مجلة البيان ملف الحج التاريخ الهجري اليوم

الأبعاد التربوية للحج

((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَـــجِّ)) [البقرة: 197].

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور" (1).

تـشـكِّـــل الآية السابقة مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ملمحاً يفتح للمسلم باباً عظيماً فـي الفقه نحن في أمس الحاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو فقه ترتيب العقلية المسلمة، أو (فقه الأولويات)، وهو ما يُعرف بفقه مراتب الأعمال؛ حيث يتعلم منه المسلم أن للأعـمـال مراتب متباينة ومتفاضلة في أهميتها وفي ثوابها وفضلها، وأن لكل عمل

وقتاً معيناً، وأولوية متقدمة على سائر الأعمال، وهو ما يُعرف بـ (واجب الوقت).

وعلى ضـــــوء ذلك يمـكـن إعــادة ترتيب العقل المسلم وصياغته، فيدرك من خلاله أن فقه الأولويات: هو مراعاة النسب بيـن الأعـمــــال والتكاليف الشرعية، والإخلال بها يُحدث ضرراً بليغاً بالدين والحياة. والعقيدة في الإسلام مقدمة على العمل. والأعمال متفاوتة تفاوتاً بعيداً، وهي تتفاضل عند الله ـ سبحانه ـ ولـيـسـت عـلى درجة واحدة؛ فالنافلة لا يجوز

تقديمها على الفريضة، وفرض العين مقدم على فرض الـكـفـايـــة. ومما ينبغي أن نعرفه: القضايا التي هي أوْلى بالاهتمام فتُعطى الجهد والوقت أكثر مما يُـعـطـى غيرها، وأن نعرف أوْلى الأعداء بتوجيه قوانا الضاربة، وتركيز الهجوم عليه، وأي المعارك أوْلى بالبدء؟

وأجاب ابن القيم ـ رحمه الله ـ عن أي العبادات أفضل: هل الأفضل مـنـهــــا: الأشق؟ أو الأفضل: المتعدية النفع؟ ثم رجَّح أنه لا يوجد أفضل بإطلاق؛ وإنما لكل وقـت عبادة تكون هي الأفضل بالنسبة له(2).

ولا نـنـسـى وصـيـتـه صلى الله عليه وسلم عندما رتب أولويات الإنفاق، فقال: "وابدأ بمن تعول"(3).

وكذلك عندما قص علينا صلى الله عليه وسلم أوضح مثال لعاقبة عدم ترتيب الأولويات بما حــدث لجريج العابد عندما قدَّم الأولوية لعمل صالح مرجوح على عمل صالح آخر أرجح؛ حـيـث قـــدم الاستمرار في صلاته، ولم يلبِّ نداء أمه ثلاثاً، فأغضبها، ودعت عليه دعوة استجاب ـ ســبـحــانه ـ لها فيها، وهي أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات، فاتهمته إحدى البغايا بالزنا والفجور، ولكن الحق ـ سبحانه ـ أنجاه بتوبته وصلاحه(4).

والداعية أوْلى الناس بامــتـلاك تـلـك العقلية المرتبة، فيعرف حق الوقت، ويفقه أولوياته، ويربأ بنفسه أن يكون تعامله مع القضايا تعاملاً مختلاً، مثل ذلك السفيه الذي استجار به غريق فاشترط أولاً أن يستر هذا الغريق المسكين عورته، حتى ينقذه!

إشارة نبوية:

تـنـمـيـة روح الجـنـديـــة والانضباط: وتبدأ هذه الرحلة المباركة من أماكن معينة، تعرف بالميقات المكاني للحج، وهــي خمسة حدود مكانية؛ فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال:"وقَّت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة،ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يَلمْلَمْ. قال: "فهن لهن، ولمن أتى عليهن مـن غـيــر أهلهن، لمن كان يريد الحج، أو العمرة. فمن كان دونهن فمَهَلُّه من أهله، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها"(5).

ولا يجـــوز تجاوزها بغير إحرام إذا نوى العبد الحج أو العمرة، ومن تجاوزها فإنه يجب عليه أن يعود إليها ويحرم منها، وإلا فعليه دم يذبحه ويوزعه على فقراء الحرم.

من هذه الـشـعـيـرة الـخـــاصـــة يمكننا أن نضع أيدينا على مغزى بعيد لها، وبُعْدٍ تربوي تستشعره النفس من خلال تدبرهـــــا، وهــــو أن يتعود المسلم دوماً أن لكل عمل ولكل أمر حدوداً معينة لا يجوز تجاوزها، بل إن تجاوزهـــــــا قد يكون من الخطورة بمكان؛ حيث ينعكس أثره على صحة العمل نفسه، وقبوله عند الحق ـ سبحانه ـ.

وهذا المغزى الانضباطي التربوي البعيد يكاد يكون سـمــة بارزة من سمات المنهج الإسلامي التي يُربَّى المسلم عليها؛ حيث توجد عنده هذه الروح، ويـنـمـيـهـا في حسه، فتعوِّده على حب النظام والانضباط، والطاعة للأوامر، والتزام حدود كل عمل فلا يتجاوزه، وهي كلها جوانب تندرج تحت صفات الجندية المنشودة.

وكذلك كانت روح كل الشعائر والأعمال الخاصة بركن الحج.

وتـدبر كيف أن لهذا الركن العظيم أركاناً أربعة هي: الإحرام، وطواف الإفاضة، والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة؛ فمن ترك ركناً لم يصح حجه، ولا يتم إلا به.

وتدبر أيضاً أن لهذا الركن واجبات؛ فمن ترك واجباً فعليه دم لفقراء الحرم.

وهي أيضاً روح كل العبادات والشعائر.

ويمكـنـنا أن نأخـذ مثالاً واحـداً وهـو الصلاة، وكيف أن لها شروطاً، وفرائـض، وســنـنـاً معينة، كلها توقيفية لا يجوز الزيادة عليها. والمقام لا يتسع هنا إلى التفصيل أكثر من هذه الإشارات.

وكذلك كانت روح علاقات المسلم كلها. فسلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، ومع أهله له ضوابط محددة، وهي حقوق في عنقه: "إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه"(6).

من هنا نخلص إلى أن الانضباط والتزام حدود الله ـ تعالى ـ من صفات المسلم الحق.

وعكس هذا هو عدم النظام والتسيب، والمخالفة، والتعدي.

بل إن تلك القضية لها آثار خطيرة داخل النفوس وكذلك داخل الصف.

