|
_ بين يدي الحديث:
الحديث عن التربية حديث مهم تحتاج إليه جميع طبقات المجتمع بلا استثناء، فالتربية الإسلامية: جهد يقوم على تطبيق منهاج الله في الأرض وتحقيق الدينونة له، وهذا الأمر يجب على الجميع السعي فيه.
ولقد كان أنبياء الله ـ عليهم الصلاة والسلام ـ يقومون في أممهم بالدعوة إلى الله، وإلزامهم منهج الله ومعالجتهم على ذلك، كما قال موسى ـ عليه السلام ـ: «لقد عالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة»(1). ثم كان لنبينا
-صلى الله عليه وسلم- القِدْح المعلى في ذلك، وقد أخرج جيلاً فريداً صار معجزةً من معجزاته، كما قال القرافي ـ رحمه الله ـ: «لو لم يكن لرسول الله
-صلى الله عليه وسلم- معجزة إلا أصحابه لكفوه في إثبات نبوته..»(2).
لقد كان الرجل من أصحاب النبي
-صلى الله عليه وسلم-
يسلم، فما يلبث إلا ويحسن إسلامه، ويعظم أمره؛ مما يلقى من حسن الرعاية وعظيم التربية.
ثم تتابع الناس بعد ذلك جيلاً بعد جيل يعنون بالتربية.. فالآباء على مر العصور يُلزمون أبناءهم مجالس العلماء وحلق الذكر، وربما طلبوا لهم مؤدباً ومربياً تُوكل إليه مهمة العناية بهم، ورعاية أدبهم، وتكميل جوانب النقص فيهم.
حتى إذا أقبل علينا هذا الزمن بما فيه، وفُتحت علينا فيه الثقافات، وغزتنا الأفكار من كل جانب، وهاجت أعاصير العولمـة، واهتزت القيم والمبادئ، واضطربت الثوابت؛ صار الحديث عن التربية أشد إلحاحاً من ذي قبل؛ بغية تحصين المجتمع، وتثبيت ثوابته، وحفظ مبادئه وقيمه.
ولئن كان الناس يسعون دائماً إلى طلب الأفضل في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم ومراكبهم ومساكنهم؛ فإن طلب الأفضل في جانب التربية أحـق وأوْلى؛ إذ بها تجـمُل الحياة وتزين، وتصلح وتستقيم، وبدونها تختفي قيمة المظاهر وتذبل، وتنقلب نقمة لا نعمة.. لأجل هذا كلـه كان الحديث: (من أجل تربية أفضل)، أُثير فيه قضايا ملحّة، وألفت النظر فيه إلى جوانب مهمة.. ولا أزعم بهذا الحديث أني اسـتوفيت جميع الجوانـب، ولكن حسبي أنها مراجعات لبعض جوانب التربية في مجتمعنا، تُذكّر الناسي، وتنبه الغافل، وتُرشد الجاهل، وتدعو الراغب إلى زيادة البحث، وتعـميق النظر والسعي إلى الأفضل.
_
أولاً: ما التربية؟
إن معرفتنا لمفهوم التربية على الوجه الصحيح سيساعدنا في القيام بها، وسيجنبنا تبعات تصرفات غير مسؤولة تُمارَس باسم التربية، وما هي من التربية بسبيل!
فما التربية؟ بالنظر إلى أهداف التربية الإسلامية وجوانبها يمكن أن نقول إن التربية هي: (تنمية الشخصية عبر مراحل العمر المختلفة؛ بهدف تكوين المسلم الحق الذي يعيش زمانه، ويحقق حياة طيبة في مجتمعه على ضوء العقيدة والمبادئ الإسلامية التي يؤمن بها).
