|
وقف
( عماد ) يتأمل المناظر الطبيعية الخلابة التي تظهر له وهو على ظهر السفينة
التي تقلّه مدعواً لرحلة ترفيهية مع صديقه المقرب ( كريم ) ، وبينما هو
مستند إلى حاجز السفينة وقد بهرته روعة تلك المشاهد الخلابة التي تنطق
بعظمة الخالق المبدع سبحانه وتعالى أغراه جمال المنظر أن يميل بجسده
أكثر إلى الأمام ليتمكن من رؤية السفينة وهي تمخر عباب البحر وقد كانت
سفينة صغيرة جميلة الشكل وفجأة جاءت موجة عنيفة اهتزت معها السفينة اهتزازاً
شديداً فاختلَّ توازن ( عماد ) وحدثت المصيبة . سقط ( عماد ) في قلب المحيط
، وتعاظمت المصيبة ، فـ ( عماد ) لا يحسن السباحة ، صرخ طالباً النجدة حتى
بحّ صوته ، وظل يصارع الموج دون جدوى ، وبدأ ينادي بصوت يشبه هزيم الرعد :
يا جيلاني ! يا شاذلي ! يا دسوقي ! يا محضار ! علّهم يستطيعون إنقاذه .
وبينما هو يصارع تلك الأمواج العاتية وينادي بأعلى صوته ؛ إذ رآه ( محب )
وهو رجل كهلٌ تعلوه المهابة ، في الخمسين من عمره ، كان مسافراً معه على
ظهر تلك السفينة ، وعلى الفور أطلق جهاز الإنذار ثم رمى نفسه في الماء
لإنقاذ عماد .
وبسرعة دبَّ النشاط والحركة في جميع أركان السفينة ، وهرول المسؤولون
وتجمّع المسافرون على ظهر السفينة يرقبون المشهد ويبادرون بالعون والمساعدة
، فألقوا قوارب النجاة إلى المياه ، وتعاونت فرقة الإنقاذ مع الرجل الشهم
على الصعود بـ ( عماد ) إلى ظهر السفينة ، وتمت عملية الإنقاذ بعون الله
تعالى ، ونجا ( عماد ) بقدر من الله من موت محقق ، وتلقّفه صديقه ( كريم )
معتنقاً إياه ، ثم انطلق يبحث حوله عن ذلك الرجل الشجاع الذي جعله الله
تعالى سبباً في إنقاذ حياته ، فوجده واقفاً في ركن من أركان السفينة يجفف
نفسه ، فأسرع إليه ( عماد ) واعتنقه وقال : لا أدري كيف يمكنني أن أشكرك
على جميلك معي ؟ لقد أنقذت حياتي . فابتسم الرجل ابتسامة هادئة ونظر في
الأفق [1] متأملاً ، ثم التفت إلى ( عماد ) وخاطبه قائلاً :
( يا بني ! حمداً لله على سلامتك ولكن أرجو أن تساوي حياتُك ثمنَ بقائها )
.
تعجّب ( عماد ) من هذه الكلمات ، ونظر إلى الرجل مستوضحاً معنى كلامه .
استمر الرجل في كلامه قائلاً : ( لقد سمعتك وأنت تصارع الأمواج العاتية
تنادي الجيلاني والدسوقي وغيرهما كي ينقذوك ، فعلمت أنك بحاجة إلى الإنقاذ
! ) .
عماد : وما المشكلة في الاستغاثة بهم ؛ أليسوا هم أولياء الله الذين يغيثون
من أصابه الكرب والضيق والغرق وقد استجابوا لندائي وأرسلوك لإنقاذي ؟ تبسم
( عماد ) عند هذه الكلمة .
بدا على ( عماد ) التحمس الشديد لمواصلة النقاش مع ما أصابه في هذا اليوم
الصعب من متاعب ، بادَرَه ( محب ) بقوله : لماذا لا تؤجل هذا الحديث إلى
وقت لاحق كي تأخذ قسطاً من الراحة ، ثم نواصل حديثنا إن شئت فالوقت أمامنا
طويل ؟ وافق ( عماد ) وهو يتحسس أعضاءه التي أصيبت بمواجع وآلام رهيبة .