ولنتدبر هــــذه النصيحة العظيمة من الحبيب صلى الله عليه وسلم التي تبرز تلك الرابطة بين النظام في الظاهر، والنظام في الداخل؛ فما هي إلا إشارة حمراء تحذر العاملين، وتبين أن الاخـتلاف الظـاهري ينتج اختلافاً بين القلوب. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(7).

والداعية أوْلـى بالالـتزام بصفات الجندية، وهو اللبيب الذي بالإشارة يفهم؛ فما بالك إذا كانت تلك الإشارة نبوية واضحة جلية؟

إنذارٌ للنمل!

فضل إعلان الهوية: من عند هذه المواقيت المكانية، وفي أثناء تلك المواقيت الزمانية يُحْرِم المسلم إذا نوى الـحـج أو الـعـمــرة؛ وذلـك بــأن يخلع ثيابه التي يلبسها، ويرتدي ثياب الإحرام، وهي تتكون من رداء وإزار أبيضين نظيفين، أما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب المباحة غير ثياب التبرج والزينة، ويستحب للإحرام الاغتسال والتطيب ونظافة الملبس.

وإذا أحرم المسلم كان عليه أن يرفع صوته بالتلبية: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".

ثم يلتزم باجتناب محظورات الإحرام المعروفة.

وبـتـدبـرنــا لهذا العمل من أعمال الحج والذي يُصنَّف ركناً من أركانه، وكذلك واجباً من واجباته، وذلـك مـــن الجانب الذي يهمنا هنا وهو البعد التربوي لهذه الشعيرة، ودورها المهم؛ حيث تستشعر النفس أن هذا العمل يرمز إلى معنى رفيع وهو قضية جهد الإنسان في التغيير وفعاليته في صنع الأحداث، فشرارة البداية في التحولات الحضارية، هي محاولة تغيير النفس: ((إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)). [الرعد: 11].

ومع قناعتنا بأن التغيير المنشود هو التغيير الداخلي أي تغيير النفـس والجوهـر الإنساني، ورغـم يقـيـنـنــا بأن الحق ـ سبحانه ـ لا يعامل الناس بظواهرهم: "إن الله لا يـنـظـر إلـى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"(8).

ولكن البعد التربــوي للإحرام يوجهنا إلى منحى آخر مهم، وإلى دلالة عظيمة هي: أن من أراد التغيير الداخـلـي فــلا يـهـمـل التغيير الخارجي؛ فالإنسان كلٌّ لا يتجزأ، وأي خلل ظاهري له تأثير بعيد داخلياً؛ وذلـك كـمـــا أشرنا إلى وصية الحبيب صلى الله عليه وسلم التحذيرية: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم"(9) وكذلك كما نهتم بتسوية الصفوف، خوفاً من تأثيرها على الداخل: "لَتُسَوُّنَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم"(10).

والإحرام رمز للانسلاخ من مرحلة إلى أخرى، ويعتبر عهداً بين المسلم وربه، وتأكيداً على صدق نية التغيير والالتزام بذلك ظاهرياً بلبس الإحرام، وإعلان ذلك برفع الصوت بالتلبية حتى يعلم الناس جميعاً بهذا الميثاق، وبتوابعه ـ وهي اجتناب محظوراته ـ، بل إن البعد التربوي لهذه التلبية ودلالاتها نستشعرها من تدبر قوله صلى الله عليه وسلم:

"ما من ملبٍّ يلبي إلا لبَّى ما عن يمينه وشـمـالــه من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا ـ يعني عن يمينه وشماله ـ"(11).

وتـدبـر ذلك النداء ورفع الصوت بالتلبية وأثره الكوني والباطني، وتواصله مع ذلك النداء الذي رفـعه مؤسس هذا المشروع العظيم الخليل ـ عليه السلام ـ عندما أمره الحق ـ سبحانه ـ أن يؤذن في الناس، فيبلغهم ويدعوهم، ووعده بالإجابة: ((وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ )) [ الحج: 27] "أي نــادِ في الناس بالحج داعياً إياهم إلى الحج، إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذُكِر أنه قـال: يـا رب كـيـف أبلغ صوتي ولا ينفذهم؟

فـقـال: نـادِ؛ وعـلـيـنـا البلاغ. فقام على مقامه ـ وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس ـ وقـال: يـا أيـهـا الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتاً، فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجـــاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك"(12).

وهـو رمـــز لإعلان الهوية، وما يدل عليه من أن هذا المشروع مشروع كوني يهش ويبش له كل الخلائـق، ويـتـجـاوب معه الوجود كله، ويباركه رب هذه الخلائق ورب هذا الوجود كله ـ سبحانه ـ.

وهـــــو رمز التميز الذي يفرق بين أصحاب هذا المشروع الرباني العظيم وأصحاب المشاريع الأرضـيـة الـمـغـايرة؛ يفرق بين المشروع الذي يتجاوب له الوجود وتأنس إليه الفطرة وبين المشاريع الأخـرى الـتي وإن لم تـصـطــــــدم فهي تتنافر مع الوجود، وتأنف منها الفطرة الإنسانية.

وهـــــو أيضاً عنوان التحدي الذي يشمخ به أصحاب هذا المشروع على غيرهم من أصحاب المشاريـع الـمـناوئة؛ التحدي بالركون إلى الحق ـ سبحانه ـ، إلى القوة التي تباركه وتزكيه وتباهي بأصحابه ملائكة السماء؛ حيث روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه خرج على حِلَقٍ من أصحابه، فـقال: "ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام ومَنَّ به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك.

قال: أما إني لم أستـحـلـفـكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة"(13).

ومن هنا ندرك كم لهذا العمل العظيم من أعمال الحج من آثار كونية!

وكـم لـه مـن آثـــار باطنية تأخذ بتلابيب النفس، ويتراقص لها القلب لهفة وحباً وشوقاً! وذلك استجابة لدعـــــاء الخليل ـ عليه السلام ـ الذي رفعه ذات يوم من أيام هذا المشروع العـظـيـــم: ((رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ)) [إبراهيم: 37].

لذا فهو إعلان مادي بالالتزام بعهد الانسلاخ، والتحول من الماضي بكل سلبياته والدخول إلى المستقبل المنشود من خلال بوابة الحاضر.

والدعاة الـعـامـلــــون يعون جيداً مغزى هذا العمل، ودلالاته الكثيرة، وأهمية تلك النقلة، والعبور من مرحلة التفلُّت إلى مرحلة العمل من أجل أداء هذه الشعيرة الإسلامية الكبرى.

