|
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ
الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ
وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].
هكذا قصَّ القرآن الكريم
تلك النتيجة التي انتهت إليها حالة هذا الثلاثي الجليل من
جيل الخيرية؛ وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن
أمية، رضي الله عنهم؛ حيث تخلفوا عن ركب الجهـاد، في
غـــزوة العسـرة ـ غـزوة تبـوك ـ وصدقوا مـع الله ـ سبحانه
ـ ثم معه -صلى الله عليه وسلم - ، فلم يفعلوا كما فعل
المنافقون الذين اعتذروا، ولكنهم أعلنوا على لسان كعب ـ
رضي الله عنه ـ: «والله ما كان لي من عذر»(1). أي ليس لهم
حجة أو عذر للتخلف.
كانت تلك النتيجة شعوراً
غريباً لم يألفه كعب ـ رضي الله عنه ـ منذ دخوله لهذا
العالم وأُنْسه بهذا المنهج، وكان ألماً نفسياً ضاقت به
نفسه ضيقاً شديداً حتى تنكر لها الوجود السابح الساجد
لربه.
وتأمل هذه اللمحات الطيبة:
1 ـ التربية النبوية
القرآنية كانت سريعة وشديدة؛ ليختبر صدقهم مع الله ـ عز
وجل ـ ثم مع النفس، وحكى عنها كعب ـ رضي الله عنه ـ فقال:
«ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها
الثلاثة من بين من تخلف عنه»(2).
2 ـ وكأنما يشارك في هذه
المقاطعة كل الخلائق، من البشر ومن الجماد بل والوجود كله،
استجابة وجندية وطاعة لأمره سبحانه. وتدبَّر مشاركة الأرض:
«فاجتنبنا الناس ـ أو قال: تغيروا لنا ـ حتى تنكرت لي في
نفسي الأرض؛ فما هي بالأرض التي كنت أعرف»(3).
3 ـ لقد كانت المحنة من
الشدة بحيث أفرزت هذا الشعور؛ شعور أن الأرض والوجود كله
يشارك في المقاطعة، والشعور أنه قد غدا شاذاً عن هذه
المنظومة العابدة الساجدة الذاكرة لربها: «حتى تنكرت لي في
نفسي الأرض».
4 ـ هذا الشعور لا تحسّه
إلا نفس مؤمنة عاشت طويلاً متناسقة ومتوافقة، وكانت معروفة
لهذه المنظومة: «فما هي بالأرض التي كنت أعرف».
لقد كانت هنالك علاقة حب
وودّ، ليس فقط مع المجتمع؛ بل مع الأرض، ومع الوجود كله،
ثم انقطعت بمجرد تقصير في طاعة الله عز وجل.
وكم من شواذ لا يستشعرون
شذوذهم!
وما ذاك إلا لغياب الرابطة
السابقة مع هذه المنظومة.
وعندما تغيب هذه الرابطة؛
يغيب الرصيد في بنك الخير والطاعة والعبودية.
وتأمل يونس بن متى ـ عليه
السلام ـ وهو يبين فضل هذا الرصيد الذي نفعه في محنته:
{وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ
مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى
فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ
إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} [الأنبياء: 87].
إنه الرصيد العظيم للأيام
العظيمة؛ للمحن المركبة، والظلمة المركبة؛ (ظلمة حوت في
بطن حوت آخر في ظلمة البحر. وأنه ذهب به الحوت في البحار
يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى
في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: {لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ
سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} [الأنبياء:
87].
5 ـ إنه لألم عظيم أن
تستشعر الرفض والشذوذ ممن حولك، خاصة في المواقف الصعبة؛
وإنها لمصيبة كبرى أن تفتقد الرصيد، عند اللحظات الفاصلة،
وهل هناك أصعب من المشاعر عند مشهد النهاية.
وتدبَّر مصيبة آل فرعون عند
مشهد نهايتهم، ولحظات رحيلهم: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ
السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان:
29].
فلم تك لهم أعمال صالحة
تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض
بقاع عبدوا الله ـ تعالى ـ فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن
لا يُنظَروا ولا يؤخَّروا لكفرهم وإجرامهم وعتوِّهم
وعنادهم.