حول التعريف: حين نتأمل في تعريف التربية تتبين لنا أمور يجب العناية بها:
ـ فالتربية التي نريد؛ تكون بتنمية الشخصية بجميع جوانبها، العقلية منها والجسمية والروحية والنفسية والاجتماعية؛ بحيث نعطي كل جانب من هذه الجوانب حقه في الرعاية والتوجيه، فلا نشطط بجانب دون آخر.
دخل ثلاثة رهط على بعض أزواج النبي
-صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-.. فكأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: «أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الآخر: وأما أنا فأقوم ولا أرقد. وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء». فرد عليهم النبي
-صلى الله عليه وسلم- ذلك، وأرشد إلى ضرورة العناية بجميع الجوانب، فقال: «ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»(1).
ـ والتربية التي نريد هي التي تستمر وتتطور، مراعيةً مراحل العمر المختلفة، لا تقف عند سن معيّنة، ولا تعمم لجميع المراحل أسلوباً تربوياً واحداً، بل تعرف لكل مرحلة خصائصها التي تميزها عن غيرها، والتي يجب مراعاتها من أجل تربية أفضل، وهذا يحتم علينا مزيداً من التعرف على خصائص المرحلة التي نريد توجيه التربية إليها، وهو الشيء الذي يجعل التربية أكثر سلاسة، وأسرع كسباً، وأنضج ثماراً. وأيضاً فإن معرفتنا بخصائص المرحلة سيجنبنا الصدام النكد مع الطباع والفطر الكامنة في النفوس مما قد يجعل خسائرنا في التربية أضعاف مكاسبنا.
ـ والتربية التي نريد هي التي يُرسم لها أهداف يتم العمل على تحقيقها؛ إذ إن العمل دون هدف محدد مدعاة إلى التخبط والاضطراب، وتحويل ميدان التربية إلى معمل تكثر فيه الضحايا وسط تجارب مرتجلة. ثم إن العمل دون أهداف إهدار لأنواعٍ من الثروات الدعوية دون عائد كبير، وقد قيل: «إذا خرجت من منزلك دون هدف؛ فكل الطرق توصلك إلى المكان الذي تريد..»، والمعنى: إن أي مكان تذهب إليه فهو ما تريد؛ لأنك لم تقصد شيئاً بعينه تريد الذهاب إليه.
إننا حين نطالب بوضع أهداف للتربية؛ فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتحول التربية إلى آلة تجعل كل كلمة لا بد أن تصدر عن هدف وكل تصرف كذلك.. إنه أحياناً قد يكون من العقل والحكمة وحسن التدبير عمل شيء زائد عن هدف محدد مرسوم، حين يمر عليك مثلاً حدث يستدعي التنفير من العقوق، أو الرحمة بالمسكين، أو التذكير بحسن الخاتمة أو سوئها... أَوَ ليس من العقل والحكمة استغلال الحدث في التأثير وإن لم يكن نوع الحدث من أهدافك المرحلية الحاضرة؟!
ـ والتربية التي نريد هي التي تساعد الفرد على أن يعيش في زمانه، لا خارج زمانه، ولا بعيداً عن مجتمعه معزولاً عن واقعه، يقبع في وادٍ والناس في وادٍ وشأن آخر.
لقد كان النبي
-صلى الله عليه وسلم- يعيش زمانه ويتعامل معه تعامل الخبير الفاحص، لم يكن يجهل تحركات الأعداء، أو تخفى عليه مكائدهم، ولذا كانت استعدادته
-صلى الله عليه وسلم- مبكرة، وغزواته أكبر شاهد بذلك، وقد أكد النبي -صلى الله
عليه وسلم- ذلك على الصحابة، ودعاهم إلى ضرورة مخالطة الناس والعيش معهم فقال
-صلى الله عليه وسلم-: «المسلم إذا كان مخالطاً الناسَ ويصبر على أذاهم؛ خيــر من المســلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»(2).