لبنة التربية:

عـنـد هـذه المـواقـيـت المكـانية، وأثناء المواقيت الزمانية للحج يبدأ المسلم رحلته المباركة، ويحدد نيته فيختار أحــد الأنساك الثلاثة: إما التمتع، أو الإفراد، أو القِران.

وكذلك عندما ينهي رحلـتــه يكون على أحد الخيارين: إما التعجل في نهاية اليوم الثاني عشر وقبل غروب شمسه، أو أن يتأخر إلى اليوم الثالث عشر.

وبتدبر هذه الخيارات سواء فـي بـدايـة الرحلة أو في نهايتها التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها أي من الأئمة، وكـذلـك فـي اخـتـلاف الفـقـهــاء في أفضلية أي من الأنساك على غـيـرهـا، وبتدبر هذه الرحمة الإلهية في قوله ـ سبحانه ـ: ((فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَـن تَـأَخَّـــرَ فَــلا إثْـمَ عَـلَـيْـهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ)) [البقرة: 203]، وبالنظرة الشمولية العامة، والغوص في المغزى البعيد للنصوص، وعدم قصرها على موضوع الحج، بل بالتوسع في مـعـناها البعيد، ومن هذا المنطلق المنهجي نجد أن هذه النظرة لهذه الركيزة القائمة على تدبر الخـيـــارات في رحلة الحاج تفتح باباً عظيماً في المنهج، وتكشف أضواءاً على قضيةٍ طالما شغلت الكثيرين في مختلف العصور؛ ألا وهي (قضية تعدد الصواب)، وهي من أهم جوانب إعادة صـيـاغة العقلية المسلمة وركائزها التي ندعو إليها ليزيد رصيدنا من هذه العقليات التي تفقه وتـعـي (فـقـه الموازنات) أو فقه

الترجيح، وهو الفقه الذي على أساسه يقوم بنيان (السياسة الشرعية).

ولا نـنـسـى الفـقـه الآخــر الـمـرتـبـط بهذا الفقه ويلازمه وقد يتداخل معه؛ ألا وهو (فقه الأولويات).

فـعـلـى أســاس هذين الفقهين يتم الترجيح والموازنة بين الاختيارات على أساس الأصوب والأوْلى.

وفـي الـنـهـايــــة نخلص إلى أن ذلك من علامات سعة المنهج ومرونة الشريعة، وكذلك من علامات نضج حـامـلي هذا المنهج وثقتهم في سمو فكرتهم التي يدعون إليها وعلوها، وهي أيضاً دلالة بارزة على سعة أفق دعاة مشروعه الحضاري.

وإذا كان لهذه الـقـضـايـــــا أهميتها في الماضي فإن هذه الأهمية تتضاعف في حلقة الصراع والتدافع الحضاري المعاصرة أمام تيارات ومشاريع مناوئة يُلقي حاملوها بالتهم جزافاً على حاملي المشروع الحضاري الإسلامي، ويتهمونهم بالجمود والتحجر وأحادية النظرة.

آلامٌ ... وآمال:

ضرورة إيجاد محور تغييري واحد: ثم يبدأ الحاج طوافه، فيبدؤه باستلام الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبِّله، فإن لم يتيسر تقبيله قبَّل يده إن استلمه بها، فإن لم يتيسر ذلك، فإنه يستقـبـلـه ويشير إليه بيده إشارة ولا يقبِّلها، قائلاً: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءاً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم يستلم الركن اليماني بيمناه، ويكمل سبعة أشواط مع مراعاة سُنَّتَيْ الاضطباع والرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى.

وحول هذا الركن من أركان الحج، ومن خلال تأملاتنا التي تدور من الجانب الذي يعنينا في هذه الدراسة وهو البعد التربوي له نجد أننا أمام عدة قضايا مهمة:

أولها: عـنـدمــــــا يرنو المسلم إلى هذه الأعداد الغفيرة من كل جنس ولون، ومن كل أرض وصقع، ومن كل لـسـان ولغة، وكيف توحدت في زيها، وفي خطواتها ونداءاتها.

لذا فإننا نؤكد أن هــذا الـديـن هــــو الفكرة الموثوق بها والوحيدة المرشحة من قِبَلِ الحق ـ سبحانه ـ ركيزةً لتجميع الأمة كل الأمــة بعد إخفاق الأفكار الأخرى التي استوردت على أيدي حفنة من بني جلدتنا، فكانت كالنباتات الشيطانية الغريبة على تربتنا.

ثانيها: أهمية وجود القضية المحورية التي لا بد منها لإيقاظ الأمة كل الأمة لتكون مشعلاً يبث الحماسة، وعاملاً يحرك مشاعر الجميع سواء الفرد أو الأمة.

فبرغم توحد اللباس والخطوات والكلـمــات لهذه الجموع الغفيرة إلا أن المشكلة هي وجود القضية أو الفكرة التي توحد اهتمامات الأمة، وتحرك جماهير الشارع.

ولقد حاول المخلصون مراراً أن يوجدوا الـمـشـــروع الذي يجمع شمل الأمة، والذي يشعل حماس أبناء الأمة؛ فإن أمة لا يجمعها قضية خـطـيــرة ومـصـيـرية مثل ضياع أوَّل قبلتيها ومعراج رسولها الخاتم صلى الله عليه وسلم وموطن مقدسات كل الـرســالات السماوية فلن تجمعها قضايا أخرى.

وللأسف يغفل كثير من أبناء الأمة الإسلامية عن هذه القضية التي لا يختلف عليها اثـنـان لتعبئة الأمة حوله، ولتوجيه الأنظار للخطر المحدق بالجميع، ومن أجل مناهضة المشـروع الصهيوني الغـربي الذي يهــدد كـل الأمـة.

أمـا بالـنـسـبـة للفرد المسلم فالكل يطوف ظاهرياً حول محور واحد، والكل يردد الكلمات نفسها،والكل يسكب عبراته،ولكن كلٌ يبكي على ليلاه،حقاً:"إنما الأعمال بالنيات"(14).

ثالثها: أهـمــيــة التنظـيـم؛ وهو ما يُعرف بفقه تنسيق الجهود وتوفير الطاقات، وتوظيف الإمكانات. وهذه القضية تـبدو واضـحــــة في كل أعمال الحج؛ ففي وقت معين وفي أماكن معينة تسير هذه الجموع المليونية في سلاسة وفي يسر وفي نظام عجيب ومعجز، وما كان هذا ليتأتى إلا بالتنظيم الجيد والدقيق الذي وضـعـه صلى الله عليه وسلم عندما حج سنة عشر من الهجرة، وتبعه المسلمون حتى يومنا هذا دون تبديل أو تحريف.