6 ـ ضرورة الفهم لأي قضية،
حتى لا يساء الظن، ولا تُترك في النفوس أي أقاويل.
وتدبَّر كيف فسر كعب ـ رضي
الله عنه ـ قضيته مصححاً معنى أنهم خُلِّفُوا، وكأنها أحد
جوانب محنته العظيمة؛ وهي عدم فهم قضيته؛ عدم فهم خطئه:
«كنا خُلِّفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ
منهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له،
فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم
- أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فلذلك قال الله ـ تعالى ـ:
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 118]،
وليس الذي ذُكر مما خُلِّفنا، تخلُّفنا عن الغزو، وإنما هو
تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل
منه)(1).
وإنه لشعور أليم أن يساء
فهم موقفك؛ خاصة عند الابتلاء.
والشعور الأكثر إيلاماً أن
لا تُترك لك الفرصة أن تصحح موقفك.
■
ما معنى ظاهرة التآكل الروحي؟
هذه اللمحات الطيبة ما هي
إلا بعض الإضاءات التي تركز على جانب واحـد مـن الجــوانب
العديدة فـي قصة محنة كعـب ـ رضي الله عنه ـ وهو الجانب
المرتبط بسنة إلهية اجتماعية، تفسر لنا ظاهرة تربوية؛ وهي
(ظاهرة التآكل الروحي).
وهي ظاهرة تنشأ من خلل في
التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاث، وهي: طاقة العقل،
وطاقة البدن، وطاقة الروح؛ حيث يقل حظ الجانب الروحي في
أعمال العبد، مثل: التفريط في بعض الفرائض، وغيرها من
أعمال اليوم والليلة من السنن، مثل: الذكر، والدعاء،
والاستغفار، وتلاوة القرآن.
وينشأ نوع من الخلل أو
الانفصام المركب:
أولاً: داخلياً يستشعر
العبد قسوةً وجفاءً مع نفسه.
ثانياً: خارجياً، يستشعر
العبد قسوةً وجفاءً مع الوجود كله.
والنتيجة هي الشعور بأن
النفس والوجود يتنكران له؛ فما هي بالنفس وما هو بالوجود
الذي يعرفهما.
وبمعنى آخر: هي الظاهرة
التي تبحث في حالة صدأ القلب، أو حالة الجفاء الروحي التي
يستشعرها العبد المؤمن، عندما يقصر في طاعة الله ـ سبحانه
ـ؛ فلا يستشعر للعبادة حلاوة، ولا للطاعة لذَّة، ويقاسي
ألم البعد عنه عز وجل، ويتحول هذا إلى شعور بوحدة قاسية،
ومسافات شاسعة، وحواجز نفسية تفصل بينه وبين الخلائق، خاصة
الصالحين.
ويسير في الأرض ـ والعياذ
بالله ـ كالحيران الذي تتقاذفه عوامل الجذب في كل اتجاه،
ويصبح كحلبة يلتقي عليها المتصارعون، أو يكون نقطة التقاء
للصراع عليه بين استهواء وإغواء شياطين الإنس والجن، وبين
رفقة الخير من الدعاة المصلحين: {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ
الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ
يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى
اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
ويمتد هـذا الشـعور بغياب
لـذة الطاعـة وألم البعـد عنـه ـ سبحانه ـ إلى حالة من
غياب الرغبة في الحياة عموماً، وضياع اللذة في المعيشة في
الدنيا، ثم فوق ذلك استشعار خيبة الأمل في النجاة في
الآخرة:
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124].
وهو تحذير منه ـ سبحانه ـ
لكل مُعرِض «أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه
وتناساه وأخذ من غيره هداه؛ فإن له معيشة ضنكاً؛ أي ضنك في
الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج
لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث
شاء؛ فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقـين والهدى فهـو في قلـق
وحـيرة وشـك فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
عن أبي سعيد في قوله (معيشة ضنكاً) قال: يضيق عليه قبره
حتى تختلف أضلاعه فيه، وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا
جهنم، ويحتمل أن يكون المراد أنه يُبعث أو يُحشر إلى النار
أعمى البصر والبصيرة»(2).