ـ والتربية التي نريد هي التي نسعى من خلالها إلى تحقيق حياة طيبة في المجتمع، من خلال ترسيخ روح العمل الجماعي في الفرد، والقضاء على كل أنانية مقيتة، تجعل الشخص نفعياً يعيش لمصلحة نفسه فحسب، إنما نريد أن نعد المسلم الحق الذي ينفع أمته ومجتمعه، فيكون بذلك عضواً نافعاً يطيب بمثله المجتمع، لا أن يكون غصة على مجتمعه ونكالاً عليه، نريدها تربية تفاعلية، يتفاعل فيها الفرد مع من حوله، ويتفاعل من حوله معه.
ـ والتربية التي نريد هي التي تُصاغ على ضوء العقيدة الإسلامية والمبادئ التي يؤمن بها المسلم، فتكون بذلك تطبيقاً عملياً لاعتقاد المسلم ومبادئه.. وعلى هذا؛ فحين نستفيد من الدراسات الغربية وغيرها في هذا المجال؛ فلا بد أن نعرضها على عقيدتنا ومبادئنا، فما وافق منها العقيدة قبلناه، وما خالفها رددناه ولا كرامة.
تلك هي التربية ـ بالمعنى العام ـ التي نصبو إلى تحقيقها، وهذا ما نريده من المربين عموماً.
ـ لكن يبقى أن أشير إلى أمر مهم، هو: أننا حين نريد تنـزيل هذه التربية على شخصٍ ما؛ فلا بد أن نراعي قدراته وإمكاناته وميوله الشخصية حتى نحقق بذلك تربية أفضل، وهذا ما يُعبّر عنه بمراعاة الفروق الفردية؛ إذ تجد بعض المربين يخطئ حين يريد أن يجعل من المتربي نسخة طبق الأصل منه، أو من قدوة يرتسمها، أو يريد أن يجعل الأشخاص الذين يقوم على تربيتهم نسخة واحدة متماثلة!! وحين يسير المربي على هذه الطريقة؛ فإنه سيحكم على المتربي بالإخفاق لمجرد أنه لم يصل إلى الحد الذي قدَّره له؟! مع أن المتربي قد يكون قد خطا خطوات كبيرة لكنها في عين المربي غير ملحوظة؛ ولذا يمكن أن نقول: إن التربية في حق الشخص المعيَّن هي: إيصال الفرد إلى كماله هو (لا إلى كمال غيره).
_
ثانياً: الارتقاء المعرفي بالفرد:
الحقيقة أننا نعيش أزمة معرفية يشترك فيها عامة طبقات المجتمع بلا استثناء، حتى إنه جاء في إحصائية علمية أُجريت على خريجي جامعة عربية كان من نتائجها: «أن 72%من الخريجين لم يستعيروا كتاباً واحداً من مكتبة الجامعة طَوال حياتهم الجامعية»(1)؛ فإذا كان هذا في الطبقة التي يُفترض أن تكون علاقتها مع الكِتَاب أكبر؛ فما الظن بغيرهم؟ لذا فإن من الضروري لرفع مستوى التربية تركيز العناية بهذا الجانب، فكم نحن بحاجة إلى رفع مستوى العلم والثقافـة والمعرفة عند المربي، وكذا عند المتربي..
لا بد أن يكون عند المربي أرضية معرفية كافية يستطيع من خلالها إدارة التربية على شكل صحيح وبوضع صحيح، إن من المقررات البديهية أننا حين نريد أن نرتقي بإنسان إلى مستوى أرفع؛ فلا بد أن نكون نحن في موضع أرفع منه حتى نستطيع أن نناوله أيدينا فيرتقي.. وحين يكون المربي أقل معرفة من المستوى المطلوب فإنه لا يملك أن يعطي شيئاً؛ إذ فاقد الشـيء لا يعطيه، إنه لا بد من مخزون معرفي كافٍ يمتلكه المربي، يكون به قادراً على تغذية التربية معرفياً ورعايتها.