في عصر اليوم نفسه التقى ( عماد ) و ( محب ) على ظهر السفينة ، وبدا ( عماد
) بحال جيدة . بادره ( محب ) بقوله : لعلك أخذت قسطاً من الراحة ؟ هزَّ
عماد رأسه موافقاً مردداً : الحمد لله .. الحمد لله .
بادر عماد ( محباً ) بقوله : لقد تذكرت حديثاً يتصل بما تكلمنا عنه سابقاً
.
محب : ما هو ؟
عماد : قوله صلى الله عليه وسلم : « إذا تحيَّرتم في الأمور ؛ فاستعينوا
بأصحاب القبور » ، أتردّ هذا الحديث ؟
محب : لا يجوز لأحد من المسلمين أن يردَّ حديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم طالما أن الحديث صحيح . ولكن إذا تأملت في هذا الحديث فإنه موضوعٌ
بإجماع المحدثين ؛ كما أنه مخالفٌ للقرآن الكريم لأن الاستعانة طلب العون ،
وفي سورة الفاتحة يعلمنا الله تعالى بقوله : ] وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ (
الفاتحة : 5 ) فهذا أسلوب يفيد الحصر ؛ فإن الاستعانة لا تكون إلا بالله
وحده ، أي : فلا يُلتمَس عونٌ من أي شيءٍ إلا من الله سبحانه ، وعليه ؛
أفلا يكون هذا القول السابق معارضاً للقرآن الكريم ؟ ألسنا نقرأ الفاتحة في
كل صلاة ونستحضر هذا المعنى لسبب ما ؟ يا صديقي عماد ! إن هذا القول لم
يسمعه أحد من الصحابة منه صلى الله عليه وسلم ، ولم يوجد من قال بمثله في
زمان الصحابة ولا التابعين ، ولم ينقله أحد من المصنِّفين في الحديث الصحيح
.
عماد : لكنه موجود في كتاب ( كَشف الخَفاء ) للعَجْلوني ، وهو صاحب مكانة
كبيرة في الحديث .
محب : قولك صحيح ، لكن « كَشف الخَفاء » صَنَّفه العَجلوني ليميز الحديث
الصحيح من الضعيف ومن الموضوع ؛ مما اشتهر على ألسنة الناس من الأحاديث ،
لهذا كثُرات فيه الأحاديث الموضوعة ، وما على الذين وضعوه إلا أن يتوبوا
إلى الله تعالى .
عماد : إذن الحديث موضوع ! قال عماد هذه الكلمة وبدا كأنه مستغرق في شيء ما
؛ وفجأة بادر محباً بقوله : ولكن ما قولك في قوله تعالى : ] فَاسْتَغَاثَهُ
الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [ ( القصص : 15 ) ؟
ففي هذه الآية الكريمة دليل ظاهر على جواز الاستغاثة بالأموات والغائبين
حينما تصيب الإنسان الأضرار والشرور .
محب : أفهم منك أخي أنك لا تميز بين الاستغاثة الجائزة والاستغاثة الممنوعة
.
عماد : وهل ثمَّة فرق بينهما ؟ محب : التفريق بينهما ظاهر وجلي وقد ذكره
جملة من العلماء ؛ فالاستغاثة الجائزة هي الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر
عليه من الأمور الحسية في قتال أو دفع ضرر ، أما الاستغاثة الممنوعة فهي
محصورة بالاستغاثة بالغائب من الشدائد كالمرض وخوف الغرق وهي الحالة التي
كنت بها قبل قليل .
وهنا تحرك محب وعماد إلى ركن قصي من السفينة وجلسا على مقعدين متقابلين .
عماد : لكن ألسنا نستعين بالإنسان الحي ؟ وهكذا روح الولي الميت ، هي
كالسيف المسلول من غِمده ، فهو أكثرُ قدرةً على الإعانة ، وهؤلاء الأولياء
ذوو قدرة كبيرة على التصرف .
المحب : أخبرني من الذي أنبأك أن روح الولي كالسيف المسلول ؟ ما سند هذا
القول من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ رسول الله صلى الله
عليه وسلم المتوفَّى نصلي ونسلم عليه كلما ذكرناه أو زرنا قبرَه ، أما أن
ندعُوه فهو مخالفةٌ صريحة للشرع ؛ إذ ما الفرق بيننا وبين النصارى الذين
يدعون نبيَّ الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من أجل نصرهم ؟ ليس
لهذا معنىً سوى اتِّباع سبيل هؤلاء .