■
خطورة الظاهرة دعوياً:
فالخطورة تأتي من أن هذا
التآكل يهدد الأساس الذي يُخرِج ناشئة الليل؛ وهم
الربانيون ويعطّل حركة انبعاث أو عملية إيجاد هؤلاء
الربانيين الذين سيحملون القول الثقيل؛ وهي الأمانة التي
كان من قدر الإنسان أن يحملها؛ وهو المنهج الرباني، أو هو
القرآن الكريم الذي أنزله ـ سبحانه ـ ليس إلى البشرية فقط؛
بل إلى الوجود كله، وتدبَّر مغزى هذه التوجيهات الكريمة
المبكرة في عمر الدعوة والداعية: {يَا أَيُّهَا
الْـمُزَّمِّلُ * قُمِ
اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً *
نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً
* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ
تَرْتِيلاً * إنَّا سَنُلْقِي
عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً *
إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ
قِيلاً} [المزمل: 1 ـ 6].
فكيف سيتخرج هذا الرباني
المنشود دون قيام ليل، ودون ترتيل للقرآن الكريم وتدبُّر
له؟!
وكيف سيحمل المنهج الرباني
دون المرور على محطة السَّحَر التي هي أفضل الأوقات
واللحظات؛ ليتوافق السمع مع البصر مع اللسان مع الفؤاد ـ
أي كل كيانه ـ لفقه الرسالة وفهم المنهج؟!
وكيف يسير وحده على طريق
مبارك يلزمه مشاركة الوجود معه دون التوافق مع سننه ـ
سبحانه ـ الإلهية؟!
وكيف سيتوافق مع هذه السنن
الإلهية، ويستشعر مشاركة الوجود معه في عبادته من قيام
واستغفار بالسحر وترتيل للقرآن الكريم؛ إلا في تلك اللحظات
الخاصة؟!
وكما ورد عنه -صلى الله
عليه وسلم - أن هذه اللحظات، يحتكرها فقط عباد الرحمن.
■
هل ظاهرة التآكل الروحي سنة إلهية؟
وعندما نقول إنها سنة إلهية
فإننا نقصد أن هذه الظاهرة هي محصلة لفعل قوانين ربانية،
وقواعد إلهية ثابتة، أو هي نتيجة لوجود أسباب بشرية
وزمانية ومكانية انطبقت عليها القوانين الإلهية فكان
الجزاء في صورة تلك الظاهرة.
ونذكِّر أن السنن الإلهية؛
هي:
1 ـ سنن إلهية كونية تنظم
عالم المادة في الآفاق.
2 ـ سنن إلهية اجتماعية
تنظم عالم الأحياء أو الأنفس.
وهذه السنن الإلهية تتميز
بسمات ثلاث هي: العموم، والثبات، والاطراد ـ أي التكرار ـ
إن وجدت الظروف البشرية والمكانية والزمانية.
إذن هذا الجفاء الروحي
نتيجة لخلل ترتب على وجود أسباب بشرية من فعل العبد.
وعندما نقول إن ظاهرة
التآكل الروحي سنة إلهية اجتماعية نقصد أنها من القوانين
الربانية والقواعد الإلهية المنظمة لعالم الأحياء، أو
الأنفس، وخاصة البشر.
أي أن لها أسباباً أوجدتها،
وهذه الأسباب أوجدت خللاً، وهذا الخلل أوجب العقاب الإلهي
أو الجزاء، وهذا العقاب تحكمه قوانينُ تعرف بالسنن الإلهية
الاجتماعية. والأسباب أو الظروف البشرية هنا هي التقصير
بكل درجاته، والنتيجة المترتبة هي حالة القسوة القلبية
والانفصال عن المنظومة الكونية العابدة، والمعادلة أو
القانون أو سلسلة تتابع هذه السنة الإلهية هي كالتالي:
(أسباب تعود إلى العبد ـ
خلل تربوي ـ عقاب إلهي على هيئة جزاء من جنس العمل).
وبمعنى أبسط: هذه الظاهرة،
أو هذا الشعور ما هو إلا نتيجة لعقاب الله ـ عز وجل ـ
للعاصي والمسرف المقصر في طاعته سبحانه.