ـ وهذا يدعونا إلى القول بأن من الأمانة حين يرى المربي أن المتربي لا يستفيد منه كثيراً، أو أنه قد نفد ما عنده ـ ليس في كل جوانب المعرفة فحسب ـ؛ فمن الأمانة أن يدفع بالمتربي ويوجهه إلى من قد يكون أكثر منه نفعاً وأقدر على العطاء.. وسيكون ذلك حسنة من حسنات المربي الأول، ودلالة على النصح والتجرد؛ مما سيكون له أعظم الأثر في نفس المتربي، بل إنه سيحس بمدى العناية التي تُقدَّم من أجله، وهو الشيء الذي سيدفع به إلى مزيد من الاجتهاد والتقدم والرقي.
أما العناية بالارتقاء المعرفي لدى الفرد فهي أيضاً مسؤولية عظيمة، يجب أن تُصرف العناية لها من سن مبكرة، تبدأ من سني العمر الأولى، وأن يستدرك ما فات بعد ذلك.
يقول أحد الباحثين: (إن تعليم القراءة للأطفال يبدأ من سن ستة أشهر..)(2).
قد نحكم على هذا الكلام بأنه مجازفة، لكن حين يُنظر إلى أن الطفل يمكن أن تُوجَّه ميوله، وتقع عنده الرغبة والولع في القراءة من سن مبكرة جداً؛ فإن هذا الكلام قد يكون أكثر مصداقية.
ـ حين تهيأ للطفل فرصة المعرفة من الصغر، ويرى أدواتها معروضة بين عينيه، في صورة مكتبة منزلية، أو عن طريق اهتمام أفراد الأســرة بالكتاب؛ فإن ذلك سيوجه ميول الطفـل ولا بد، وسيولد عنده الرغبة شيئاً فشيئاً..
وينـشأ ناشئ الفتيان منّـا
على مـا كـان عوَّده أبوه
لقد رأينا ونحن نطالع سِيَر العلماء أن بيوت العلم قد أثَّرت في الغالب في أبنائها، فأخرجت علماء أصحاب مخزونٍ معرفيٍ ضخم. إن هذا التوجه المعرفي في البيت، وتوافر أدواته فيه، سيساعد في اكتشاف موهوبي القراءة على أقل تقدير، فضلاً عن تولُّد الرغبة في نفسه، («مايكل فاراداي» عالم فيزيائي شهير، كان أبوه فقيراً، وكانت الأسرة من شدة الفقر تسكن فوق حظيرة لعربات الخيل؛ مما اضطر «مايكل» إلى الانقطاع عن الدراسة ليعمل بمحل لتجليد الكتب، ولعل هذه المهنة المرتبطة بالمعرفة كانت أحد أسباب عشقه للعلم؛ فقد كان ينكب على الكتب التي يراد تجليدها؛ مما كوَّن لديه حصيلة معرفية جيدة)(3).
ـ ثم قد لا يكفي تهيئة الجو وإيجاد الرغبة، بل لا بد من تشجيع القراءة عند الأطفال من سن مبكرة؛ بأن تبذل لهم المكافآت وغيرها من الحوافز التي تدفعهم إلى المواصلة، وأن يُشجَّعوا مع ذلك على المشاركة أثناء القراءة (ونقصد بالمشاركة: التعليق على المقروء، وذكر شواهد مماثلة له من الواقع، ونقد المواقف..)؛ فإن هذا يربي في نفس الطفل الشوق إلى القراءة والاستمتاع بها، ونستطيع من خلالها أن نوصل إليهم المبادئ والقيم المهمة التي يحتاجون إليها، وتلك هي المهمة الأولى للقراءة.
ـ وكذا من فاته قطار المعرفة في الصغر؛ فإنه يحتاج إلى تشجيعٍ أكبر وبعث للهمة، من أجل استدراك ما فات، ولن يكون الأمر صعباً حين توجد الرغبة وتنبعث العزيمة.