أما ما ذكرته بأن الولي إذا مات صار أكثرَ قدرةً على التصرف والإعانة فليس
عليه دليل ؛ لأن الله عالم الغيب والشهادة قد بيّن لنا في كتابه الكريم
بطلان ذلك ، فقال : ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا
المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى [ ( الزمر : 42 )
فهذه الآية تدل على أن الله يُمسك الأرواح في مكان ما في البرزخ . أما عن
الموتى ، فقال تعالى : ] وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي
القُبُورِ [ ( فاطر : 22 ) . وهذا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقول
في الآخرة كما قال الله عنه : ] وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ
فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ ( المائدة : 117 ) . فإذا كان رسولُ
الله المسيحُ عيسى بنُ مريم عليه السلام نفسُه لا علمَ له بما أَحدَثَت
أمتُه من بعده ، فكيف يُقبل أن تكون روح الولي كالسيف المسلول من غِمده ]
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ
إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ ( الأحقاف :
5 ) .
بدا الإنصات الكامل على عماد ؛ فها هو يسمع كلاماً شافياً من القرآن العظيم
، أنصت طويلاً وسكن سكوناً تاماً وهو يتأمل هذه الآيات الكريمات ، وكيف لم
تستوقفه أثناء تلاوته القرآن التي هو حريص عليها كل الحرص .
عاد ( محب ) بمقعده إلى الوراء قليلاً وقال ملاطفاً ( عماداً ) ومحترماً
سكونه : دعني أطلب لك شاياً تجدد به نشاطك .
ذهب ( محب ) ، وعينا ( عماد ) ترمقه وهو يقول في نفسه : أحق ما يقول ، أم
هو الباطل عينه ؟ إنه يذكر آيات محكمات .. ولكن . اصطرعت في ذهنه أفكار شتى
، وأحسَّ أن الأرض بدأت تدور به ، أفاقَ
ومحب واقف بجانبه وعلى وجهه ابتسامة عريضة وفي يديه كوبان من الشاي . رشف
عماد من كوبه رشفة وبدا كأنه يريد أن يلقي بشيء إلى محب فقال له : عمتي
تزوجت منذ زمن بعيد ولم تنجب أطفالاً ، وقد زارت كل مصحة سمعت بها من غير
فائدة تذكر ، وحينما ذهبت إلى قبر الجيلاني رُزقت بولد جميل ؛ ألا يدل هذا
على قوة تصرف الأموات ؟ أجاب محب بكل هدوء : ألم يُخبِرنا النبي صلى الله
عليه وسلم عن عمل الإنسان بعد موته قائلاً : « إذا مات الإنسان انقطع عنه
عملُه إلا من ثلاثةٍ : إلا من صدقةٍ جارية ، أو علمٍ يُنتفع به ، أو ولدٍ
صالحٍ يدعو له » [2] ؟ فالجيلاني رحمه الله انقطع عمله بنص كلام النبي صلى
الله عليه وسلم ، ورزق ربك لعمتك الولد هو فضل ينبغي عليك أن ترده إليه
سبحانه لا إلى قبر الجيلاني ، فكل هذه الأعمال يستمر ثوابُها حتى بعد الموت
، وإلا فلم يبقَ له أيُّ عمل بعد وفاته .
ولو تأملت قليلاً : هل يقدر الأموات على ما لم يقدر عليه الأحياء ؟ والله
تعالى يقول : ] وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ
اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ
[ ( فاطر : 22 ) .
وما أسوأَ أن يَقُصّ الإنسان على الناس الأعمال التي لا أصل لها من حيث
تحقُّقها سوى أنْ رآها فاعلوها حسنةً في أعينهم فأكبروها لتعظيم من زيّنها
لهم من البشر .
إن من ذهب به إلى القبر فشفي ، فلعله شُفي حقاً ، أما أن يكون الميتُ وسيلةً
يُستشفى به فهذا ما لا يمكن قبولُه أبداً .