أي إذا قصر العبد في طاعته
ـ سبحانه ـ فإنه يترتب على ذلك خلل داخل العبد مع نفسه،
وخارجه؛ أي مع المجتمع ومع الوجود العابد لربه، وهنا تأتي
السنَّة الإلهية في هيئة عقاب من نفس نوع الأسباب التي
عملها العبد؛ أي يزيده بُعداً وجفاء مع نفسه ومع الوجود من
حوله.
وتدبَّر هــذا الحـوار بين
العبـد وربـه؛ فلقد تساءل العبد: ما جرمه؟ ومـا سبب هـذا
العقـاب؟ وكانت الإجــابة منــه ـ عز وجل ـ؛ حيث يبين الحق
ـ سبحانه ـ هذا القانون القرآني العام، أو السنة الإلهية
الاجتماعية التي تنطبق على كل من أسرف في الذنوب، وقصَّر
في الطاعة.
«ولهذا يقول: {قَالَ رَبِّ
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه:
125] ؛ أي في الدنيا. قال: {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ
آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:
126]؛ أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم
يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها
كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك {فَالْيَوْمَ
نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا}
[الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل»(1).
ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ
هذا القانون القرآني العام الآخر، أو السنة الإلهية
الاجتماعية الأخرى؛ والتي تنطبق على كل من أسرف في غيه
وكذب بآياته سبحانه:
{وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ
أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ
الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127].
(يقول ـ تعالى ـ وهكذا
نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والأخرة لهم
عذاب في الحياة الدنيا، «ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من
الله من واقٍ»، ولهذا قال: {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ
وَأَبْقَى} أي أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم
مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -
للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة...»(2).
■
ما أعراض هذه الظاهرة؟
لهذه الظاهرة الكثير من
الأعراض العامة والخاصة.
أولاً: الأعراض العامة:
وهي الآثار العامة الكثيرة
للذنوب؛ أي العقوبات التي نغفل عنها ولا ندري ما سببها،
والتي منها: «حرمان العلم والفقه في الدين، ووحشة يجدها
العاصي في قلبه بينه وبين الله ـ سبحانه ـ، والوحشة بينه
وبين الناس، واستشعار الظلمة بالقلب، وضعف البصيرة، وحرمان
الطاعة، ووهن القلب والبدن، وقصر العمر ومَحْقُ البركة،
والوقوع في سلسلة الذنوب، وزيادة إرادة المعصية، وهوان
العبد على الله عز وجل، واستصغار الذنوب، وذهاب الحياء،
والحرمان من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم - والملائكة
واستغفارهم للمؤمنين والمؤمنات، وعدم توقير القلب لله
سبحانه، ونسيان الله ـ سبحانه ـ لعبده، وزوال النِّعم
وحلول النِّقم)(3).
ثانياً: الأعراض الخاصة:
وهي التي نقصد بها الأعراض
التي تؤثر على الجانب الدعوي التربوي.
ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
الأول: استشعار الغربة
الداخلية مع النفس؛ مثل:
1 ـ عدم الشعور بحلاوة
العبادة، مثل: الفرائض، وقراءة القرآن الكريم، والذِّكر.
2 ـ تسرُّب اليأس إلى
النفس.
3 ـ فقدان الأمل بموعوده ـ
سبحانه ـ وموعود نبيه -صلى الله عليه وسلم - .
4 ـ عدم الشعور بلذَّة
البذل الدعوي، وكأنه عمل روتيني وظيفي.
5 ـ عدم الإقبال على حضور
اللقاءات التربوية ومجالس العلم والذِّكر.
6 ـ التقصير في عمل اليوم
والليلة؛ من صلاة وذكر وقراءة القرآن الكريم.
7 ـ عدم الشعور باللَّهفة
للقاء أولياء الله من الدعاة والصالحين المتحابين في الله.
8 ـ الشعور بالكآبة والحزن
والاكتئاب، واستفحال هموم الدنيا والرزق.
9 ـ الفتور العبادي.
الثاني: استشعار الغربة
الخارجية؛ وهذا على أنواع ومراتب:
(أ) الشعور بالغربة مع
المؤسسة التربوية؛ مثل:
1 ـ عدم الهمَّة في إنجاز
التكاليف.
2 ـ التقصير في الواجبات.
3 ـ المطالبة بالحقوق.
4 ـ كثرة النقد.