رابعها: عندما ينظر الداعية إلى هذه الجموع المليونية نظرة ذات بُعد كمي؛ فيملأ جوانحه الأمل، ويتذكر مؤسس هـذا المشروع العظيم؛ يـتـذكــر الخـلـيـل ـ عليه السلام ـ وهـو يقف وحيداً، ويؤذن بالحج كما أمــره الحــق ـ سبحانه ـ "نادِ وعلـيـنا البلاغ"، فتكون النتيجة هي هذه الجموع التي لا تُحصى، والتي تأتي من كل حدب وصــوب، حتى قيام الساعة،

مشاة وراكبين، وكلهم شوق وبقلوب تهوي إلى هذا المكان الطاهر.

وهــــــذا ما يؤكد أهمية فقه الدور المطلوب وأجره الموعود؛ فالداعية عليه البلاغ، والحق ـ سبحانه ـ يرعى النتائج بعد ذلك، ويبارك في الأجر العظيم الذي ينتظر الداعية عند القيام بوظيفته البلاغية.

وكذلك حَـمَـلَــةُ الفكرة الربانية العظيمة، ودعاة هذا المشروع الحضاري، لقد كلفهم الحق ـ سبحانه ـ بوظيفة، أو دور معين، ووعدهم بالأجر العظيم على حسن أداء تلك الوظيفة.

ولا نريد أن نـكـرر هنا ما أكدنا عليه ووضحناه آنفاً، ولكننا نذكِّر الداعية أن يفقه وظيفته من حيث ماهـيـتـهـا، ومنهـجية تنفيذها، والأجر المترتب عليها، وكيفية تلقي التكاليف، وحسن تنفيذها، وحـســـــن عرض البضاعة الربانية العظيمة، وضرورة أن يصل إلى درجة البلاغ المبين للفكرة، ثم ـ وهـــذا هو الأهم ـ عليه أن يستشعر هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر، ودور المدد الربـاني فـي تنفـيـــذ جمع شمل الأمة المنشود، وكيف أن هذه النقطة هي النبراس الذي يعطي الأمل للعاملين، وهــو الـعـلامـــة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من أصحاب المشاريع المغايرة.

خامـسـهـا: عـنـدمــا يُتْبِع الداعية هذه النظرة، بنظرة أخرى ذات بُعدٍ نوعي؛ فيملأ قلبه الأسى عندما يتأمل ذلـك الـفــارق الشاسع بين ثقل تلك الأعداد القليلة التي كانت تطوف معه صلى الله عليه وسلم وأثرهــــا في صنع أحداث الكون حولها، ودورها في صنع حركة التاريخ، وبين ثقل هذه الجموع المـعـاصرة، وهم يطوفون الطواف نفسه، ويرددون الكلمات نفسها، ولكن أصابهم مرض العصر، مـــــرض الغثائية، أو الإمَّعية، وكيف تداعت عليهم أرذل الأمم، فشتتت جموعهم، وأصبحوا على هامش الأحداث.

وهي مرحلة القصعة التي حذر منها صلى الله عليه وسلم: "يـوشـــــك أن تـتـداعى الأمم عليكم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟! قـال: بل أنتم يـومـئـذ كــثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة مـنـكـم، وليقذفن الله فـي قـلـوبـكــــم الوهن. قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا

وكراهية الموت"(15).

ويـعــــــود الداعية بعد تدبره لهذا الملمح التربوي، إلى نظرة واقعية يراجع بها منهجيته، فيدرك أهـمـيــة التركيز على التربية، ويهتم بالتقييم النوعي لثماره، ولا يغتر بالتجمعات الغثائية القطيعية.

سادسها: عندما يستلم المسلم الحجر الأسود، تعاوده السكينة، ويطمع في وعده صلى الله عليه وسلم: "إن مسحهما يحطَّان الخطايا حطّاً"(16).

ســابـعـهـــا: عندما يتأمل الداعية مشروعية سُنَّة الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويدرك مغزى حرصه صلى الله عليه وسلم أن يكون سلوك المسلمين وحركتهم بمنهجهم عنواناً يرد كيد الأعــــداء، ويطمس الشبهات، ويزيل الإشاعات التي رددتها يهود حول حُمَّى يثرب التي أصابت المسلمين.

ثم يأسى على واقـــــع أمته وكيف أن مجرد تلك الإشاعات حول الوهن الصحي الظاهري الذي زعموا أنه أصــــاب الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ قد استحالت إلى حقيقة مُرَّة وهو إصابة مسلمي عصرنا بـوهـن أخطر، وهو الوهن الباطني، والهزيمة الداخلية النفسية.

ومن خلال تلك القضايا التي ذكرنا طرفاً منها يتبين للداعية مدى أهمية المشاركة في جولة التدافع الحضارية المعاصرة، وذلك بحمل المشروع الحضاري الإسلامي؛ فبه ـ وبه وحده ـ تستطيع أمتنا أن تجابه المشروع الصهيوني الغربي.

فهو المشروع الذي به تتوحــد اهـتـمـامات الأمة وجهودها، فيكون تمحورها وطوافها حول محور تغييري واحد، وذلك للخروج مــــن مرحلة القصعة؛ فلعل هذه المشاركة تزيل الوهن والغثائية، وتُري أعداء الأمة من المشاركين معنى القوة والعزة.

ساعة ... وساعة:

تـنـمـيـة خُـلــق التيسير: بعد إتمام الطواف، وقبل أن يبدأ السعي، يُسن للحاج أن يصلي ركعتين جـاعــلاً مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ بينه وبين الكعبة ولو بَعُدَ، وإن لم يتيسر له صلَّى في أي مـوضـــــــع، ويُستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (الكافرون)، وفي الثانية (الإخلاص).

بـعــد ذلك يُستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها، ويصب على رأسه، وإن تيسر له رجع وكبَّر واستلم الحجر الأسود.

ولو تدبـرنا نوعية تلك السنن وموضعها لوجدناها تتكرر بصفات أخرى طوال رحلة الحج، ونجدها أيضاً تفصل بين كل عملين شاقين.

أو بمعنى آخـــر كأنها لحظات لالتقاط الأنفاس قبل الشروع في الأعمال التي تتطلب جهداً ومشقة.

وتدبر جلسات الاســتـراحـة الإيمانية المتعددة تلك، والتي تأتي على هيئات مختلفة عملاً ووقتاً مثل يوم التروية قبل الـخـــروج إلـى عـرفة، والمبيت بالمزدلفة قبل أعمال يوم النحر الشاقة من رمي ونحر وحلق وطواف.