وها نحن نرى أتباع الطريقة القادرية يَغرِزون السكاكين في أبدانهم
ويَحسَبُه بعض الناس كراماتٍٍ خُصَّ بها القومُ ، وكذا الهنود ، فهم
مَعروفون بإنفاذ السيوف في أجسادهم ، ويَغرِزون في خُدودهم قَصَباتٍ سُمكها
كخشب المَطارق حتى تَنفذ من الشِقِّ الآخَر ، فلو كان صنيعُ القادِريّةِ
كراماتٍ لوَجب أن يُنسب هؤلاء الهنودُ إلى فِعل المُعجِزات .
والحقيقة أنه لا علاقة لأفعال أحد من الفريقين بالدين ، بل يجب تنزيه الدين
عن مثل هذه الأفعال .
عماد : ولكن الشيخَ عبدَ القادر الجِيلانيَّ في بعض شعره يقول : مريدي إذا
ما كان شرقاً ومَغرباً أُغِيثه إذا ما صار في أي بلدةِ وقد شهدت بعض
الحالات التي استغاث المريد فيها بشيخه فتمثل له وأنقذه مما
هو فيه من كرب وضيق .
محب : إن كلامك هذا تنقضه الآيات القرآنية ؛ حيث قال تعالى : ] أَمَّن
يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ
خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ [ (
النمل : 62 ) ، فإذا ما ظهرت للمرء حاجةٌ فسأل قضاءَها من غير الله سبحانه
وتعالى فكيف له أن يشعر بوجوب التجائه إلى الله سبحانه وتعالى ؟ ومن ناحية
ثانية فإن أكثر ما يُذكَر عن هؤلاء الشيوخ غيرُ صحيح ، والشعر المذكور آنفاً
نعُدُّه من هذا القسم ، فإذا كان قد اختُلق الكذبُ بالآلاف من الأحاديث على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فكيف لا يُكذَبُ على عبد القادر الجيلاني
أو الجنيد أو الإمام الرباني ؟ ولو فرضنا أن عبد القادر الجيلاني جاءنا
وذَكر لنا هذا الشعر لم نُسلِّم له به معتذرين عنه بقلّة علمنا إلى جانب
علمه ، بل نردّه عليه غيرَ متردِّدين ؛ لأننا سنُحاسب يوم القيامة عن
القرآن وليس عن عبد القادر الجيلاني . عماد : ألا يستعين الناس بعضُهم ببعض
؟ فكيف لا يُستعان بغير الله إذن ؟ المحب : توجد العديد من الآيات
والأحاديث التي تَحثُّ على التعاون والتناصر لكن الكلَّ يعلم أن طلبَ
المعونة من الأموات تختلف عما نحن فيه ؛ فبعض الناس يستعينون بهم في
المواضع التي يجدون أنفسهم عاجزين عنها ، فيدعونهم لدفع ضر أو جلب مصلحة
متخذين وسائل خارقة للعادة . وأضرب مثلاً : واجه بعضُ الناس سيلاً جارفاً
وهم ركوب في سياراتِهم ، فدعا أحدُهم الرفاعي قائلاً : « يا سيدنا يا رفاعي
! يستعين به ، ولو أن هذا الداعيَ سأل الله العليمَ البصيرَ الخبير الذي لا
يخفى عليه شيء لكان قد أحسن الصنع ، ولكنه يسأل السيدَ الرفاعي الذي يرقد
في قبره ؛ فهذا يعني أنه يؤمن بأن الرفاعي قادر على سماع دعائه والمجيء إلى
ذلك المكان وإعانته فوراً ، فهذا الداعي يتخيل في الرفاعي بعض الصفات التي
هي فوق صفات البشر ، منها : الحياة والعلم والسمع والبصر والإرادة والرحمة
والقدرة ، والحياةُ خلاف الموت ، فلو لم يكن يَعُدُّ الرفاعي حياً لما دعاه
أو سأله المعونة ، ولو كان هذا الفعل صواباً لفعله صحابة محمد صلى الله
عليه وسلم مع وقوعهم في المضائق والكربات ، ومع هذا لم يذكر عن أحد منهم
أنه استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم . تقطب جبين عماد حين سماعه لهذه
الكلمات وقال معارضاً : من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغيث أمته
ويلتقي بالصالحين منهم . المحب : أخي ! من الذي جعل هذا معلوماً ؟ رسولنا
صلى الله عليه وسلم بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وهو يقول
فيما ذكره الله على لسانه : ] قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ
ضَراًّ [ ( الأعراف : 188 ) وجسده الشريف في قبره لا يخرج منه إلى يوم
القيامة .