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسامُ
ثم إن مما يبعث النفس إلى القراءة والمعرفة الاطلاع على سِيَر السلف وشدة شغفهم بالعلم والمعرفة(4).
ولا بد مع التشجيع من توجيه قراءة المتربي، ومساعدته على اختيار الأنسب والأنفع، فلا يقرأ كل ما تدفع به أرحام المطابع دون تمييز؛ لأن قراءة ما هو نافع ـ فضلاً عما لا نفع فيه أو فيه ضرر ـ سيفوّت قراءة ما هو أنفع، وهذا التوجيه وهذه المساعدة للمتربي تؤكد ما سبق ذكره؛ من ضرورة وجود حظوة معرفية كافية لدى المربي ـ ولو للمرحلة العمرية التي يقوم عليها ـ.
ـ كما يلزم المربي وهو يوجه القراءة أن يكون لديه معرفةً بمستوى المتربي وقدراته وحاجاته المعرفية؛ لأن الكتاب الجيد كالدواء لا يفــيد كل الناس، وإلى هــذا المعنــى أشــار الغزالي ـ رحمه الله ـ بقوله: «أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه، فلا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله فينفره، أو يخبط عليه عقله.. ولذلك قيل: كِلْ لكُل عبدٍ بمعيار عقله، وزِنْ له بميزان فهمه؛ حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار»(1).
ـ ثم على المربي أن يُشعر المتربي أن الارتقاء المعرفي لا يأتي دون ثمن، بل يحتاج إلى جد واجتهاد وصبر ومثابرة؛ حتى تتهيأ النفس لذلك، وقديماً قال السلف: (لا يُنال العلم براحة الجسم)، ولما سُـــئل (أديســون) عــن العبقــرية قال: (إنهــا 1% إلهــام، و 99%عرق جبين)(2)، ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام هو توجه كثير من الناس إلى الكتب السهلة والقصص والحكايات، وعزوفهم عن الكتب الصعبة والكتابات الرفيعة، والتي من طبيعتها استنفار القوى العقلية لدى القارئ لمزيد الفهم والتأمل والتفكير. إن التوجــه للكتب السـهلة قـد يكون مقبــولاً لوقت معين، لكــن لا يصح أبداً الاستمرار عليها؛ لأن ذلك يعوق عملية الارتقاء، ويسبب للذهن نوع تأسُّن أو ركودٍ في المعاني والمفهومات والمدارك.
_
ثالثاً: الرقابة الذاتية:
يهتم كثير من المربين بمتابعة سلوك المتربي وملاحظة التغير الذي يطرأ عليه، والارتقاء به ومعالجة الظواهر السيئة والسعي في وضع حمايات تقيه بعض المخاطر، وهذا الفعل حسن لا غبار عليه بل هو المطلوب، لكن حين يسير في وضعيته الصحيحة التي تُصلح ولا تُفسد. ولكننا أحياناً كثيرة نغفل عن غرس الرقابة الذاتية في نفس المتربي، والتي بدورها تساعد في تعميق التربية بشكل أقوى فتكون أدعى للثبات، وتمنحنا شيئاً من الوقت يمكن صرفه لآخرين ابتغاء توسيع العمل.
ـ لست أهوّن من المتابعة، بل هي جانب مهم في نجاح العملية التربوية، ولكني أقول إنه لا بد من بذل جهد قوي وكبير في سبيل تقوية الحصون الداخلية لدى المتربي؛ حتى يشعر دائماً برقابة الله له وقربه منه واطلاعه عليه، فيشعر بالمسؤولية تجاه نفسه، بضرورة لزوم الصدق مع الله ومع النفس؛ فكم نحن بحاجة إلى أن نعيد قراءة قصة يوسف مع امرأة العزيز يوم واجه الإغراء بقول (معاذ الله!!)، وقصة الراعي مع ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ حين أعلنها الراعي مدوية تنساب في أودية مكة (فأين الله؟)، وكذا قصة المرأة الأعرابية يوم صرخت بصوت جلجل في الأفق (فأين مُكَوْكِبُها؟)، وغير ذلك كثير مما جاء عن السلف الصالح ومن بعدهم.