وهـــذا الملمح التربوي يفتح باباً عظيماً في المنهج، ويدلنا على سمة عظيمة من سمات ذلك الـمـشـــروع الحضاري، وهو مراعاة الطبيعة البشرية، ومراعاة قدرات المشاركين في حمله، وكذلك يدل على يسر هذا المنهج وواقعيته وملاءمته للجميع.

وتدبر كيف أن الحبيب صلى الله عليه وسلم قد راعى قدرات أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ، فـجـعـــل ذروة سنام الدين ـ وهو الجهاد ـ درجات ومراتب، فلم يُحرَم أحد من شرف القيام به، حـتـى وإن قــصـــرت همته، وضعفت قدراته، بل وإن اعترف بها؛ وذلك لأن الجهاد هو سبيل الأمة ومـصدر عزها، ولا بد من أن يشارك الجميع في الركب؛ لذا صُنِّف الحج على أنه جهاد الضعفاء، فعن الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ قال: "جاء رجلٌ

إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان، إني ضعيف، فقال صلى الله عليه وسلم: هَلُمَّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه: الحج"(17).

وكان منهجه صلى الله عليه وسـلـم هــــو الـوسـطـيـة، بمراعاة الفطرة الإنسانية، وحدود الاستطاعة البشرية: "مَهْ، عليكم بما تُطيقون، فوالله! لا يملُ الله حتى تملوا"(18).

وذلك روح الدين، وأساس القاعدة الربانية التي يقوم عليها المنهج الإسلامي: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ)) [البقرة: 185].

ويخرج الداعية من هذه الركيزة،بأن يراعي الطبيعة البشرية، وقدرات المشاركين، ويوظف كلاًّ في مكانه، ولا يُشعر أحداً بأفضلية مكانته على الآخر.

وإن كان الركب يحتاج إلى طلائع قـويـــة، ودعائم صلبة تتحمل التبعات فإن الصف أيضاً يضم بجانب هؤلاء الرواحل آخرين من أنـصـــاف الـرواحــــــل، والأقل منهم درجة، أو درجــات، ولكل قدراته وطاقته التي توضع في عين الاعتبار، ولكل دوره الذي لا يستطيع أحد غـيـره الـقـيـام بـــــه، ولكل ثغره الذي لا يستطيع أن يحرسه غيره، بل ولكل فضله ومكانته التي لا يمكن لأحد بخسها.

وعلى الداعية كذلك ألا يـهـمـل فــتـرات التـرويــــح على النفس، ولكن بشرط أن تنضبط بشرعيتها مع الأهداف والغايات الربانية للمسيرة؛ فـهــــو المجاهد الذي لا ينسى قضيته حتى وإن استراح لبعض الوقت، وكذلك يجب ألا تطول فتـرات الــراحــة الـمـبـاحـــــة والاستجمام البريء فتنسيه مهمته.

وهو من باب الوسطية؛ أو التوازن والاعتدال، كما في نصيحته صلى الله عليه وسلم: "يا حنظلة! ساعةً وساعةً"(19).

الشقائق:

دور المرأة في المشروع الحضاري: بعد ذلك يتجه الحاج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا تلا قـــوله ـ سبحانه ـ: ((إنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَـلَـيْـهِ أَن يَـطَّــوَّفَ بِـهِـمَــــا ومَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)) [ البقـرة: 158]، ثـم

يقول: "نبدأ بما بدأ به الله". ثـم يـبـدأ مــن الـصـفــــا فيرتقي ثم ينظر إلى الكعبة، فيكبر ويوحد، ويدعو ثلاثاً من خيري الدنيا والآخرة، ثم يبدأ السعي متجهاً إلى المروة ويذكر الله ـ عز وجل ـ ويدعو وهو يمشي. ويركض هرولة بين الـمـيـلـيـن. ثم يمشي حتى يأتي المروة فيرتقي عليها، ويصنع كما صنع على الصفا. ثم يعود إلى الصفا ويكرر ذلك سبعاً.

وعندما نتأمل هذا العمل العظيم من أركان الحج أو واجباته ـ وذلـك مــن زاويـــة بحـثـنـا الـمتواضع، ومغزاه التربوي ـ من حيث دلالاته باعتباره ركيزة من ركائز المشروع الحضاري فإنـنـــــا نرى بدايةً أنه قد شُرع للأمة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "اسعوا؛ فإن الله كتب عـلـيـكـم السـعــي"(20)،شُرع ليربط الأمة بتاريخها الناصع،ويذكر الأمة بجذورها،

وأصالتها تذكرة دائمـة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، يذكرها بتلك التجربة العظيمة، والجهد الشاق الذي قامت به هاجر الصابرة المؤمنة المثابرة، ـ عليها السلام ـ وهي تبحث عن الماء لرضيعها ولـهـــا بعد أن نفد الماء الذي كان معها، و "عطشت، وعطش ابنها ـ أي انقطع لبنها فعطش ابنها ـ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ـ أي يبكي ويتقلب، وفي روايــــة: يتـلـبـط أي يتمــرغ ويضرب الأرض برجليه، وفي أخرى: يتلمظ أي يخرج لسانه فيبل به شفتيه وكانت سنه حينئذ سنتين ـ، فانطلقت كراهيةَ أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يـلـيـهـا، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر: هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ـ أي قميصها ـ ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة، فقامت عليه،فنظرت: هل ترى أحداً، فلم ترَ أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عـبـاس ـ رضـــي الله عنهما ـ: فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً؛ فقالت: صهٍ ـ تريد نفسها ـ ثم تسمَّعت، فسمعت أيضاً! فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ، ـ أي سـاعــدني لأني سمعتك ـ فإذا هي بالمَلَكِ ـ أي جبريل ـ عليه السلام ـ عند ماء زمزم ـ فبحث بعَقبهِ ـ أي عظم مؤخر القدم ـ أو قال بجناحه، حتى ظهر

الماء"(21).

وبتدبر هذه التجربة العظيمة نستطيع أن نتلمس بعض الملامح التربوية حول بعض القضايا الفرعية، ثم حول القضية العظيمة والـمـغــــزى الرفيع الذي نخلص إليه وذلك في الحلقة التالية ـ إن شاء الله ـ.

الهوامش:

(1) رواه البخاري، 2/ 164.

(2) مدارج السالكين: ابن القيم، 1/ 85 ـ 90.