عماد : ما الدليل على هذا ؟ بل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من قبره
ليغيث أمته . محب : الدليل قول الله تعالى : ] ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ
لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [ (
المؤمنون : 15-16 ) وثم للتعقيب أي أننا نموت وبعدها نبعث من غير فصل ،
والخطاب عام فيشمل المرسلين وغيرهم . وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما أنه كان يقول : لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي :
« ما لي أراك منكسراً ؟ فقلت : يا رسول الله ! استشهد أبي وترك عيالاً
وديْناً ، قال : أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قلت : بلى يا رسول الله
! قال : ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك كفاحاً ، فقال
: يا عبدي تمنَّ عليَّ أعطِك ، فقال : يا رب ! تحييني فأُقتل فيك ثانية ،
فقال الرب : إنه سبق مني : أنهم إليها لا يرجعون » [3] .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مات
أحدكم عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل
الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك
الله يوم القيامة » [4] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن من
أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خُلق آدم ، وفيه قُبِضَ ، وفيه النفخة ، وفيه
الصعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ ، قالوا :
يا رسول الله ! وكيف تُعرض صلاتنا عليك ، وقد أَرِمْتَ ؟ يقولون : بليت ،
قال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء » [5] فهذا الحديث يدل
على أن أجساد الأنبياء عليهم السلام لا تفارق قبورهم .
والقول بأنه يخرج من قبره ليغيث الأمة فيه مخالفة صريحة لكلام الله جل وعلا
، ألم يقل الله تعالى : ] قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ
وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى
خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ [ ( غافر : 11 ) .
فخروج النبي صلى الله عليه وسلم من قبره مخالفة لهذه الآية الكريمة . عماد
: وكيف هذا ؟ محب : من المعلوم أن الله خلقنا من العدم ، وهذه هي الموتة
الأولى ، ثم بعد ذلك نموت في الدنيا واحدة ، وبعد الموت حياة أخرى ؛ فالقول
برجوع النبي صلى الله عليه وسلم أو الرجل الصالح من قبره فيه مخالفة ظاهرة
لهذه الآية ، فتكون ثلاث موتات وليست موتتين . عماد : كلامك جيد ! ولكن لعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم يغيث بروحه وليس بجسده ؛ وكذلك الأولياء
يغيثون بأرواحهم . محب : أخي عماد ! أنا لا أدري حقيقةً من أين تأتي بهذه
الأفكار ! المسألة سهلة يسيرة : الله خلقنا وعلينا إفراده بالعبادة ؛ فما
الحاجة للاستغاثة بغيره وهو موجود سبحانه وتعالى ، ومع هذا تأمّل هذا
الحديث الشريف : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم سألوه عن هذه الآية : ] وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ [ ( آل عمران : 169 ) فقال صلى الله عليه وسلم : أرواحهم في
جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى
تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطِّلاعة ، فقال : هل تشتهون شيئاً ؟
قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ؟ ففعل ذلك بهم ثلاث
مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا ، قالوا : يا رب ! نريد أن
ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم
حاجة تُرِكوا » [6] . ويستفاد من هذا الحديث : 1 - أنهم سألوا ربهم أن
تُرَدَّ أرواحهم في أجسادهم ، وهذا صريح في أنها قد فارقتها بالموت . 2 -
أنهم تمنّوا الرجوع إلى الدنيا ليقاتلوا في سبيل الله لما رأوا من عظيم
ثواب الشهادة ، فمُنعوا من ذلك ، فقد انقطع التكليف وانقطع العمل وما بقي
إلا الجزاء ؛ فإذا لم يملكوا هم لأنفسهم نفعاً ولا حياة ولا تصرفاً ، مع
كرامتهم عند ربهم ووجاهتهم عنده ؛ فكيف يملكون لغيرهم من الخلق جلب منفعة
أو دفع مضرة ؟ ! عماد : لكن الشهداءَ لا يموتون .