ـ لا بد أن يرسخ عند المتربي الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه، وأنه هو المطالب بتزكيتها وتكميلها، وأن دور المربي معه ما هو إلا إعانة له على تزكيته هو لنفسه:
{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10]،
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18]،
{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95].
إن ضمور هذا المعنى في النفوس ـ الرقابة الذاتية ـ أحدث ضعفاً واضحاً في صفوف المتربين من خلال التقصير في بعض الواجبات ـ كالصلاة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام ـ أو الوقوع في شيء من المحرمات ـ كإطلاق البصر واللسان، وما يجري بعده من ويلات.. ـ كل ذلك يحصل نتاج ضعف المراقبة في النفوس.
ـ لقد فهم السلف هذا المعنى، ونادوا بإصلاح النفس ومحاسبتها والقيام عليها بالمتابعة والرقابة؛ فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا..»(3)، ويقول الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: «المؤمن قوَّام على نفسه يحاسبها لله»(4)، وهذا ابن القيم ـ رحمه الله ـ يحذر من إهمال النفس وعدم القيام عليها فيقول: (أضر ما على المكلف الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، وإذا فعل ذلك سَهُل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها.. إلخ)(5).
إن تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه النفس والرقابة الذاتية عليها ومحاسبتها؛ سيساعدنا كثيراً في التربية، ويجعلنا نجني نتائج أفضل، ونحس بنوع من الأمن تجاه المتربي.
ـ وعلى المربي وهو يغرس الرقابة الذاتية في نفس المتربي؛ أن يعلم أنها لا تنمو إلا على قسط من الحرية وترك الفرصة للاختيار، ولا بد من غرس نوع من الثقة في نفس المتربي، فالتنقيب عن أخطائه وتتبع عوراته والبحث عن سقطاته والسير معه بنظام الجاسوسية؛ كفيل بإفساد النتائج على عكس ما يراد لها من صلاح، وفي حديث معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم»(1).
إنه ليس من أحد إلا لديه عيوب ونقائص، وحين نتوجه للبحث عن الخبايا وكشف المستور؛ فإننا نساهم ـ شعرنا أو لم نشعر ـ في إعطاء الجرأة للمخطئ في التبجح بالخطأ وإظهاره دونما استحياء، حيث يحس أن أوراقه قد احترقت فلا يبالي بما صنع، بل يصل الحال أحياناً عند بعضهم إلى قصد المخالفة والعناد، وبهذا يخرج من حيز المعافاة ويعم الضرر به من بعد ما كان الأمر مقصوراً على المخطئ ذاته.. «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»(2).
إن أحداً منا لو سُلطت عليه الأضواء لنكشف منه ألف عيبٍ وعيبٍ؛ لذا ينبغي على المربي أن يعلم أنه يربي بشراً من عادته الخطأ والتقصير؛ فالمرء لا يولَد كاملاً بل يتطور ويرتقي ويكتسب الكمالات شيئاً فشيئاً، (إننا حين نرسم للناس صورة مثالية فسوف نحاسبهم على ضوئها، فنرى أن النقص عنها يُعَدُّ قصوراً في تربيتهم، فتأخذ مساحة الأخطاء أكثر من مداها الطبيعي الواقعي. وقد أخبر النبي
-صلى الله عليه وسلم- أصحابه أنهم لن يصلوا إلى منزلة لا يواقعون فيها ذنباً، فقال: «والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»(3)(4)، ولما أفشت حفصة ـ رضي الله عنها ـ ما أسرَّه النبي
-صلى الله عليه وسلم- لها أطلعه الله على ذلك فلم يُفِضَ في المناقشة أو يستقصي، بل كان
-صلى الله عليه وسلم- كما قال ـ تعالى ـ:
{عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} [التحريم: 3]، كل ذلك كرماً منه
-صلى الله عليه وسلم- وحسن إدارة ورعاية، قال الحسن: «ما استقصى كريم قط»، وقال سفيان الثوري: «ما زال التغافل من شيم الكرام»(5).