(3) رواه البخاري، ح/ 1337.

(4) قصة جريج العابد رواها البخاري، ح/ 2302، ومسلم، ح/ 4625..

(5) رواه البخاري، 2/ 164، ومسلم، 4/5.

(6) رواه الترمذي، ح/ 2337.

(7) رواه مسلم، ح/ 654.

(8) رواه مسلم، ح/ 4650.

(9) رواه مسلم، ح/ 654.

(10) رواه البخاري، ح/ 676.

(11) رواه ابن خزيمة، ح/ 2634 بسند صحيح.

(12) تفسير القرآن العظيم: ابن كثير، 3/ 226.

(13) رواه مسلم، ح/ 4869.

(14) رواه البخاري حديث رقم 1.

(15) رواه أبو داود ، ح/ 3745 .

(16) رواه أحمد، ح/ 5442.

(17) رواه الطبراني في المعجم الكبير، ح/ 2910 ورواته ثقات.

(18) رواه البخاري 1/ 101 باب أحب الدين إلى الله أدومه.

(19) رواه مسلم، ح/ 4937.

(20) المنهاج في يوميات الحاج: خالد بن عبد الله الناصر، 35.

(21) رواه البخاري، ح/ 3113.

اسـتـعـرض الـكـاتــب في الحلقـة الأولى رحلة الحج مستنبطاً من مسيرتها الدروس والعبر، وإشــارات للـسـاري في طـريــق المــلــة الحنيفـية، وقد ختم الحلقة بدور المرأة في المشروع الحضاري عندما توقف عند ركن السعي والرمل بـيـن الصفا والمروة؛ حيث ذكرنا بهاجر ـ

عليها السلام ـ. وفي هذه الحلقة يتابع الكاتب نظراته التربوية في مسيرة الحج وما يستفاد

منها في المشروع الحضاري لأمتنا الإسلامية.

ـ البيان ـ

أ - أما بالنسبة للقضايا الفرعية:

فأولها: عندما يتأمل الحاج أنه قد كُتب عـلـيه السعي على النهج نفسه وبالخطوات التي

قامت بها أم إسماعيل ـ عليهما السلام ـ نرى أن الله ـ عز وجل ـ يريد أن يذكِّر كل مسلم،

أن هــذه الأمة واحدة؛ لأنها تملك كل مقومات هذه الوحدة: من جذور تاريخية، وأرض،

وأفكار موحدة، وأنها تتجذر في التاريخ عمقاً يربطها بأبي البشر آدم وأبي الأنبياء إبراهيم

ـ عليهما السلام ـ أوائل من بنوا البيت، وأنـهـــا كذلك تتجذر في التاريخ عرضاً لتضم كل

الأمم وكل أجناس الأرض؛ فهي أمة واحدة ورسالتها واحدة.

ثانيها: كيف أن الماء الذي كان في سقاء هاجر ـ علـيـهــا السلام ـ قـد نـفـــد لتتعرض هي

ووليدها الحبيب لهذه المحنة العظيمة التي تضطرها لهذا السعي والركض الشاق والمتكرر،

وهو الملمح الذي يبين أنه قد كتب على ابن آدم عامة حظه من الكد والـنـصـــب، تحقيقاً

لسنته ـ سبحانه ـ أن حياة هذا المخلوق هي سلسلة من الكد والتعب: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ)) [ البلد: 4]، وأن الإنسان مخلــوق مبتلى: ((إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)) [الإنسان: 2].

وكتب كذلك على الدعاة وحاملي الأفكار النبيلة خاصة تحقيقاً لسنته ـ سبحانه ـ:

((الّـم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ )) [العنكبوت: 1، 2].

إذن لا بد من الجهد والمحنة من أجل الاختبار والتمحيص، ومن أجل التمييز والانتقاء:

((مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)) [آل عمران: 179].

وهذا المـبـدأ ـ مـبــدأ الابتلاء ـ لم يُستثن منه أحد حتى هاجر الصابرة الممتحنة ووليدها ـ

عليهما السلام ـ بل كل الأنبياء ـ عليهم الـسـلام ـ والصالحون والمصلحون على دربهم.

ثالثها: تدبر وصف الحديث الشريف لحال هاجر ـ عليها السلام ـ: "فانطلقت كراهية أن

تنظر إليه" أي كان هـنـالك شـعــور داخلي عارم يدفعها للعمل والبذل إحساساً بالمسؤولية

والإيجابية لعمل شيءٍ مَّا لتدفــع به تلك المحنة، ولم تقعد وتولول تواكلاً وكسلاً وأن هذا

شيء مقدر؛ بل نستشعر من طريـقـة سـعـيها ـ عليها السلام ـ معنى التصميم والعزم، وهو

الشعور الذي يغيب عن بعض الدعاة؛ الشعور الداخلي بالمسؤولية لعمل شيء مَّا من أجـــل

الفكرة التي يحملونها.

رابعاً: كانت هاجر ـ عليها السلام ـ تسعى وتركض، ولا تريد أن تعود حتى تحصل على

بغيتها حتى إنها كررت سعيها سبع مرات! أي كان هنالك تصميم وثبات وعدم يأس من

تحقيق بغيتها. ولقد كان بإمكانها أن تعذر إلى الله ـ سبحانه ـ بأن تسعى مرة أو مرتين.

وهو الملمح الذي يذكِّر الدعاة بطرْق أبواب الخير مرات ومرات حتى تفتح، وأحــرى لـمـن

داوم على قرع الباب أن يُفتح له.

فالداعية صاحب قضية، وهو دوماً يتطلع إلى المعالي، ولا تعوقه مغريات الأرض، ولا ثقلة

الطين حتى يتحقق هدفه العظيم، كما قال أحمد محمد الصديق:

يتعالى عــن أراجـيــف الثــرى نافضـــاً عنــه غـبارَ التهــــــم

مـــن تكــن عينــاه للأرض فلن يتسامــــــــى أبــداً للأنجــــم

خامسها: بعد هذا المجهود المتكرر، والسعي الشاق المضني، والأخذ بكل الأسباب لا يسفر

ذلك عن شيء، حتى كان الفرج بيده ـ سبحانه ـ المطَّلع على هذا الأمر، فأرسل جبريل ـ عليــه السلام ـ ليضــرب بعقبـه أو بجناحه الأرض فتتفجر زمزم.