محب : الشهداء أحياء عند ربهم . قال الله تعالى : ] وَلاَ تَقُولُوا لِمْن
يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ
تَشْعُرُونَ [ ( البقرة : 154 ) . فهذه الحياة برزخية ليست مما نشعر بها ،
ولو كنا نستطيع الشعورَ بها لما تأَسَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم على
عمِّه حمزةَ الذي مات شهيداً ، ولو كان حمزةُ يُجيب المناديَ لجاءه أحياناً
ولسأله قضاءَ بعض الحاجات . وقال تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
] وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ
الخَالِدُونَ [ ( الأنبياء : 34 ) ، وقال : ] إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم
مَّيِّتُونَ [ ( الزمر : 30 ) .
فما معنى الموت ها هنا ؟ وما الذي يدل عليه إذا كان لا يزال يخرج من قبره
ويغيث الناس ؟ والله تعالى يقول : ] وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ
يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ
وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [ ( النحل : 19-21 ) .
وما أكثر الذين يستعملون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأغراضهم
السيئة ! فهؤلاء يفترون على الله الكذب لتدومَ لهم السيطرةُ على الناس ،
وهم يُضلونهم بزعمهم أن رسول الله حيٌّ وأن لهم معه لقاءاتٍ رغم الكثير من
الآيات التي يُخفونها ، حتى إن منهم من يدّعِي في رسول الله أنه نقيب
المفتشين ، يراقب مَن حولَ الشيخ .
عماد : لو شاء الله أما يمنح المحضار أو الدسوقي أو الجيلاني أن يجيب
المستغيث به ؟
محب : الله على كل شيء قدير ، ولكن لا يصلح أن يُستدَل بقدرة الله على جواز
مثل هذا ؛ فمن ذا الذي يستطيع أن يدَّعِيَ في أحد هؤلاء قدرةً خاصة وكلُّ
هذه الآيات بين أيدينا ؟ ونحن كلُّنا ورسلُ الله معنا عبادٌ لله تعالى ،
والله تعالى ربُّنا ومليكنا ، ولا يملك العبد أمام سيده شيئاً ، وكذلك كل
الناس بين يدي الله وإن كانوا رسلاً .
محب : أخي عماد !
عماد : نعم !
محب : بقي أمور لا بد لك من التنبّه لها في مسألة دعاء غير الله وهي أمور
لا ينفك عنها من دعا غير الله .
عماد : مثل ماذا ؟
محب : أولاً : أن من يدعو غير الله من الأموات أو الأحياء لا ينفك من
اعتقاد علمهم بالغيب ، ولا شك أن الله جل وعلا ] عَالِمُ الغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ [ ( الأنعام : 73 ) .
ثانياً : أن من يدعو غير الله من الأموات أو الأحياء الغائبين لا ينفك من
اعتقاد أنهم متصرّفون في الكون .
عماد : هذان والله أمران عظيمان ، وإني أبرأ إلى الله من دعاء غيره ! بدا
البشر والسرور على وجه محب ، وقال : بارك الله فيك أخي عماد ! فهذا هو دأب
باغي الحق العودة والأوْبة إلى صراط الله .
في هذه الأثناء اهتزت السفينة هزة خفيفة ابتسم محب ، وابتسم عماد . واستأنف
محب حديثه بقوله : وزيادة على ما ذكرته فسأبيّن لك هدي محمد صلى الله عليه
وسلم والأنبياء من قبله في الدعاء إن مسّهم الضر :
1 - أيوب عليه السلام : قال الله تعالى : ] وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ *
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ
وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [
( الأنبياء : 83-84 ) .
2 - ذو النون يونس بن متى عليه السلام : قال الله تعالى : ] وَذَا النُّونِ
إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي
الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ
وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ [ ( الأنبياء : 87-88 ) .
3 - يوسف بن يعقوب عليهما السلام : قال الله تعالى : ] قَالَ رَبِّ
السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ
عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجَاهِلِينَ *
فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ العَلِيمُ [ ( يوسف : 33-34 ) .
4 - زكريا بن عمران عليه السلام : قال الله تعالى : ] هُنَالِكَ دَعَا
زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ
يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً
بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِياًّ مِّنَ
الصَّالِحِينَ [ ( آل عمران : 38-39 ) . وقوله تعالى : ] وَزَكَرِيَّا إِذْ
نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ
* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ
زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا
رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [ ( الأنبياء : 89-90 ) .
