مجلة البيان ملف الحج التاريخ الهجري اليوم

خواطر من عرفات

عرفات يا رمز الأمة ، والرسالة ! عرفات كم وقفت بساحك جموع ، وسالت

على ثراك دموع ، وتعارف على راحتيك الناس ، وذابت في محيطك الأجناس ،

وبورك منكسر ورُدَّ شديد المراس . كم تعانقت فوقك قلوب ، وفرجت على ثراك

كروب ، ومحيت أوزار وذنوب . كم امتزجت فيك دموع المذنبين ، وتعانقت

أصوات المستغفرين ، وتوحدت رغبات الراغبين .. كم تجردت فيك النيات ،

وسالت على جنباتك العبرات ، وخشع أهل الأرض لخالق الأرض والسموات .

أيها المسلمون : كم تغلي قلوب أعدائكم حقداً ! ! وكم عضَّوا أناملهم غيظاً

وحسداً ! ! ] مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ولا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ

خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ [ [ البقرة 105] . هم يريدون أن يقطعوا دابر الدين كي تخور القوى ، ويُتَبع الهوى ، وتَعُمُّ البلوى . كي لا يعز دين ، ولا يقوى يقين ، ولا يتم تمكين .

كيف يُضْحِي بأسنا بيننا شديداً . وأملنا في العودة إلى المنبع الرائق بعيداً .

أيها الأحباب : إن الذي أمركم بالتلبية فلبيتم ، وبالحج فحججتم ، وبالوقوف

هنا فوقفتم هو الذي قال : ] وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم [ [الأنفال 60] . وتسلحوا لهم

بالتقوى فمن أراد غنى بغير مال ، وعزاً بغير جاه ، ومهابة بغير سلطان فليتق الله .

فإن الله عز وجل يأبى أن يذل إلا من عصاه .

وتذكروا جيداً وصية نبيكم منذ ألف وأربعمائة عام يوم النحر في منى وهو

يقول ويقرر ، ويوصي ويحذر : ( فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم

هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم . ألا هل بلغت ؟ ) قالوا : نعم ، قال : ( اللهم اشهد . فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع . فلا ترجعوا

بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) رواه البخاري .

فاذكروا ذلك جيداً - واعلموا أن الأمة التي تعمل بالمعاصي وتحيد عن أمر

الله تسقط وتنهار ، ولستم والله أفضل من سعد بن أبي وقاص - بطل القادسية

المبشر بالجنة ، السابق إلى الإسلام - ومع كل ذلك هذه وصية عمر بن الخطاب -

رضي الله عنه- له وهو متأهب للمسير إلى القادسية حيث قال له : ( يا سعد‍‍ ! ) ،

لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول الله . فإن الله عز وجل لا

يمحو السيء بالسيء ، ولكنه يمحو السيئة بالحسنة ، يا سعد ! إن الله ليس بينه

وبين أحد نسب إلا طاعته . فالناس جميعاً شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء .

الله ربهم وهم عباده ، يتفاضلون بالتقوى ، ويدركون ما عنده بالطاعة ) ، فكونوا -

رحمكم الله - على المؤمنين قلوباً صافية ، وعلى أعداء دينكم أسوداً ضارية .

أنسيتم أيها الأحباب غضبة رسولكم حيث أقسم ألا يبيت اليهود بالمدينة وقد

أنجز ذلك ، أنسيتم غضبة الهادئ الوديع الساكن أبي بكر حين زمجر وقال : ( والله

لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه ) .

أنسيتم غضبة نور الدين حينما وقع الأقصى أسيراً في أيدي الصليبية فظل

حزيناً عابساً ولما سأله سائل : ( لم لا تضحك ؟ ) قال : ( أستحي من الله أن أبتسم

والأقصى أسير في أيدي الأعداء ! ! )

والآن أيها الأحباب متى تُحَركُنا مصاحف تُحرق ، ومساجد تُهْدَم ، وأعراض

تُنْتَهَك ، وأطفال أطهار يداسون بالأقدام ، ودموع في عين القدس وكشمير والبوسنة

والهرسك وارتيريا والصومال وغيرها .

رُبَّ وامعتصماهُ انطلقت مِلءَ أفواهِ الصبايا اليُتَّمِ

لامستْ أسماعَهُمْ لكنَّها لم تلامِسْ نخْوةَ المعتصم

نريدها أمة جادة في القول والعمل ، إن قالت فبعلم ، وإن سالمت فبعلم ، وإن

حاربت فبعلم ، وإن قررت فبعلم ، ليست عابثة ، ولا لاهية ، ولا غافلة . يقول

يحيي بن معاذ -رحمه الله- : ( القلوب كالقدور تغلي في الصدور ، ومغارفها

ألسنتها . فانتظر الرجل حتى يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه ، من بين حلو

وحامض وعذب ومالح . يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه ) .

روى البخاري عن عدي بن حاتم الطائي - رضي الله عنه - قال : ( وفدت

في وفد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجعل يدعو رجلاً

رجلاً ويُسميهم ، فقلت : أما تعرفني يا أمير المؤمنين ؟ قال بلى ! ! أسلمت إذ

كفروا ، وأقبلت إذ أدبروا ، ووفيت إذ غدروا ، وعرفت إذ أنكروا ، فقال عدي : فلا

أبالي إذاً ) . فهذا رصيده وهذا مناط فخره ، ورأس ماله ، وقوام شخصيته .

إن الهمم العالية لا ترضى بالدنئ ولا تقنع إلا بمعالي الأمور :

قلت للصقر وهو في الجو عال اهبط الأرضَ فالهواء جديبُ

قال لي الصقر : في جناحي وعزمي وعنانِ السماءِ مرعىً خصيبُ

وهذا المرعى لا شك يجهله الأرضيون ، حيث ثقلة الأرض ومطامع الأرض . وتصورات الأرض ، ثقلة الخوف على الحياة ، والخوف على المال ، والخوف

على اللذائذ ، والمصالح والمتاع ، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار :

أتُسبى المسلمات بكل ثغرٍ وعيش المسلمين إذن يطيبُ ؟

أما لله والإسلام حقُّ يدافع عنه شبانٌ وشيبُ ؟

فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا اللهَ وَيْحَكُمُ أَجِيبوا

مقالات الحج