ليس الغبي بسيدٍ في قومه
لكنَّ سيد قومه المتغابي
وحين ندعو إلى نوع من الإغضاء فلسنا نريد الإهمال، وترك الحبل علـى الغـارب، والانقـطاع عـن المتابعة.. كلا.. بل إن «.. الشخص الذي لا يجد في نفسه الطاقة على المتابعة والتوجيه المستمر شخص لا يصلح للتربية ولو كان فيه كل جميلٍ من الخصال !...»(6).
_
رابعاً: إطلاق الإبداع:
(دماغ الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله وإتقانه ومننه وعظيم إحسانه؛ فالدماغ قادر على معالجة ما يصل إلى 30 بليون معلومة في الثانية، وفيه نحو ستة آلاف ميل من الأسلاك، ويحوي الجهاز العصبي للإنسان عادة حوالي 28 بليون عصبون، وكل عصبون من هذه العصبونات عبارة عن حاسب آلي ضئيل الحجم له استقلاله الذاتي، وهو قادر على معالجة حوالي مليون معلومـة..»(7)،
{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].
إذا علمنا هذا؛ فإن قدرات هائلة مما زوَّد الله بها بني آدم يقتلها الناس وهم لا يشعرون؛ من خلال ممارستهم السيئة تجاه الإبداع والمبدعين.
ـ لقد دلت بعض الدراسات أن الطفل يولد وهو على درجة عالية من القدرة على الإبداع، (إن الأطفال حين تكون أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات يكون 95% منهم إبداعيين وإمكاناتهم في ارتقاء مستمر، في حين تقل النسبة تدريجياً كلما تقدم السن حتى لا يبقى سوى 2%)(8)؛ فأي فرصة تضيع وأي إبداعات تهدر؟!
ـ إننا نخطئ كثيراً في التعرف على الإبداع، حين نحس أنه مرادف للذكاء والتفوق، وليس هذا بالضروري، بل إننا بهذه النظرة القاصرة نفقد صوراً من الإبداع لا تراها العيون.. فقد دلَّت الدراسات على أن لدى كل واحد منا جانباً إبداعياً في شخصيته، وسيظهر ذلك حين نحسن استخراج الإبداع ونفتح المجال له، وقد قيل: (العقل كمظلات الطيارين لا تنفع حتى تُفتح)، وهكذا الإبداع لا يشرق حتى يُطلق.
- وحين لا نتعامل مع الإبداع بطريقة صحيحة؛ فإننا لسنا نخسر إبداعه فقط، بل إن مجرد إغفال الإبداع سيسبب للأمة أزمات ويخلق لها مشكلات هي عنها بغناء، (والغنم بلا راعٍ ليس له مرعى)؛ يعني: أنها ستتجاوز مرعاها فتفسد زروع الآخرين أو تقع في فم الذئب الضاري! يقول أحد المشتغلين بقضايا الإبداع: إن عقل الطفل ابن الخامسة يشبه بركاناً له فوهتان: واحدة هدامة، والأخرى مبدعة، ونحن بقدر ما نوسّع مدى الفوهة المبدعة؛ نوقف الفوهة الهادمة. ا. هـ.