5 - موسى بن عمران عليه السلام : قال الله تعالى : ] وَقَالَ مُوسَى
رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي
الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ
عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى
يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا
فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [ (
يونس : 88-89 ) . هذا دعاء الأنبياء الذين اصطفاهم واختارهم ، فهم خير
البشرية ولبابها ، ترى الواحد منهم إن مسه البأساء أو الضراء رفع يديه لرب
الأرض والسماء يدعوه ويسأله أن يكشف ما به من ضر ، فلِمَ لا نقتدي بهم ؟
أخبرني يا عماد ؟ عماد : عن أي شيء أخبرك ؟
محب : ماذا يقول من يدعو غير الله ؟ أليس يقول : يا حسين أغثني ! يا دسوقي
اشفني ! يا بدوي انصرني ! يا شاذلي ارزقني مالاً أو ولداً ! ، والله تعالى
يقول : ] وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ
فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ [ ( يونس : 106 ) . ]
فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ [
( الشعراء : 213 ) . ] وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ [ ( القصص : 88 ) .
عماد : سبحان الله ! ولكن أخبرني ما هو هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
في الدعاء ؟
محب : دعنا نناقش هذا في مجلس قادم بارك الله فيك .
عاد محب إلى حجرته في السفينة وذهنه مليء بأفكار مصطرعة ما بين تعجّب
وإشفاق وفرح لصديقه . قام إلى منضدته واستلّ قلمه ، وكتب الرسالة التالية
إلى عماد :
رسالة إلى عماد .. إذا سألت فاسأل الله . رسالة صادقة أبعثها إليك . ( إذا
سألت فاسأل الله ) .
أخي الحبيب : إنّ نصح نبينا محمد عليه الصلاة والسلام لأمته فوق كل شبهة
وإشفاقه عليها ليس مجالاً لأدنى شك ، كيف لا وهو الذي بذل الغالي والنفيس
في سبيل دعوته ؛ فإذا أمرني وإياك بأمر ، وجب تقديم أمره على كل مقدم ، وقد
قال هو بأبي وأمي : « إذا سألت فاسأل الله » [7] .
إن قلبك ليدمى حرقة ولوعة وأسى حين تسمع السؤال ؛ ولكن لغير الله ، والدعاء
؛ ولكن لأصحاب القبور ، والالتجاء ؛ ولكن لشخص من البشر . أخي الحبيب : ألا
ترى تلك الجموع وقد حطت رحالها بباب البدوي أو المحضار أو الجيلاني أو
الحسين سيد شباب أهل الجنة ، ألا تراهم يتفيّؤون نسائم الرحمات ، ويتلقون
برد الرحمة والرضا ، أتراهم على جادة أم عن الجادة نكصوا ، وقد قال جدّ
الحسين صلى الله عليه وسلم : « إذا سألت فاسأل الله » .
أتراهم سألوا الله أم سألوا غيره ؟ أيها الحبيب : استمع معي إلى قول الله
تعالى : ] وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ ( البقرة : 186 ) ، هل تأملت لماذا هو
قريب ؟ ولماذا هو يجيب دعوة الداعي ؟ أَلأجلِ أن يُدعى غيره ؟ أم لأجل أن
يُلتجأ إليه ويوحد في الدعاء ؟ حكِّم عقلك . استمع إلى قوله تعالى : ] لَهُ
دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ
لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ
وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ [ (
الرعد : 14 ) .
أتظن أن الماء سيبلغ فاه ؟ لا ، والله ! أتحب أن يكون وصفك كما هو في آخر
الآية ؟ إني والله عليك مشفق . استمع أيها الحبيب إلى هذه الآية : ]
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ [ ( الرعد : 15 ) . أترى أنه بعد هذه
الآية يجوز السجود لغير الله ؟ استمع للآية التي تليها : ] قُلْ مَن رَّبُّ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ
أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَراًّ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ
وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ
فَتَشَابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ
الوَاحِدُ القَهَّارُ [ ( الرعد : 16 ) .
لا والله لا يستوي الأعمى والبصير . أخي الكريم ! أسمعت هذه الآيات ؟ ألا
تراها واضحة في صرامة صارمة في وضوح ؟ هل تحتاج بعد هذه الآيات إلى برهان
ودليل ؟ ومع هذا ها أنت تسمع من طرف قصي :
نادِ علياً مظهر العجائب تجده عوناً لك في النوائب وآخر تراه وقد التزم
القضبان الحديدية لقب |