5 ـ استشعار الجفوة بينه
وبين أعضاء المؤسسة، وضعف رابطة الأخوة والمحبة.
6 ـ الفتور الدعوي.
(ب) الشعور بالغربة مع
المجتمع؛ مثل: ضعف الشعور بمفهوم الخروج إلى الناس،
ومقتضياته؛ مثل:
1 ـ التقصير في الواجب
الدعوي، والمهمة الرئيسة للمسلم مع مجتمعه من أمر بمعروف
ونهي عن منكر.
2 ـ التقصير في فعل الخير.
3 ـ ضعف الشعور بحب الناس
والقرب منهم.
4 ـ الفتور الانعزالي، وبغض
مخالطة الناس.
(ج) الشعور بالغربة مع
الوجود الكبير؛ مثل:
1 ـ الشعور بعدم الأُنس
بالوجود الكبير؛ مثلما حدث مع كعب رضي الله عنه.
2 ـ عدم التفاعل مع الخلائق
والاندماج في المنظومة العابدة، وغياب الشعور بلذَّة
العبودية الجماعية الشاملة.
وتدبَّر هذا الأُنس المؤمن،
والتفاعل بين الخالق ونعمه، ومع الخلائق وامتنانهم بنِعَم
خالقهم، وتأمَّل هذا الربط الطيب بين ذكر الرحمن، وبين ذكر
نعمة تعليم القرآن الكريم وتفهيمه، ونِعَمة خلق الإنسان،
ونعمة تعليمه النطق والبيان، وبين حركة الشمس والقمر
المقدرة بإتقان وحساب دقيق، وسجود النجم؛ وهو النبات الذي
ليس له ساق، فيمتد على الأرض ساجداً عابداً لربه العظيم،
وكذلك سجود الشجر؛ أي النبات الذي له ساق، فيرتفع سامياً
شامخاً بعبوديته، ونعمة رفع السماء بلا عمد، ووضع الموازين
والمقاييس السماوية الربانية للوجود، والسنن الإلهية، ثم
الأمر بالطاعة لهذه الموازين والسنن بالقسط والعدل، ثم ربط
هذا كله بنعمة عظيمة مغفول عنها؛ ألا وهي نعمة تمهيد الأرض
للخلائق للعيش بسلام.
كل ذلك في منظومة عابدة
ساجدة لا يشذُّ عنها إلا هالك، ولا يغفل عنها إلا جاحد،
ولا ينكرها إلا ضالّ.
{الرَّحْمَنُ
* عَلَّمَ الْقُرْآنَ
* خَلَقَ الإنسَانَ
* عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
* الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ
وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ *
وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ
* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي
الْـمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا
الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ
* وَالأَرْضَ وَضَعَهَا
لِلأَنَامِ}
[الرحمن: 1 - 10].
■
ما سُبُل علاجها؟
وسُبُل العلاج منها العام
ومنها الخاص.
أولاً: السبل العامة:
وهي طرق العلاج العامة
المشروعة لأسباب التقصير في طاعته ـ سبحانه ـ، الباعثة إلى
الخلل في مسيرة العبد، مما يترتب عليه جزاء من جنس العمل
ألا وهو حالة الجفاء القلبي؛ أو ما يُعرف بظاهرة التآكل
الروحي.
ونقول إنها عامة، للحالات
العامة؛ أي تفيد أي عبد قاسى من هذه الظاهرة.
ومن هذه السُّبل:
1 ـ الذِّكر.
2 ـ تلاوة القرآن الكريم.
3 ـ الصلاة.
4 ـ صحبة الصالحين.
5 ـ الاستغفار.
6 ـ الدعاء.
7 ـ قراءة التاريخ.
8 ـ التفكُّر في خلق
السماوات والأرض.
9 ـ زيارة القبور.
ثانياً: السُّبل الخاصة:
وهي السُّبل الخاصة
المشروعة، للحالات الخاصة؛ والمفيدة لأسباب خاصة من
التقصير في طاعته ـ سبحانه ـ.
حيث يستشعر العبد أنه يمتلك
قوة معينة تنطلق من أدائه لعبادة معينة.
