المخطئ في غير فنِّه يُرْفَقُ به،
ويردُّ إلى الصواب فمن باب أوْلى المتخصص. ومن هنا ردَّ العلماءُ على ابنِ
طاهر حين قال: "وأقبحُ ما رأيـتُ في قــولِ إمام الحرمين(15) في كتاب أصول
الفقه: والعمدة في هذا الباب على حديـث مـعاذ" قــال: وهذه زلةٌ منه ولو
كان عالماً بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة".
قال الحافظ: "قلت: أساء الأدب على إمام الحرمين، وكـان يمـكـنه أن يعبِّر
بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشدُّ مما نقله عنه، فإنه
قــال: "والحـديـث مــدون في الصحاح متفق على صحته لا يتطرق إليه
التأويل"(16).
فهذا في مَنْ لم يبلغ المرتبة العالية في هذا الفن "أما من بلغَ مرتبة
الرسـوخِ والإفادةِ، وكــان على جانب عظيم من العلم ـ كالدارقطني، وانتحل
مما انتحل عن اجتهادٍ ونظرٍ فلا يُرتابُ في العناية بالأخذ عنه والتلقي
منه".
ثمرة فعل الصيمري:
لقد نعتَ ابنُ كثير الإمامَ الصَيْمَري بأنَّه كان عارفاً بحقوقِ العلماءِ،
ومــن حـقِ الـدارقـطني عـلـيـه أن لا يقـطعه بل ينْصَحه ولذلك قال: ليتني
لم أفعلْ!(17). إنه لم يَزدْ على تــركِ مجلسه، فلم يتكلم فيه بل حفظ
لسانه. وتُعَدُّ هذه في عصرنا منقبة للهَاجِرِ ليقابل من يعنِّف على
مـخـالـفـه ويـفـسِّـقـه ويبدِّعه، وأين هذا المسلك الذي سلكه الصَيْمَري
من مسلك زاهد الكوثري الحنفي الذي آذى الـعـلماء الذين تكلموا في أبي يوسف
أمثال البخاري والخطيب والعقيلي ونبز الأخير بأنه حشوي(18). فهذا يعتبر
عقوقاً من الخَلَفِ بتركِ مسلك السلف!
ثم قال: "إيشٍ ضرَّ أبا الحسن انـصـرافـي؟" لم يضرَّه شيئاً بل بقي إمامَ
عصره. إن انجفال طلبة العلم عن علماء السُّنَّة والدعاة إليها بسـبب
اجـتهاد أو خطأ يفوِّتُ عليهم ـ وا أسفا ـ علماً جماً، وخيراً كثيراً
{$ّمّا يٍضٌلٍَونّ إلاَّ أّنفٍسّهٍمً $ّمّا يّشًعٍرٍونّ} [آل عمران: 69].
ولا يَبْعُدُ أن يـكـونَ ذلك عقوبةَ الظلم، وترك الإنصاف؛ ومــا ضـرَّهـم
لو صححوا الخطأ واعتذروا له؟ ورحم الله ابن الوردي(19) حين قال:
والـنـاسُ لم يصنِّفوا في العلمِ مــا صـنَّفوا إلا رجــاءَ الأجرِ
لكنْ قـديـتُ جَسداً بلا حسدْ واللهُ عـنـدَ قــولِ كـــلِّ قـائلِ
لـكـيْ يَـصـْـيروا هَـدَفــاً للذمِّ والدَعَواتِ وجَـمــيـلِ الـذكـرِ
ولا يُضـيعُ الله حقاً لأحــــدْ وذو الحجَا في نفسِه في شاغلِ
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
الهوامش :
(1) أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، أحد أئمة الحنفية كان صدوقاً وافر
الـعـقـــل عارفاً بحقوق العلماء. البداية والنهاية، 12/57، السير، 17/615.
(2) أبـو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني صاحب السنن الحافظ المجوِّد،
كان من بحور الـعـلم وأحد أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث
ورجاله، البداية والنهاية، 11/307، السير 16/449.
(3) سير أعلام النبلاء، 17/616.
(4) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة الإمام المجتهد، لم يختلف
يحيـى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل.
(5) وقع بين محمد بن جرير وأبي بكر أمور وكانت الحنابلة حزب ابن أبي بكر
فـكـثــروا وشغبوا عليه. السير، 14/277، وقد صدق ابن عقيل حيث يقول:"رأيت
الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز ولا أقول العوام بل العلماء، كانت أيدي
الحنابلة مبسوطة، في أيام ابن يونس فكانوا يستطيلون على أصحاب الشافعي فلما
جاءت أيام النظَّام اسـتـطــال عـلـيـهم أصحاب الشافعي فتدبرت أمر الفريقين
فإذا بهم لم تعمل فيهم آداب العلم"، شرح الإقناع، 1309.
(6) سير أعلام النبلاء، 14/262، طبقات السبكي، 2/137.
(7) الفتاوى لشيخ الإسلام، 10/382.
(8) سير أعلام النبلاء، 5/272.
(9) جزء من حديث صحيح عند البخاري من حديث أبي هريرة.
(10) وقد تعقب السبكي ـ الأشـعـري تلـمـيذ الذهبي ـ على شيخه هذه القصة بما
لا طائل تحته؛ وهذا يعد تعصباً أيضاً وجرأة على شـيـخـه. انـظـر طـبـقــات
السبكي، ترجمة ابن عصرون، وحاشية السير، 21/129، سير أعلام النبلاء،
21/129.
(11) ومن الصور المبكية أن الكيا الهراسي أشيع أنه باطني إسماعيلي فنمت له
فتنة هائلة هو بريء منها، ولـكـن وقـع الاشـتـبـاه على الناقل، فإن ابن
الصباح باطني إسماعيلي كان يلقب الكيا ثم ظهر الأمر وفرجت الكربة، الطبقات
الكبرى.
(12) سنان بن الفحل الطائي.
(13) السير، 2/231.
(14) رواه مسلم، ح/5030.
(15) قـال الـذهـبي: كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول
المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث كما يليق به لا متناً ولا سنداً ذكر في
كتاب البرهان حديث معاذ في القياس فقال: هو مدون في الصحاح متفق على صحته،
السير 18/471.
(16) السلسلة الضعيفة، 2/28.
(17) يقول ـ تعالى ـ:(( ولا تنسوا الفضل بينكم})) [البقرة: 237].
(18) حاشية مناقب أبي حنيفة وصاحبيه، ص 72.
(19) ويقول الحريري:
وإن تجد عيباً فسدَّ الخللا جلَّ الذي لا عيبَ فيه، وعلا
مجلة البيان، العدد (150)، صفر 1421،يونيو
2000 . |