- وإذا فرض عدم وجود آثار سلبية لإهمال الإبداع؛ فإن الإبداع قد يتوجه ـ إن لم يوجه ـ إلى ما لا نفع فيه، فنقع في مشكلة (هدر الطاقات) دون أي عائد يذكر!! ذُكِرَ أن رجلاً جاء إلى أحد الخلفاء العباسيين فعرض عليه لعبة بارعة بأن يثبت إبرة في الأرض، ثم يرمي وهو واقف إبرة أخرى فتدخل في سُمِّها، ثم يرمي الثالثة والرابعة.. إلى المئة كل إبرة تدخل في سُمّ الأُخرى، فلما انتهى أَمَرَ له الخليفة بمئة دينار ومئة جلدة، فعجب الرجل!! فقال الخليفة: مئة دينار لبراعتك، ومئة جلدة لانشغالك فيما لا طائل من ورائه!
إن علينا مسؤولية عظيمة في توجيه الإبداع ورعايته، والسعي الجاد في تهيئة المواقع التي تنمّيه، والمحاضن التي تغذّيه وتحسن توجيهه، ومن ثم تنعم بالاستفادة منه.
وينبغي من أجل رعاية الإبداع التنبه إلى ما يلي:
- إن الإبداع من أجل أن ينمو ويزهر يحتاج إلى بيئة آمنة داخلية وخارجية تضمن له الاستمرار في الإبداع، وزيادة العطاء وروعة الإنتاج؛ فحين يسمع الابن في البيت عبارات الاستهزاء وألفاظ الازدراء والتنقُّص تنهال عليه من أبويه أحدهما أو كلاهما، أو من إخوته وأقاربه وجيرانه، فإن ذلك سيقيد حركته ويجعله يضرب أخماساً بأسداسٍ قبل أن يقدم على فعل شيء ـ ماذا تفعل.. هذا جنون.. دعنا من عبثك.. لا تكلف نفسك عناءً لا طائل منه ـ وغيرها من الكلمات التي نقولها نطفئ بها ثورة في نفوسنا دون أن نعرف عواقبها.. فهل سينمو الإبداع في مثل هذه الأرضية؟!
وحين يجد مثل هذا التندُّر والتنقيص في محيط مدرسته يوجَّه إليه من معلميه أو من زملائه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى ضمور اهتماماته، وفتور عزيمته، وخبوّ ذهنه، ومن ثم التفاته عن إبصار كل نقطة تفوّق لديه.
- لا بد من أجل نمو الإبداع من التشجيع وتقديم الحوافز، وإعطاء نوع من الأمن الذي يجرئ المتربي على مزيد من الإبداعات، ولا بد أن تُثار في نفسه روح المغامرة والتحدي من أجل إثبات الذات دون غرور أو جنوح. كان ابن شهاب ـ رحمه الله ـ يشجع الأولاد الصغار ويقول لهم: (لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم، يتبع حِدَّة عقولهم)(1)، (وفي مسابقة أجرتها مجلة إنجليزية شهيرة وجهت فيه سؤالاً للأدباء عن الأمر الذي يتوقف عليه نمو العلوم وازدهار الأدب، فكانت الإجابة الفائزة لكاتبة مشهورة قالت: «إنه التشجيع!!»، وقالت: «إنها في تلك السن بعد تلك الشهرة والمكانة، تدفعها كلمة التشجيع حتى تمضي إلى الأمام، وتقعد بها كلمة التثبيط عن المسير!!»(2).
ـ ثم إن مما يجعل بعض جوانب الإبداع تختفي لدى المتربي هو أن المربي قد يكون يعيش ميولاً معرفية محددة، وأنماطاً حياتية معينة تجعله لا يبصر الحياة إلا من جهة ميوله ورغباته الخاصة؛ فهو يبصر كل إبداع يتوافق مع ميوله، في حين تغيب عنه صور من الإبداع كثيرة تجري من بين يديه ومن خلفه دون أن يراها؟! لذا فإن على المربي أن يقيس الأعمـال والتصــرفات، لا من جهة توافقها مع أنماطه وميوله ورغباته الشخصية، بل يجب أن يقيسها بنظرة شمول& |