فإذا فتَّش في ذاته وتلمَّس
سبباً معيناً من أسباب التقصير، وجد على الفور قوة ربانية
معينة، تنطلق من طاعة معينة؛ فتعينه على معالجة هذا السبب
الخاص.
فيظل يعالج سبباً سبباً،
حتى يبرأ من كل أسباب التقصير، فينمحي الخلل، فيجازيه الحق
ـ سبحانه ـ جزاءً من جنس عمله.
أي يبدأ في طاعة معينة
تعالج سبباً معيناً اكتشفه في نفسه، ويجتهد فيها ويداوم
عليها فترة، بينه وبين ربه الودود الكريم، فينمحي الخلل
النفسي الداخلي، فيستشعر أنه بدأ المسير المبارك؛ فيجازيه
الحق الحنان المنان الرحيم ـ سبحانه ـ بأن يهديه إلى طاعة
أخرى وييسّرها له؛ فالطاعة عنده ـ سبحانه ـ تؤدي إلى طاعة،
فيسمو روحياً، ويظل يترقى ما دام سائراً على طريقه:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ}
[العنكبوت: 69].
وتدبَّر هذا الحديث،
وتأمَّله وكأنك تقرؤه لأول مرة:
عن الحبيب -صلى الله عليه
وسلم - أنه قال: «إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أمر يحيى بن
زكريا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ بخمس كلمات أن يعمل بها،
ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها،
فقال له عيسى ـ عليه السلام ـ: إن الله ـ تعالى ـ أمرك
بخمس كلمات لتعمل بها؛ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها،
فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني
بها أن يُخسَف بي وأُعذَّب. فجمع يحيى الناس في بيت
المقدس، فامتلأ المسجد، وقعد على الشرف، فقال: إن الله ـ
تبارك وتعالى ـ أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن
تعملوا بهن: أولُهنّ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً،
وإن من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبداً من خالص ماله
بذهبٍ ووَرِقٍ(*)، فقال: هذه
داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ؛ فكان يعمل ويؤدي إلى
غير سيده؛ فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟
وإن الله أمركم بالصلاة؛
فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في
صلاته ما لم يكن يلتفت، وأمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل
رجلٍ في عصابة معه صرّة فيها مِسك، كلهم يعجب، أو يعجبه
ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.
وأمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك مثل رجلٍ أسره العدو، فأوثقوا
يديه إلى عنقه، وقدّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي
منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وأمركم أن تذكروا
الله ـ تعالى ـ فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره
سراعاً؛ حتى إذا أتى على حصنٍ حصينٍ، فأحرز ـ أي حمى ـ
نفسه منهم؛ كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر
الله تعالى.
قال النبي -صلى الله عليه
وسلم - : وأنا آمركم بخمسٍ، اللهُ أمرني بهن: السمع،
والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من فارق
الجماعة قيدَ شبر فقد خلع ربقة الإسلام ـ أي عروة من الحبل
تُشدّ إليه ـ من عنقه إلا أن يراجع، ومن ادّعى دعوى
الجاهلية؛ فإنه جُثى ـ بضم الجيم وكسرها ـ جهنم. فقال رجل:
يا رسول الله! وإن صلى وإن صام؟ قال: وإن صلى وصام ـ في
المسند أضاف: وزعم أنه مسلم ـ فادعوا بدعوى الله الذي
سمَّاكم المسلمين المؤمنين عباد الله»(1).
قال ابن القيم ـ رحمه الله
ـ: «في هذا الحديث العظيم الشأن ـ الذي ينبغي لكل مسلم
حفظه وتعقُّله ـ ما يُنجي من الشيطان، وما يحصل للعبد به
الفوز والنجاة في دنياه وأخراه. فالمقصود أن الله عز وجل،
قد أمدَّ العبد بالجنود والعدد والأمداد، وبيّن له ما يحرز
به نفسه من عدوه، وبماذا يفتكُّ نفسه إذا أُسِرَ»(2).
ونحن في هذا المقام سنحاول
التركيز فقط على جانب الاهتمام بالدعاء والاستغفار؛ لما
لهما من آثار وقوة تعين العبد في سيره المبارك، وكبابين
عظيمين من أبواب التربية الروحية.
القوة الدعائية: وهي من
القوى المطلوبة لعلاج هذ |