وهو الملمح الذي يذكِّر الدعــاة بالفقــه الجيــد لقضية التوكل على الله؛ وذلك بأن يسـعـوا في الأسباب ـ وبأفضل الأسباب ـ مع القناعة الداخلية بعدم الركون إليها، ثم مـع الـيـقـين فيما عنده ـ سبحانه ـ: ((مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ومَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ)) [النحل: 96]

والـفـرج بـيــده ـ سـبـحـانــه ـ وحــده مالك الملك، ومقدِّر الأقدار؛ لذا فإن الجوارح تعمل

بالأسباب، والقلب يناجي رب هذه الأسباب: ((بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

[آل عمران: 26].

وثمرة هذه القضية هو الخلوص والتجرد للحق ـ سبحانه ـ ((وظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ)). [التوبة: 118].

ب - أمـا بالـنـسـبة للقضية الكبرى والمغزى العظيم من ركن السعي؛ فإن هذا العمل الذي

يقوم به كل حـــاج ومعتمر يكاد يكون بكل دقائقه هو ما قامت به هاجر ـ عليها السلام ـ

نفسه، وكأنها رســــمـت الخُطا للاَّحقين في كل عصر وفي كل جيل؛ فلا تتم لهم عمرة ولا

حج إلا به، ثم لـيـتـدبروا بعض الدروس التربوية منه. ولا يكاد يخلو هذا المكان من ساع

ومهرول في أي لـحـظــــة، من اليوم والنهار، وكأننا بالحق ـ سبحانه ـ يريد أن تظل تلك

القضية ودروسها حية دوماً في وجـدان الأمـــة حتى يرث الأرض ومن عليها؛ عرفاناً بدور

هاجر ـ عليها السلام ـ وتذكيراً للأمة، ورداً على أباطيل أعدائها وشبهاتهم.

وعندما نتدبر هذا الركن من خلال زاوية دراستنا نجد أنه رد عملي، وبرهان جلي، حول

قضية طالما أثار حولها المــعـارضــــــــون للمشروع الحضاري الإسلامي الكثير من الشبهات

والاتهامات؛ بل العجب في الأمر أنه قد يـُـشــارك بـعــض المسلمين في إثارة الغبار حولها

بحسن نية، أو بجهل، أو بهما معاً! وهي قــضــيـة مــكـانة المرأة في الإسلام، ودورها في

المشروع الحضاري.

ويكفينا في هذا المقام أن نقتطف بعض ما جاء في الــرأي الـشـامـل الجامع والراقي للحركة

الإسلامية المعاصرة حول هذه القضية؛ فالمرأة (هي الأم التي ورد في شأنها الأثر الكريم: أن

الجنة تحت أقدامها، والتي قدمها الله ـ تعــالى ـ على كل من عداها في حق صحبة الأبناء

لها، وأنهن شقائق الرجال. والمرأة هي نصف المجتـمـع ونصف الأمة والقائمة على تنشئة

الأجيال. ومسؤولية المرأة الإيمانية كالرجل سواءاً بسواء؛ فهي مأمورة ـ كالرجل ـ بالإيمان

بالله، وبالعمل بالأركان، وعليها ما على الرجل من واجـــب التفقه في الدين. والحدودُ في

الشريعة واحدة بالنسبة للرجل والمرأة، ونفس المرأة في القصــاص كنفس الرجل. وهي أول

من آمن، وأول من استشــهد في سبيل الله. ولقد شاركت في الجهـاد والغزوات. ولا يصــح

زواج في الشـــريعة إلا بموافقتها ورضاها وإجازتها، ولا يجوز شرعاً إجبارهـا علـى الزواج

ممن لا ترضاه. وللمــرأة ذمة مالية كاملة لا تنقص شيئاً عن ذمة الرجل المالية. ونقصها في

الدين ليس نقصاً في الإيمان ولا لأنها مخلوق متدنٍّ غير أهل للرقي، بـل لـرفـــع العبادات

عنها في أوقات معينة. ونقص الحظ هو في بعض أنصبة الميراث فقط. أما نقص العـقــل فهو

مـحـــدد بالشهادة على أمور معينة أهمها الدَّيْن أي القرض، وعقود البيع والحدود. أمـــا

قوامة الـرجــل عليها فلا يجوز أن تُفهَم على أنها مطلقة في كل الأمور ولعامة الرجال، بل

إن هذه القوامة خاصة بالأسرة فقط، وفيما يتعلق بالأمور المشتركة بين الزوج والزوجة.

ورياسة الرجـــــل لـيـسـت ريـاســـة قهر وتحكم واستبداد، ولكنها تراحم وتواد ومعاشرة

بالحسنى، وتقوم على التشاور؛ فالأصل هو المساواة، ولكن الاستثناءات ترد منه ـ سبحانه

ـ. وقد وردت النصوص بأن جسد المــرأة كله عورة، ولا يجوز أن يظهر منه لغير محارمها

سوى الوجه والكفين، وأن خلوة المرأة بالرجل غيـر المحرم لها غير جائزة. وللمرأة وظيفة

أساسية هامة وسامية خصها ـ ســبـحـانـه ـ بهــا وهي وظيفة الحمل والأمومة، وهي ربة

البيت وملكته. وللمرأة حق المشاركة في انتخاب أعضاء المجالس النيابية وما ماثلها. ولها

الحق في تولي مهام عضوية المجالس النيابية وما يماثلها. والوظيفة المتفق على عدم جوازها

لها هي الولاية العامة، أي رئاسة الدولة. أما القـضاء فقد اختلف الفقهاء بشأن توليها له،

وهذا يحكمه فقه الموازنات والترجيح. أما ما عدا ذلك من الوظائف فما دام أن للمرأة شرعاً

أن تعمل فيما هو حلال لم يرد فيه نص بتحريمه. وهذه الحقوق وكيفية استعمالها تحكمها

ظروف وأخلاقيات كل مجتمع)(1).

وهـكـــذا فــإن ركـــن السعي يفتح أفقاً رحيباً للمشاركين في المشروع الحضاري حول قضية

المشارِكــات ودورهــن، فـلا يـبـخـسـن، ولا يُهـمـلن. ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم

سماهن: الشقائق.

مع المؤتمرين!

فـضـــل الجماعية وأهميتها: ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه الحاج من منى إلى

عــرفــــة، وهو يلبي ويكبر: "الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد". ويرفع بها

صوته. ويـكـره له الصيام في هذا اليوم. ومن السنَّة النزول في نمرة إلى الزوال إن أمكن. فإذا

زالت الشـمس سُنَّ للإمام أو نائبه أن يخطب خطبة تناسب الحال، ويبين للحاج ما يشرع

في هذا الـيـوم وبـعده. وبعدها يصلي الظهر والعصر جمع تقديم وقصراً؛ وذلك ليطول وقت

الوقوف والدعاء بـعـد الـصـــلاة؛ حيث يتفرغ للذكر والدعاء والتضرع إلى الله، ويدعو بما

أحب من خيري الدنيا والآخـــرة، وليس لعرفة دعاء مخصوص، ويستحب أن يرفع يديه

حال الدعاء، ويستقبل القبلة. والأفضل أن يجعل الجبل بينه وبين القبلة، إن تيسر ذلك.

ووقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر من يوم العيد. وعليه أن يتثبت من كونه داخل عرفة،

ولا يخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.

وبتأمل أعمال هذا اليوم العظيم نقـتـطـف بـعـض الـملامح التربوية؛ وذلك من منظور دوره

ركيزةً من ركائز المشروع الحضاري:

أ - "الحـج عـرفـة"(2) بـهـاتـين الكلمتين وضح صلى الله عليه وسلم أهمية هذا الركن من

أعمال الحج، ولقد أجمع العلماء على أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم؛ فهو اليوم

الذي يجتمع فيه كل الحجيج في مكان واحد، وفي يوم واحد، وإن امتد وقت الوقوف.

وكأن المقصود هو اجتماع ممثلي الأمـــة من كل جنس ولون، ومن كل أرض وصقع، وكأنه

مؤتمر سنوي يناقش هموم الأمة، ويعطي الدليل على كيفية اجتماعها.

وعندما نتدبر مغزى حديثه صلى الله عـلـيـه وسلم أن الحج الصحيح هو من أدرك الوقوف

يوم عرفة فإننا نستشعر أن جمع الأمة على هــذه الـصـيـغـة مــن الأهمية العظيمة بمكان،

ويبرهن أيضاً على أن حضور هذا المؤتمر السنوي الكبير يجب ألاَّ يتخـلـف عـنه أحد ممن

حضر من ممثلي الأمة.

وكـم هـــو منهج عظيم عندما يدعو في كل مناسبة إلى الوحدة، ويشيد بالجماعية وبركتها،

وينبذ أفكار التشتت والتشرذم!

ب - في توجه الحجيج إلى عرفات تحت راية التكبير والتوحيد والتهليل يفهم منه أهمية

الفكرة الربـانـيـة ودورهــــا أن ركيزة التجميع لهذه الأمة هي كلمة التوحيد؛ فهي الفكرة

الربانية التي رشحها الحــق ـ سبحانه ـ لأن تجتمع عليها الأمة ـ كل الأمة ـ وهي الراية

التي من الممكن أن يتجمع حـولـهـا كــل الـنـاس؛ فـتـنـطلق بهم إلى سيادة الدنيا، وسعادة

الآخرة.

ونحن في هـذا المقام نضيف دليلاً آخر يؤكد ما قلناه؛ وهو ما أورده (ابن خلدون) في مقدمته

(أن الـعـــرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين

على الجـمـلــــة؛ والسبب في ذلك أنهم ـ لخُلُق التوحش الذي فيهم ـ أصعب الأمم انقياداً

بعضهم لبعض. فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم

مذمومات الأخــلاق، ويـأخـذهـم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق ـ تم اجتماعهم

وحصل لهم التغلب والملك، وهم مع ذلك أسرع الناس قبولاً للحق والهدى والسلامة)(3).

ج- وفي قصر الصلاة وجمعها نسـتـشـعـر مــنـه وكـأن الـمقـصـــود أن يطـول وقت الوقوف

والتضـرع إلى الله ـ عز وجل ـ وذلك من شأنه أن يحقق الهدف الثاني من أهــداف ركــــن

الـحـج وهو قطف ثمرته الروحية من ذكر ودعاء واستغفار؛ فهو فرصة سانحة لا تتكرر إلا

كل عـام، ولمن سعدوا بحضورها؛ حيث تبدو سويعات الوقوف وكأنها دورة تربوية روحية

مركَّزة قدَّرها ـ سبحانه وتعالى ـ لمعالجة بعض جوانب تلك الحالة الاعتلالية التي تحدثنا

عنها في (ظاهرة التآكل الروحي)؛ حيث تتسرب إلى بعض النفوس.

وتدبر كيف أن المربي العظيم صلى الله عليه وسلم قد عمم الترغيب في آثار الحج الروحية

عموماً، ثم خصص أهمية يوم عرفة، من ذلك: "من حج هذا البيت؛ فلم يرفث، ولم يفسق

رجع كـيـوم ولـدتـــه أمه"(4)، "العمرة إلى العمرة كفارة لم بينهما، والحج المبرور ليس له

جزاء إلا الجنة"(5)، "مــا مـن يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،

وإنه ليدنو ـ عز وجل ـ ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟"(6).

د - في هذا اليوم، وفي أثناء فــرحــة الحـجـيـج بموقفهم، وبمؤتمرهم الجليل، وبينما هذا

الجمع الطيب مشغول في دورته الروحية كان مــن الفقه العميق أن يُعرِّج الحبيب صلى الله

عليه وسلم إلى التحذير من العدو المبين ذلك الذي يـتـأذَّى حـسـداً وحقداً من مجرد سجود

المؤمن وطاعته لربه، فما بالك بهذا الموقف العظيم؟!

عـن أبـي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما رُئِيَ الشيطان

يوماً هو فيه أصغر، ولا أدحر ـ أي أذل وأهون ـ ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا

لما رأى من تَنَزُّل الرحمة، وتجاوُزِ الله عن الذنوب العظام، إلا ما أري من يوم بدر. قيل:

وما رأى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أما إنه رأى جبريل يَزَع ـ أي يقود ـ الملائكة"(7).

وهو العدو الذي لا ينام، ولا يغفل عن الدس والوسوسة. قال رجل للحسن: يا أبا سعيد!

أينام الشيطان؟! فتبسم وقال: لو نام لاسترحنا(8).

وهذه اللمحة النبوية العظيمة تذكرنا بباب عظيم من الفقه ألا وهو علم الشر، وسبل الوقاية

منه، وهــــو الباب الذي لا يغني عنه ولا ينفي أهميته أن نفقه علم الخير، وسبل الوصول

إليه.

مع السائرين!

تـنـمـية الجوانب الأخلاقية: بعد غروب شمس يوم عرفة تبدأ الإفاضة، فينطلق الحاج إلى

مزدلفـة بهدوء وسكينة، مهللاً ومكبراً وملبياً، ثم يُصلي المغرب والعشاء قصراً وج

مقالات الحج